بقلم : محمد نجم
لفتت نظرى جملة مهمة وردت فى بداية تقرير لوزير المالية حول «البيان المالى» ومدى التحسن فى أداء القطاعات الضريبية.. حيث أشار الوزير إلى حزمة من السياسات لزيادة النشاط الاقتصادى وخفض عجز الموازنة.. وذلك بهدف (السيطرة على الزيادة المفرطة فى المستوى العام للأسعار).
أى إن هناك زيادات سريعة- بدون تدرج- فى أغلب السلع والخدمات التى يحصل عليها المواطنون، وهو ما يعنى أن الدخل لا يفى بالاحتياجات الضرورية المطلوبة لمستوى معقول من المعيشة الكريمة، وإذا حدثت زيادات فى هذا الدخل الثابت نســـبيا فهى لا تتناسب مع الزيادة «المفرطة» فى مستوى أسعار تلك الاحتياجات.
ومن المعروف أن نسبة كبيرة من الشعب من ذوى الدخل الثابت أو المحدود، فلدينا 6.5 مليون موظف فى الحكومة والمحليات.. يعولون أسرهم، ثم لدينا العمال وصغار الفلاحين.. وهم أغلبية الشعب المصرى.. وهؤلاء أيضا يعولون أسرهم.
ولست أرغب فى التوسع فى الحديث الاقتصادى بأن هناك من هم تحت خط الفقر، وغيرهم من يتشبث فيه.. إلخ.. فالأمور واضحة ومعروفة ولا داعى للتفاصيل.
ولذلك كان حديث السيد الوزير وهو رجل صادق وقد تعاملت معه صحفيا لفترة طويلة قبل أن يتقلد منصبه الأخير، وهو يعدنا بأن هناك إعادة ترتيب لأولويات الإنفاق العام من خلال إصلاح منظومة الدعم، وأيضا هناك محاولات لتوسيع القاعدة الضريبية وتدعيم الحماية الاجتماعية وتحقيق الاستقرار المالى.. إلى آخر تلك الحزمة من السياسات والإجراءات.
ولكن مشكلة الوزير أن عجز الموازنة وصل إلى 10% خلال الشهور الماضية بعد أن كان 8% فى ذات الفترة من العام السابق، هذا مع أن معدل النمو فى الناتج المحلى وصل إلى حوالى 4% ومرشح للزيادة.
أى إن المشكلة أيضا مازالت قائمة، عجز موازنة يرتفع وهو ما يعنى غل يد الحكومة فى زيادة دخول المواطنين، مع زيادة مفرطة فى أسعار السلع والخدمات، مع انخفاض المساعدات الخارجية إلى درجة السدس فقط مقارنة بالعام المالى السابق.
وإذا كان الأمر كذلك.. فلماذا لا نحاول السيطرة على تلك الزيادات «المفرطة» فى الأسعار؟.. لأن الأمر غريب فعلا.. فمصر تكاد تكون البلد الوحيد الذى لا تنخفض فيه أسعار أى سلعة أو خدمة.. بعد أن ترتفع أسعارها.
كما أن هناك مبالغة كبيرة جدا بين تكلفة إنتاج السلعة أو تقديم الخدمة.. وبين ما يدفعه المستهلك للحصول على أى منهما، ناهيــك عن الطمــوح الزائد للمواطنين والذى لا يتناسب إطلاقا مع قدراتهم الذاتية أو المادية، خاصة فى مجال الحصول على السلع الترفيهية الجديدة ومنها وسائل «الاتصالات» المختلفة والحديثة.
ولدينا مثال واضح على «استهبال» مقدمى بعض الخدمات وإغوائهم للمستهلكين للحصول على ما لديهم من أموال بأى شكل.. وهو قطاع الاتصالات.. حيث لدينا ثلاث شركات للتليفون المحمول.. تقتسم السوق فيما بينها وتعمل وكأنها فى صحراء جرداء أو جزيرة منعزلة، مع أنها شركات مصرية وخاضعة للقانون المصرى وهناك جهاز حكومى المفروض أنه يراقب عملها وجهاز آخر لحماية المستهلكين.. من هذا الاحتكار والمبالغة فى أسعار ما تقدمه من خدمات، مع أنها أيضا لا تتحمل مبالغ كبيرة لتقديم تلك الخدمات سوى أجور العاملين لديها وبعض مصاريف الصيانة السنوية لمعداتها.
وبالبلدى.. هى تتاجر «فى الهواء» من خلال ترددات وبنية أساسية حصلت عليها من الدولة وتحملت تكلفة إنشائها الخزانة العامة للدولة، ومن المفروض أن تقوم هذه الشركات بخفض أسعارها تدريجيا مع زيادة المشتركين لديها والذين وصل عددهم حاليا إلى ما يزيد على المائة مليون مشترك، وخاصة أنها استردت ما يسمى بتكلفة بدء النشاط وبقيم مضاعفة منذ فترة طويلة.. حيث دخلت خدمة المحمول فى مصر منذ بداية التسعينيات من القرن الماضى.
ولست أدرى لماذا يسكت جهاز تنظيم الاتصالات على ذلك؟.. وإذا كان كل العاملين فى هذا القطاع «حبايب» مع بعض، فأين جهاز حماية المنافسة ومنع الاحتكار؟.. ولماذا كل هذا التردد فى منح الشركة الحكومية (المصرية للاتصالات) الرخصة الرابعة للمحمول؟.. بل أين جهاز حماية المستهلك؟
لقد كتبت فى هذا الموضوع من قبل وتحديدا فى أكتوبر من العام الماضى.. ولكن يبدو أن «لا حياة لمن تنادى» حسب قول الشاعر القديم، وها أنا أعيد جزءا مما كتبته لخطورة ترك الحبل على الغارب فى هذا القطاع.
لقد تحول هذا القطاع بمرور السنوات إلى ما يشبه «الكارتل» الذى يعمل لمصلحة القائمين عليه فقط، مستخدما هداياه من أرقام خاصة مميزة لبعض ذوى النفوذ، وكذلك إعلاناته- وهو أكبر قطاع معلن فى مصر- فى تهديد حرية الصحافة.. حيث يمكنه لأسباب شخصية أو سياسية منع إعلاناته عن بعض الصحف.. وهو ما يهددها بالإفلاس، والأخطر من ذلك أن بعض القائمين على هذا القطاع قد تحولوا إلى سياسيين.. وأسسوا أحزابا مع تمويل سخى.. بغرض اختراق البرلمان القادم.
هذا ما كتبته.. ولم يتغير الأمر كثيرا، بل زاد سوءا فى مجال خدمات الإنترنت، حيث نحصل نحن المستهلكين على أسوأ خدمة وأبطأ سرعة مع أننا ندفع أعلى سعر.. مقارنة بكافة دول العالم.
ومرة أخرى.. لست أدرى لماذا «تغمض» الحكومة عينيها عما يحدث فى هذا القطاع؟.. ولماذا تترك العاملين فيه يتحكمون فى المواطنين كيفما شاءوا؟
وقطاع الاتصالات ليس وحده الذى يكاد «يبتز» المستهلكين، فعندك «تجار» المواد الغذائية سواء كانت مستوردة أو منتجة محليا، وكذلك «تجار» الملابس.. الذين رضوا على أنفسهم أن «يلَّبسوا» مواطنيهم الدرجات الدنيا من نوعيات الملابس وخاماتها من دول تخصصت فى إنتاج مثل هذه المنتجات حسب طلب الزبون!! ولا أرغب فى التعرض لبعض السلع والخدمات الأخرى وكلها ضرورية ولا يمكن الاستغناء عنها ومنها السكن.. والمواصلات.. والعلاج.. والتعليم.. إلخ.
وإذا كانت الحكومة نجحت فى تعميم منظومة توزيع الخبز وترشيد استخدامات السلع التموينية، فلماذا تتركنا «نهيبة» لكل طَمّاع جشع.. فى بقية السلع والخدمات الضرورية الأخرى؟!
ألسنا الشعب الذى تنتمى إليه الحكومة وتعمل من أجله؟.. فماذا نعمل كى «ترضى» علينا حكومة الشعب؟..
لله الأمر من قبل.. ومن بعد!



