بقلم : محمد نجم
أعتقد أن الجميع يعلم أن المؤتمر الاقتصادى- مصـــــر المستقبل- ليس البداية ولن يكون النهاية لإجراءات عديدة وخطوات متتالية تعيد وضع الاقتصاد المصرى على «التراك» مرة أخرى..
نعم.. يتوقع أن يكون المؤتمر محفلاً إقليميًا وعالميًا مهمًا، حيث تحضره وفود 60 دولة و20 منظمة دولية متخصصة، بخلاف الشركات العالمية الكبرى وعدد ضخم من المستثمرين من القطاع الخاص، وقد وجهت لهم أكثر من أربعة آلاف دعوة، وهو ما يعنى فرصة جيدة لإعادة تسويق مصر سياسيا واقتصاديا بعدما شهدته من تطورات متلاحقة طوال السنوات الأربع الماضية.
ولكن يجب ألا نبالغ كثيرا فى النتائج المباشرة للمؤتمر حتى لا يصاب المجتمع بالإحباط من تأخر النتائج لهذا المحفل الدولى الذى تتعامل معه الحكومة وكأنه سيأتى بنتائج لم تأت بها الأوائل!
فالكل يعلم أن المستثمرين لا يشاركون فى مثل هذه المؤتمرات وهم يحملون حقائب ضخمة مملوءة بملايين الدولارات، وكذلك رؤساء ومديرو الشركات الدولية الكبرى لا يحضرون ومعهم «الأختام» للتوقيع على عقود لاستثمارات جديدة.
ولقد وقعنا فى الفخ- كإعلام- من قبل عندما شهدت مصر منذ سنوات قليلة وفى ذات المدينة أيضا مؤتمرات اقتصادية عالمية.. وسارعنا وقتها بحمل البشرى للفقراء ومحدودى الدخل من المصريين بأن كل مشاكلكم فى طريقها للحل وهتاكلوا بطاطا وتمشوا بكل «آلاطة» ثم انفض المولد كما انعقد.. سوى الكثير من الصور التذكارية والكلام المعاد والمكرر.. والقليل من الوعود بالدراسة والبحث تمهيدا للاتفاق على مشروعات استثمارية جديدة.
فالاستثمار فى أى بلد لا ينتظر حدثًا معينًا.. والمستثمرون دائمو البحث عن الفرص الاستثمارية المربحة فى أى مكان وفى كل الأوقات، وشروط الاستثمار.. معروفة سواء كان محليًا أو أجنبيًا.. إقليميًا أو دوليًا.. وتتلخص فى الاستقرار السياسى وتوافر الأمن واحترام العقود التى تبرم وإنهاء المشاكل التى تحدث وغياب التعقيدات البيروقراطية.. أى أن يكون «المناخ العام» فى الدولة جاذبًا ومحفزًا للاستثمار مع سهولة الدخول إلى السوق.. وأيضا سهولة الخروج منه.
هذه بديهيات يعلمها القاصى والدانى فى النشاط الاقتصادى عموما.. وهى مطلوبة وضرورية للأنشطة المحلية قبل الاستثمارات الخارجية، لأن الأولى هى الأساس.. وهى الزهور التى تجذب النحل، والكل يعلم أن الاستثمارات الخارجية لا تذهب إلى بلد ما إلا إذا كانت هناك استثمارات محلية ناجحة وآمنة وتحقق أرباحا معقولة.
وليس معنى توافر بعض هذه «البديهيات» أن نضع يدنا على خدنا وننتظر المنح والمساعدات، فتلك الأخيرة لا تأتى إلا لمن يساعد نفسه أولا.. حتى يساعده الآخرون.. ولابد أن نحاول تغيير ما نشكو منه، فالدول والاقتصادات عموما لا تنهض إلا بالمحاولات الجادة المتواصلة وعلى كافة الأصعدة، وإذا كان المؤتمر قد بدأ بفكرة «مؤتمر للمانحين» ثم تطورت الفكرة إلى مؤتمر عام وعالمى للاستثمار.. فهذا نجاح للقائمين على أمر البلاد والاقتصاد، ويأتى فى هذا الإطار أيضا تسارع الحكومة بتعديل قانون الاستثمار ليوفر بيئة ملائمة وإجراءات ميسرة للمستثمرين.
فالكل يعلم أن الاقتصاد المصرى يعانى من ثلاث مشاكل رئيسية أولها عدم التوازن بين قطاعاته المختلفة، والثانية وجود فجوة تمويلية بين ما هو مطلوب وما هو متاح أو ممكن.. ويعبر عنه دائما بعجز الموازنة العامة للدولة، هذا بخلاف حجم الدين العام وفوائده، أما المشكلة الثالثة وهى الأهم.. فهى تباطؤ معدل النمو وارتفاع معدل البطالة..
ومن ثم لا بديل عن الاستثمار.. أى مشروعات جديدة أو توسعات فى مشروعات قائمة، وهو ما يعنى فرص عمل جديدة، إنتاج أكثر و صادرات إضافية،و عوائد جديدة،و انخفاض فى الواردات، فالعملية متكاملة..ويا حبذا لو تزامن مع كل ذلك بدء تطبيق فكرة العدالة الاجتماعية.. التى غابت كثيرا عن المجتمع لأسباب يعلمها الكثيرون ولا يتسع المكان للخوض فيها من جديد.
ومن حسن الطالع أن الجهاز الحكومى قد جدد نفسه قبل انعقاد المؤتمر.. وفى خطوة مفاجئة حتى لا يتعطل دولاب العمل فى الدولة، فقد خرج 6 وزراء من الحكومة كشفت الأيام عن ضعف الأداء الصادر منهم مقارنة بما هو مطلوب، فضلا عن حرص بعضهم على إثارة العديد من المشاكل بدلا من البحث عن حلول لما تواجهه وزارته من أحداث.
وقد استحدث التغيير وزارتين جديدتين الأولى للتعليم الفنى والتدريب المهنى وأخرى للسكان، وقد كانتا مطلبين ضروريين من مطالب المجتمع، كما أتى التغيير الوزارى بشباب صاعد متحمس مثل المهندس خالد نجم ابن المرحوم على نجم شيخ المصرفيين ومحافظ البنك المركزى الأسبق، وقد عين وزيرا للاتصالات وتكنولوجيا المعلومات وهو ملعبه الأساسى، وكذلك المهندس خالد عباس وزير السياحة، وهالة يوسف وزيرة للسكان، أما وزارة الداخلية فقد اختير لها اللواء مجدى عبد الغفار الذى كان رئيسا لجهاز الأمن الوطنى والذى يكاد يعلم الكثير عن المجتمع واللاعبين فيه سلبا أو إيجابا.
ختاما.. يمكن القول بأن مصر عادت.. وبقوة 00وهى تستحق.. بما تملكه من مكان ومكانة.. وبشر وإمكانيات.. يبقى الإخلاص.. الذى افتقدناه كثيرا..فى السنوات القليلة الماضية..
والله ولى التوفيق.



