بقلم : محمد نجم
رحم الله الشاعر المتنبى الذى قال:
وكم بمصر من المضحكات
ولكنه ضحك كالبكاء
نعم.. فشر البلية ما يضحك.. بلد فى حالة طوارئ، حيث يسقط منه كل يوم شهيد.. ويتعرض مواطنوه لإصابات مختلفة بسبب العنف المسلح من فئة ضالة.. تسدد فواتير لمن يمولها، بينما هناك «مجموعات» أخرى من هذا المجتمع لا هم لها سوى إثارة البلبة وإيقاظ الفتنة.. بما تعلن عنه من أقوال وما ترتكبه من أفعال.
فقد طالب بعض الهواة من «المفسرين الجدد» للقرآن والسنة بإعادة النظر فى التراث الإسلامى كله! فتصدى لهم «آخرون» بالدعوة لتنظيم تظاهرات تطالب بخلع الحجاب!
ثم فوجئنا بلجنة من الموظفين بوزارة «التربية» والتعليم تدخل على الخط.. وتحرق مجموعة من الكتب فى فناء إحدى المدارس الخاصة وباحتفال حماسى وعلى مرأى ومسمع من تلاميذ المدرسة!
فما الذى يجرى؟.. ولماذا؟.. وهل الوقت مناسب لذلك؟..
نعم.. هناك رغبة مجتمعية فى تجديد الخطاب الدينى وتنقية «التراث» مما لا تستسيغه النفس ولا يقبله العقل مما أدخل عليه من محدثات أو تفسيرات فى فترة الضعف والتراجع، ولكن من يقوم بذلك؟.. ومن المرجعية الدينية فى مصر والعالم؟.. أليس هو الأزهر الشريف الذى صدّر علوم القرآن إلى البلد الذى نزل فيه القرآن.. كما قال شيخنا الشعراوى رحمة الله عليه..
وهل تلك المراجعة تتم من خلال علماء ومتخصصين فى غرف مغلقة وفى وقت كاف، أم على شاشات الفضائيات وما يعنيه ذلك من بلبلة وإثارة لجمهور غير متخصص؟.
مدى علمى أن هناك أكثر من 17 علما لابد من دراستهم وفهمهم حتى يتأهل كل من يرغب فى التصدى للتراث الدينى وإعادة تفسيره.. منهم: الحديث، والسيرة، والفقه،وأصول اللغة.. وأصول الدين.. إلخ.
فهل تلك «الفقاقيع» التليفزيونية لديها من العلم والثقافة الدينية ما يؤهلها لمناطحة الأزهر الشريف وعلمائه الثقات؟.
وهل القرآن والسنة اللذان مضى عليهما أكثر من ألف وأربع مائة عام.. فى انتظار هؤلاء المدعين ليعيدوا تقديمهما وتفسيرهما لعامة المسلمين؟..
وماذا عن الشيخ المجدد الإمام محمد عبده.. وكذلك الفقيه العلامة جمال الدين الأفغانى.. وغيرهم من رواد الفكر العربى الحديث- على الأقل- أمثال رفاعة الطهطاوى والعقاد ومصطفى محمود وشوقى ضيف.. إلخ.
بالطبع هناك من سيتبجح ويقول «كان المفسرون الأقدمون.. رجالا.. ونحن أيضا.. رجال».. وأن باب الاجتهاد مفتوح!
وقد يكون ذلك صحيحا.. وهى كلمة حق.. ولكن يراد بها باطل، لأن الأقدمين.. منهم من عاصر.. ومنهم من درس وتعمق.. واتفق واختلف..
ولا مانع من الاجتهاد.. ولكن من هو «المجتهد»؟..
وكيف وأين يعبر عن اجتهاده؟.
الموضوع حساس.. وليس بالبساطة التى يعتقدها البعض وإنما يتعلق بعقيدة.. عبادات ومعاملات، ثم إن الحلال بَيِّن والحرام بَيِّن.. والأمر- فى هذا المجال- لا يحتاج سوى أن يستفتى المؤمن قلبه.. ولا يفعل غير الصحيح المتعارف عليه والذى لا يضر أحدا.. هكذا كان أجدادنا وآباؤنا الأولون وكانوا أكثر إيمانا وتقوى من تلك الأجيال الجديدة «المتفزلكة» فى الدين!
ومع ذلك.. ليس معنى ما تقدم أن يبقى الحال على ما هو عليه، فالأزهر الشريف وعلماؤه الثقات مطالبون بإعادة النظر فى كل ما استحدث على تفسير القرآن والسنة.. وتلك الشروح على المتن وغيرها من الشروح على الشروح.. وتنقية التراث الدينى من كل ما يخالف صحيح الدين.. ولا تستسيغه النفس ولا يقبله العقل ولا المنطق.
qqq
وليس معنى ذلك أيضا.. أن تقوم لجنة من موظفين ممثلين للبروقراطية المصرية العتيقة التى أثبتت أنها أقوى من أى نظام سياسى قديم أو حديث بأن تقوم بحرق «كُتب» علنا وأمام طلاب صغار السن.. قليلى المعرفة.
نعم.. هناك «نظام» لإمداد مكتبات المدارس- خاصة أو حكومية - بكتب يستطيع الطلاب الإطلاع عليها والتعلم منها لرفع قدراتهم وتوسيع مداركهم، وعلى الوزارة المعنية متابعة ذلك.. بالتفتيش على المكتبات وجرد ما بها من آن لآخر.. ومن يخالف يساءل.. وتجمع الكتب المخالفة.. وتفرم بعيدا عن الأعين وفى سرية تامة.. لا أن تحرق أمام عدسات المصورين وبخلفية أغانٍ وطنية تصدح فى المكان.
فأين «القدوة» التى نقدمها للأجيال الجديدة من تلاميذ المدارس وطلاب الجامعات؟.. وماذا لو قام صغار السن بتقليد ما حدث أمامهم وقاموا بـ «حرق» الكتب الدراسية المقررة عليهم.. والتى تمثل لهم- من وجهة نظرهم- عبئا ثقيلا؟..
ثم هل- وتلك مصيبة أخرى- يكون الرد على ما حدث بالدعوة لتنظيم مظاهرات لخلع الحجاب؟.. هل عدنا بعد كل تلك السنوات الطويلة لنجتر ما حدث من قبل فى معركة «الحجاب والسفور» فى أوائل القرن الماضى؟.
هناك مثل بلدى ظريف.. يقول:
«إن الفاضى يعمل قاضى»! أى يتدخل فى شئون الناس بحجة التحكيم بينهم، يعمل ذلك لأنه «فاضى» ليس لديه ما يشغله.. بل قد يكون «جهولا» يضر من حوله بتدخلاته.
فما بالك بالإخوة «مدعى الثقافة» من النشطاء المجتمعين الجدد الذين يرغبون فى إلهاء المجتمع بافتكاسات جديدة ما أنزل بها الله من سلطان!
qqq
لقد بدأت بالطيب المتنبى.. وأنهى كلامى بما قاله أيضا مصورا حال بعض «المدعين»:
أغاية الدين أن تحُفُّوا شواربكم
يا أمة ضحكت من جهلها الأمم!



