بقلم : محمد نجم
إذا كانت الجامعة العربية.. هى «بيت العرب» الذى يجمع شملهم ويمنحهم الفرصة والوقت للتشاور والاتفاق حول الأهداف المشتركة أو لمواجهة التحديات الملحة..، فإن القوة العربية المشتركة.. المزمع إنشاؤها.. سوف تكون - بإذن الله - سيف العرب.. الذى يلوحون به ضد كل من يفكر فى تهديد الأمن القومى العربى، بل يمكن لهذا «السيف» أن يكون بتارًا، ضد كل من تسول له نفسه.. بالاعتداء على أى من الدول العربية.. صديقا.. كان أو عدوا!
ومن يقرأ تاريخ العرب.. سوف تصدمه الحقائق المحزنة، فبعد أن وصلت «القوة العربية» فى بداية المد الإسلامى إلى آسيا وأوروبا وأنهت ممالك وهددت حضارات..، عادت مرة أخرى وبفعل عوامل كثيرة - لتكون مرتعا لأى قوى بازغة ترغب فى «التمطع»، حيث كانت أول ما غزوه هى «المنطقة العربية» وعلى الأخص منها بغداد ومصر ودول الشمال الأفريقى، حدث ذلك من العثمانيين، ثم التتار، واليونانيين، ومن بعدهم الأنجليز والفرنسيين والطليان.. وغيرهم.
وحديثا.. لجأت دولة «الكويت» الشقيقة إلى أمريكا وتحالف دولى لتخرج القوات العراقية الغازية من أراضيها، ثم لجأت «الجامعة العربية» إلى تحالف دولى آخر بقيادة فرنسا وبريطانيا لإسقاط القذافى عن العرش وتدمير القوات الموالية له.. فكانت النتيجة.. هى ما عليه الشقيقة ليبيا الآن!
هذا بينما.. كان «التضامن العربى» فى أبهى صورته وأقوى حالاته فى حرب أكتوبر 1973، حيث القوات المصرية والسورية تزيل آثار العداون الإسرائيلى ومعها قوات عراقية وسودانية.. ومعدات جزائرية وليبية ومغربية.. ناهيك عن الدعم المادى والمعنوى من بقية الدول العربية، وخاصة الدول البترولية التى استخدمت «البترول» كسلاح فى المعركة.. ومنعته عن كل الدول الداعمة للعدو الإسرائيلى.. وقتها!
ثم كان.. ماكان.. وعاد العرب إلى سابق عهدهم.. يجمعهم الاسم والمكان.. بينما «قلوبهم شتى»، على الرغم من استمرار الإسرائيليين فى احتلال أجزاء عزيزة من أراضيهم، وتربص «الممالك» القديمة بهم.. مثل الفرس.. والعثمانيون الجدد.
ولم يكتف العرب بالتشتت.. بل نجح أعداؤهم فى زرع «بؤر» توتر دائمة بينهم، فشاهدنا الحرب الأهلية اللبنانية لسنوات عديدة، ثم النزاع الصحراوى بين المغرب والجزائر، والحرب الليبية التشادية.. والتى منى فيها الجيش الليبى بهزيمة منكرة، والمناوشات اليمنية السعودية واحتلال العراق للكويت..، ومشكلة الأكراد فى العراق، والنزاع الفلسطينى بين حماس وفتح.. إلى أن جاءنا.. «الربيع العربى».. الذى حرق الأخضر واليابس.. وتجددت الحروب الأهلية فى كل من سوريا وليبيا ومؤخرا اليمن.. وتزامنت مع كل ذلك.. المواجهة المصرية للجماعات الإرهابية المسلحة.
كل ذلك حدث.. ويحدث فينا وعلى أرضنا.. ولدينا جيوش عربية تسد عين الشمس.. وبعضها مصنف عالميا عددًا وعتادا، بل يشير أحد المواقع المتخصصة فى هذا المجال وهو «جلوبال فاير باور» إلى أن الدول العربية كانت تنفق سنويًا حوالى 75 مليار دولار.. كإنفاق عسكرى وأمنى.. وقد ارتفع هذا الرقم منذ 2010 وحتى الآن إلى حوالى 100 مليار دولار سنويا.
والمعنى.. أننا لدينا من «القوة» ما يمكننا من السيطرة على أى «نزاعات» داخلية، فضلًا عن حماية أمننا القومى - وهو الأهم - ضد القوى الأخرى المتربصة لنا والطامعة فيما نملك أو الحالمة بعودة الأيام الخوالى.. والامبراطوريات القديمة!
نعم لدينا ذلك.. وتحت مظلة «الجامعة العربية» وبسند من اتفاقية الدفاع العربى المشترك الموقعة من أغلب الدول العربية منذ أكثر من 50 عامًا.
على أيه حال.. لن نبكى على اللبن المسكوب.. فقد استيقظ العرب.. وعادت «صحوتهم» من جديد بفضل قيادات حكيمة واعية وأجيال شابة متحمسة.
ومن ثم كانت الموافقة «الجماعية» فى مؤتمر القمة العربية الأخير.. على إنشاء القوة العربية المشتركة لتكون «درعًا» للحماية.. و«سيفًا» للدفاع عن الأرض والعرض.. والمال والبنين.
هكذا أمرنا قرآننا الكريم .
فالقوة المشتركة.. ليست «بدعة» عربية، فقد سبقنا إليها الشرق والغرب.. حلف «وارسو» من قبل.. والحلف الأطلسى حاليا.
ثم أنها وكما أوضح البيان الصادر عن الاجتماع الأول لرؤساء الأركان فى الجيوش العربية.. «آلية جماعية» للدفاع عن الأمة، وقوة «تدخل سريع» وحماية للمدنيين وإغاثتهم من الكوارث الطبيعية والنزاعات الداخلية، ولن تتحرك بالتدخل المتوقع إلا بناء على طلب من الدول المعنية.. وفى حالة الضرورة.
وعلى الرغم من السعادة بانعقاد الاجتماع الأول لرؤساء أركان الجيوش العربية، فإننا كنا نأمل أن تكتمل حبات السبحة العربية ويضم الاجتماع كلًا من سوريا واليمن والعراق.. تلك الدول التى انشغلت جيوشها بإطفاء نار الحروب الأهلية التى اندلعت بها، أو مقاومة الهجمة الشرسة من بعض النظم المصنوعة مثل «داعش» والمسمى ظلما وعدوانا بتنظيم الدولة الإسلامية فى العراق والشام.
بالطبع مازال المشوار طويلًا.. حتى تتحقق تلك القوة على أرض الواقع.. فلابد من تقنين وضعها وتحديد حجمها وبيان كيفية تمويلها وأماكن تواجدها.. وقد بدأنا الخطوة الأولى فى المشوار وإن شاء الله.. سوف نكمله.. ونعود للغناء أمجاد يا عرب أمجاد.
ونردد مع الشاعر العربى القديم «النابغة الذبيانى»:
لاعيب فيهم غير أن سيوفهم
بهن فلول من قراع الكتائب
أى بها دماء من آثار الحروب
أو نقول.. كما قال شاعرنا عمرو بن كلثوم:
ونشرب إن وردنا الماء صفوا
ويشرب غيرنا كدرا وطينا
ملأنا البر حتى ضاق عنا
وماء البحر نملؤه سفينا
نعم.. لقد قالها أبو تمام:
السيف أصدق أنباء من الكتب
فى حده الحد بين الجد واللعب
محمد نجم



