بقلم : محمد نجم
تتزاحم الأفكار فى عقلى..
كل منها تريد أن تسابق الأخرى فى الخروج على الورق.. كحروف وكلمات معبرة عن واقع الحال.. مفسرة لما يحدث، بينما القلم فى يدى.. يتأنى ويتردد.
نعم.. الأحداث سريعة ومتلاحقة.. ولكن بعضها معاد ومكرر.. ولا معنى له سوى أن البعض منا فقد «البوصلة» وضاع منه الاتجاه.
والأمر لا يدعو إلى الفلسفة.. أو التزيد فى الكلام، وإنما يتطلب فقط أن نعيد الأمور إلى أصلها.
فقد رفعنا شعار «دولة المؤسسات» والتى يحكمها الدستور والقانون.. أى إن هناك «قانونا» يحدد الحقوق والواجبات.. وينظم التعاملات بين الأطراف المختلفة وإن لم يتيسر ذلك بالتراضى.. فلا مجال سوى الاحتكام إلى القضاء.
أقول ذلك بمناسبة.. تدخل السيد الرئيس لإنهاء مشكلة طيارى مصر للطيران، نعم هذا «التدخل» محمود، فقد أنهى مشكلة لم يكن هذا أوان تصديرها للمجتمع، ولكن يظل السؤال قائما أين القانون المنظم لحقوق وواجبات هؤلاء الطيارين؟.. وأين الوزير المسئول عن هذا القطاع؟.. وماذا لو كان الرئيس فى زيارات خارجية؟
كذلك ما حدث فى حزب الوفد من خلافات.. لم يحسمها وينهيها غير الرئيس وفى جلسة تراض..
ومرة أخرى وحتى لا يسىء البعض فهم ما أريد.. نعم لهذا التدخل المحمود من الرئيس لإنهاء خلاف يكاد يكون مصطنعا.. حيث إنه مجرد صراع على «الكراسى».
ولكن هل يتفرغ الرئيس لإطفاء الحرائق هنا.. وهناك؟..
فأين إذن المؤسسات الداخلية فى الحزب العريق؟.. اللجنة العليا.. أو الجمعية العمومية.. أو حتى عقلاء الحزب الذين ليسوا طرفا فى هذا الخلاف؟
لماذا يبادر البعض فينا بتصدير «الأزمات» للمجتمع دون أن يبذل جهدا ولو قليلا فى حلها ذاتيا؟..
أين المؤسسات المختلفة؟.. ولماذا لا تطبق «القواعد» على من يخالفها؟.. لماذا يكتفى البعض بالمشاركة من خلال «الفرجة» على ما يجرى فيما يجب أن تكون المشاركة الحقيقية بالمبادرة.. بالفعل الجاد؟!
لا يخفى على أحد أن الرئيس لديه «مهام» قومية عديدة.. يجب أن نترك له الوقت والجهد لإنجازها أو الإشراف على ما تقوم به «المؤسسات» المختلفة لتحقيق هذه الإنجازات..
هل يخفى على أحد أن القوات المسلحة والشرطة فى مواجهة مستمرة مع الجماعات الإرهابية، وخاصة تلك الجماعات المسلحة العنيفة فى سيناء؟
وهل يخفى على أحد أننا نستورد أكثر من 75% من غذائنا من الخارج؟.. وخاصة القمح الذى نعد أكبر مستورديه فى العالم.. ألا يجب أن نساعد الرئيس فى إصلاح هذا الخلل.. من خلال ما يقوم به فى الداخل مثل زراعة مليون فدان جديدة، أو ما يقوم به فى الخارج من إعادة العلاقات الاقتصادية والتجارية مع كافة الدول شرقا وغربا لتدعيم تجارتنا الخارجية معهما!
ألا يعلم هؤلاء الصانعون للأزمات الوهمية أن السياحة الوافدة لا تمثل حاليا سوى نسبة 50% مما كانت عليه قبل يناير 2011 وأن إجمالى عدد السياح القادمين لمصر لا يمثل سوى 25% مما يذهبون إلى تونس أو تركيا، ناهيك عن إسبانيا والدول المتقدمة!
ألم يتابع أحد تصريحات وزير المالية بشأن العجز المزمن فى الموازنة العامة للدولة وأن الرجل يحاول أن يغزل برجل حمار حتى يلبى الطلبات الملحة للوزارات والجهات حتى تتمكن من القيام بعملها أو استكمال المشروعات التى بدأتها وخاصة فى مجال التعليم والصحة.
وأين هؤلاء من معركة محافظ البنك المركزى للدفاع عن قيمة الجنيه المصرى فى مواجهة الدولار وغيره من العملات الأجنبية، وكذلك محاولاته ومساعدوه للحفاظ على الحجم الملائم من احتياطى البلاد من النقد الأجنبى؟.. ألم يعلم هؤلاء أنه لولا تحويلات المصريين العاملين فى الخارج، وكذلك مساعدات الأشقاء من دول الخليج لكانت الأحوال أسوأ من أن توصف!
وهل يخفى على أحد أننا على وشك انتخابات برلمانية حدد موعدها بعد شهر رمضان مباشرة؟.. ألا يجب أن تستعد الأحزاب لذلك بدلا من الدخول فى انقسامات داخلية؟
وهل كان لابد لوزير العدل المستقيل أن يفصح عن معتقداته الخاصة بعدم صلاحية أبناء الفقراء فى مزاحمة أبناء النخبة فى بعض الوظائف العامة، مع علمه أن ذلك حق دستورى وقانونى، وأنه هو الرجل المطالب بمراقبة تطبيق القانون وتحقيق العدالة فى المجتمع.
qqq
التحديات كثيرة.. وتكاد تكون معروفة للجميع سواء على مستوى الداخل.. أو الخارج، وبدلا من أن نساعد الرئيس على مواجهتها- مع مؤسسات الدولة المختلفة- أو حتى نترك له الوقت والجهد لذلك.. بدلا من ذلك.. نحاول «تعطيله» وإشغاله بأزمات وهمية مستجدة مصطنعة.
والغريب أن هؤلاء الذين يشغلون الرئيس بقضاياهم لا يمثلون ثقلا يعتد به.. سواء من حيث العدد.. أو الوزن ولكنهم- للأسف الشديد- جزء من النخبة المغيبة عن أولويات المجتمع!
فيا أيها «اللاعبون» إن لم تساعدوا الرئيس فلا تشغلوه بمشاكلكم الداخلية.. فالمجتمع أولى بوقته وجهده.. منكم!
qqq
وبهذه المناسبة.. فقد قرأت لشاعر قديم يقول:
يقولون هذا غير جائز عندنا
ومن أنتم حتى يكون لكم عنُد!
لقد أعجبنى البيت جدا.. لأنه أفضل وصف لمجموعة من البشر.. ابتلى بها المجتمع.. لا ماضى ولا حاضر لها ولا حتى مستقبل ولم تضبط مرة متلبسة بعمل جاد، ولا تملك سوى الكلام الناقد المحبط.. فهى لا تعمل.. ولا تريد لغيرها أن يعمل.. حتى لا يكشف عجزها.. ناهيك عن الجهل، فيا أيها «المتكلمون»، المجتمع يتحرك ويتقدم بجهد أبنائه المخلصين.. الذين عاهدوا الله ورسوله.. على العمل الجاد المخلص.. ولتبقوا أنتم فى مكانكم قاعدين..



