بقلم : محمد نجم
بقدر ما كنت سعيدا وفخورا بفصاحة الرئيس السيسى وحديثه القوى فى المؤتمر الصحفى المشترك مع المستشارة الألمانية، فإننى كنت حزينا بسبب التقصير الذى أشار إليه الرئيس- بذكاء شديد- فى شرح حقائق وملابسات ما يحدث فى مصر.. للرأى العام الدولى، وتصحيح سوء الفهم الحاصل فى بعض الدول الأوروبية.
لقد اضطر الرئيس لإعادة التأكيد على أن الاختلاف فى الرأى لا يفسد للود قضية، وأن وجهات النظر حول الموضوع الواحد يمكن أن تختلف..
واضطر الرئيس أيضا- مجهضا الأسئلة المتوقعة من الصحفيين- أن يشرح طبيعة النظام القضائى المصرى، هذا النظام العريق الذى يتميز بالتنوع والتعدد فى الدرجات من أسفل إلى أعلى، وعنوانه المحكمة الدستورية العليا المصنفة الثالثة على مستوى العالم بعد المحكمتين الألمانية والإيطالية..
فالبعض فى الغرب «بينخض» من كثرة عدد المتهمين وتوالى أحكام الإعدام فى بعض القضايا المعروضة على المحاكم، ولكن هذا البعض يجهل أن أغلب تلك الأحكام «غيابية» تسقط بمجرد الطعن عليها، وتعاد محاكمة المتهم من جديد.. فى محاكمة قانونية عادلة وأمام قاضيه الطبيعى، كما تنص القوانين الجنائية المصرية المطبقة والجارى العمل بها منذ مئات السنين، كما أن هذا البعض لا يعلم أيضا أن هذه الأحكام «أولية» أو من محاكم أول درجة فى سلم التقاضى، فهناك محاكم أعلى يتم استئناف الحكم أمامها، وهناك النقض وإعادة المحاكمة، وكذلك إعادة النظر، وأخيرا التصديق على أحكام الإعدام من قبل رئيس الجمهورية.
واضطر الرئيس أيضا للتأكيد بأن الجيش المصرى.. ليس جيش أشخاص أو أنظمة حكم معينة، ولكنه جيش وطنى منضبط محترف مملوك للشعب.. وانحيازه الدائم للشعب والوطن وليس لأى نظام حكم قائم، وما حدث فى ثورة يناير 2011 ليس ببعيد، ولم يختلف الأمر كثيرا فى 30 يونيو 2013.
والمعنى أن الجيش المصــرى.. ليس مثل القوات المسلحة فى بعض جمهوريات الموز بأمريكا اللاتينية، أو بعض الدول الأفريقية فى فترة الستينيات والسبعينيات، فهو لا يعمل بالسياسة، وقد حدد الدستور دوره ومهمته. ولنكن أكثر صراحة ونزيدكم من الشعر بيتا.. صحيح أن الشعب انتخب الرئيس السابق محمد مرسى.. ومنحه الفرصة لمدة عام أو أكثر، ولكن هذا الشعب نفسه.. اكتشف- من خلال الممارسات- أنه وقع فى الفخ، وأن البلد بتتخطف منه، فلم يكن هناك بديل غير النزول إلى الشوارع والميادين مرة أخرى للتعبير عن الرفض، ومن ثم لم يجد الجيش المصرى الوطنى بديلا لوقف الحرب الأهلية المتوقعة، سوى الانحياز لتلك الأغلبية الرافضة من الشعب لاستمرار هذا النظام فى الحكم. ثم كان الدستور الجديد والانتخابات الرئاسية الجديدة وانتخب الشعب بإرادته الحرة وفى انتخابات عامة نزيهة الرئيس السيسى.
هذه هى حقيقة ما حدث ببساطة شديدة، فالشعب هو مصدر السلطات.. ومن حقه أن يختار من يحكمه.. وقد انتخب «رئيس» ثم ثبت فشله، فأسقطه وانتخب «رئيس» جديد..
فأين المشكلة ياأولى الألباب؟!
لقد كشفت ملابسات زيارة الرئيس الأخيرة إلى ألمانيـا عن مجموعة من الظواهر لابد من التوقف عندها..
منها مثلا ما قام به الرئيس من توضيحــات وشرح لبعض ما يحدث فى مصر.. فهل هذه مهمة الرئيس؟.. وأين التجهيز والإعداد المسبق للزيارة؟.. وماذا فعلت كافة الأجهزة المعنية فى المجتمع؟.
فلماذا لم يطالب أحد من كبرى الصحف الألمانية إرسال مندوبين لها لإجراء حوارات مع الرئيس لنشرها قبل الزيارة؟.
ولماذا لم تقم السفارة المصرية أو هيئة الاستعلامات بدعوة وفد صحفى ألمانى لزيارة مصر ومقابلة المسئولين بها للرد على كافة استفساراتهم وما يعن لهم من تساؤلات؟.. ثم أين «الجيش الإلكترونى» الذى ادعى البعض وجوده للرد على الحملات المضادة المغرضة التى قام بها الإخوان على شبكات التواصل الاجتماعى لإفشال الزيارة؟.. وأين دور مجلس الأعمال المصرى الألمانى وكذلك الغرفة الألمانية المصرية وأيضا جمعية الصداقة المصرية الألمانية؟.. أين كل هؤلاء؟.. بل أين خريجو الألسن والمدارس الألمانية.. فكيف لم تستفد بهم فى مخاطبة الشعب الألمانى والصحافة الألمانية؟.
أليس كل ما أشرت إليه.. من البديهيات فى مجال العلاقات الدولية والتأثير على الرأى العام وخاصة عند غياب المعلومات؟!
ولست ضد من سافروا فيما يسمى بالوفد الشعبى من فنانين وإعلاميين، ,لكن أليس فى مصر رجال ثقافة ورجال دين وأطباء ومحامون ومهندسون. وألا يوجد فى مصر شخصيات عامة معروفة تتمتع بثقل دولى.. كان الإعلام الألمانى سوف يسارع بالالتقاء بها بمجرد علمه بوصولها إلى الأراضى الألمانية؟.
وإذا كانت الرئاسة لم تدع أحدًا.. وإنما تم ذلك بمبادرة شخصية من الأخ الأمين صاحب قنوات النهار؟.. فلماذا لم تكن هناك مبادرات مصرية أخرى يمولها رجال الأعمال المصريون أو المنظمات المشتركة بين مصر وألمانيا لدعوة القمم المصرية العالمية فى المجالات المختلفة للسفر ومساندة الزيارة؟.
وهل يجوز فى التغطية الإعلامية للزيارة أن نترك المسئولين الألمان وكذلك الشخصيات المؤثرة فى المجتمع من أصول مصرية.. ونجرى حديثًا مشتركًا بين خمس قنوات مع وزير الكهرباء المصرى؟.. إحنا رايحين هناك نكلم أنفسنا أم نخاطب الألمان وننقل وجهة النظر الألمانية للشعب المصرى للتعرف عليها ونحاول تصحيحها؟..
فلماذا لم تنظم السفارة المصرية أو المكتب الإعلامى بها لقاءات صحفية للمشاهير من الفنانين المصريين الذين سافروا ضمن الوفد الشعبى أو مع الوزراء المصريين المشاركين فى الوفد الرسمى؟.
لقد بدأ الأمر وكأن الرئيس يعمل وحده..
لقد كشفت الزيارة.. أنه لابد لمصر من «ذراع» إعلامى دولى قومى، ذراع مملوك للدولة ويعمل تحت رعايتها، ولكن تحت إدارة محترفة وكوادر مشهود لها بالكفاءة، وبعيدا عن الشللية وعمليات «التسكين» التى نعانى منها فى الإعلام المحلى.
وما أدعو إليه.. سبقنى إليه كثيرون.. وهو ليس بدعة أو انفرادًا، فكل الدول لديها ذراع إعلامى قوى.. والأمثلة كثيرة ومعروفة، فهناك «الجزيـــرة»، وكذلك «العربيــة» ثم فرنسا 24، والحــرة، وBBC العربية.. وغيرها من القنوات الفضائية ذات الإرسال القوى واللغات المحلية المتعددة لمخاطبة جميع المشاهدين فى العالم، وأيضا هناك المطبوعات الورقية الدولية المعروفة، ومنها «روسيا اليوم» وكذلك «الصين اليوم».. وغيرهما.
وللأسف كان لدينا جهاز نشط إعلاميا هو هيئة الاستعلامات ولكنه تعرض لضربات متتالية وأُغلق 17 مكتبًا دوليًا له، وحدثت صراعات حوله، فالبعض يرغب فى ضمه لوزارة الخارجية وآخرون يطالبون باستمرار استقلاله من خلال تبعيته لرئاسة الجمهورية.. ولكن لابد من حسن اختيار مسئولى هذه المكاتب، ولا تكفى هنا إجادة اللغة المطلوبة فى البلد المخاطب، ولكن الأهم هو القدرة على الاتصال ومعرفة كيفية مخاطبة الرأى العام فى تلك الدول.
لقد سكتنا عما تعرض له الإعلام المحلى- المطبوع والمرئى- من ضربات متتالية من قبل الإعلام الخاص.. سواء بسحب كوادره وإغرائها بمرتبات مبالغ فيها أو بتلسيط الدولة بوقف الصرف على الإعلام القومى (الرسمى) بحجج مختلفة.
ولكن الأمر يختلف عندما يتعلق بالإعلام الخارجى الذى يخاطب الرأى العام الدولى.. حيث شرح الحقائق بموضوعية وشفافية، وهو ما يعنى جذبًا سياحيًا.. واستثمارات خارجية.. وتوثيق العلاقات الدولية مع الشركاء الفاعلين... إلخ.. وهو أمر يتعلق بمصر وليس بأى نظام حكم أو رئيس معين، وإذا كان الرئيس السيسى قد نجح فى القيام بتلك المهمة فى الزيارة الأخيرة.. فهذه ليست مهمته وإنما مهمة المجتمع المصرى كله وأذرعه الإعلامية المتعارف عليها.
أرجوكم.. تحركوا وافعلوا مثل الآخرين.. وقد كنا الرواد فى كل شىء.. فماذا ننتظر؟!



