rosa
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
أحمد إمبابي
بقلم : محمد نجم

ورث سليمـــــــان داود فـــــــى الملك.. وفى النبوة.. وأنعم الله عليه بما لم ينعم به على بشر من قبل، حيث دعا ربه (قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكاً لا يَنْبَغِي لأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ )  فاستجاب له ربه و«أتاه من كل شىء» وأيده بالخوارق والمعجزات وعلمه لغة الطير وسخر له الجن والإنس والشياطين.

واعترف سليمان بهذا الفضل العظيم، حيث قال (يَا أَيُّهَا النَّاسُ عُلِّمْنَا مَنطِقَ الطَّيْرِ وَأُوتِينَا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْفَضْلُ الْمُبِينُ) من هنا بدأت قصة الهدهد مع سيدنا سليمان، لقد سخر الله لسليمان من على الأرض والجو والبحر، فالجن (يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَاءُ ) والرياح (تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخَاءً حَيْثُ أَصَابَ )، والشيطان (كُلَّ بَنَّاءٍ وَغَوَّاصٍ، وَآخَرِينَ مُقَرَّنِينَ فِي الأَصْفَادِ ).

ليس ذلك فقط.. بل حشر لسليمان جنوده من الجن والإنس والطير فهم يوزعون، أى إنهم جميعا تحت أمره وفى خدمته وقد ورد فى بعض الكتب أن الهدهد كان بمثابة «جهاز» استطلاع أو مخابرات فى جيش سليمان، نظرا لأنه دائم التنقل ولا يستقر فى مكان واحد، فهذه طباعه، والأهم أن لديه قدرة رهيبة فى الكشف عن أماكن تواجد المياه فى باطن الأرض، وعندما يحدد مكانها يرفرف بأجنحته لإعلام من يرغب فى استخدامها، كما يتميز أيضا الهدهد بالسرعة الفائقة فى الطيران.

وتصادف أن كان سليمان يتفقد الجيش فلاحظ غياب الهدهد (فَقَالَ مَا لِي لا أَرَى الْهُدْهُدَ أَمْ كَانَ مِنْ الْغَائِبِينَ)، ويبدو أن سليمان كان يحتاجه لمهمة معينة، أو أنه تضايق من «كسل» الهدهد وغيابه عن طابور التمام للقوات، أو أنه كان ذاهبًا لمهمة معينة  ولكنه لم يستأذن، لكل تلك الأسباب والاحتمالات.. كان التهديد بالعذاب الشديد أو الذبح، إلا إذا جاءه بخبر عظيم.

ثم يخبرنا القرآن أنه (فَمَكَثَ غَيْرَ بَعِيدٍ ) ، أى لم يمض وقت طويل حتى حضر الهدهد، وبالطبع سمع بالتهديد الذى صدر فى حقه، فبادر سليمان- وهو يعلم من هو- بقوله مزهوا (أَحَطتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ) ، يا سبحان الله، هذا الكائن الرقيق يكشف أن فـوق كل ذى علم عليم فهذا سليمان الملك والنبى الذى سخر له الله كل شىء.. لا يعلم أن هناك مملكة فى منطقة سبأ باليمن، وأنهم كذا وكذا.. وهو ما بدأ الهدهد فى الكشف عنه تدريجيا بادئا بالأقل منتقلا إلى الأكثر أهمية، حيث وجد (امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ )، هذا ما رأه، ولكن المشكلة أن هذه الملكة وقومها (يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِنْ دُونِ اللَّهِ) وهو ما أغضب الهدهد.. واعتبر أن ذلك من عمل الشيطان الذى (وَزَيَّنَ لَهُمْ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنْ السَّبِيلِ فَهُمْ لا يَهْتَدُونَ ).

كل ذلك يرويه الهدهد لنبى الله سليمان الذى دائما ما يردد أن الله لا إله إلا هو رب العرش العظيم، فكيف يترك هؤلاء القوم يعبدون الشمس من دون الله؟.

وزيادة  بيان أهمية ما أتى به الهدهد، فضلا عن النفخ فى النار- وهو عمل مخابراتى محترف، حيث لاحظ غضب سليمان مما أخبره به، فقد أضاف متسائلا (أَلاَّ يَسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَيَعْلَمُ مَا تُخْفُونَ وَمَا تُعْلِنُونَ).

وهنا تعبر حكمة سليمان عن نفسها فى تعقيبه على ما أخبر به الهدهد حيث لا تهويل ولا تهوين وإنما (سَنَنظُرُ أَصَدَقْتَ أَمْ كُنتَ مِنْ الْكَاذِبِينَ)، وأمره أن يذهب «بِكِتَابِي هَذَا» إلى هناك ويلقيه عليهم  ويتخفى ويتابع رد الفعل وكيف يتصرفون وماذا سيقولون  (اذْهَب بِكِتَابِي هَذَا فَأَلْقِهِ إِلَيْهِمْ ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ فَانظُرْ مَاذَا يَرْجِعُونَ )، وهو ما حدث بالفعل، ولكن عندما التقطت الملكة الخطاب ومع أن القرآن وصفها بأنها «تملكهم» وليس مجرد «تحكمهم» فقط ،إلا أنها جمعت قومها وسألتهم رأيهم، فكان  ردهم أنها الملكة وهى صاحبة القرار وهى تعلم أنهم من ذوى البأس الشديد ولن يخذلوها إذا ما أمرتهم بالقتال، ولكنها للمرة الثانية تتصرف كملكة حيث مالت إلى السلم لأن الملوك إذا دخلوا قرية أفسدوها وجعلوا أعزة أهلها أذلة، ومن ثم بدأت بالاستطلاع وجس النبض، فأرسلت هدية قيمة لسليمان وانتظرت عودة المرسلين.

وجاء الرد من سليمان حادا حازما (أَتُمِدُّونَنِي بِمَالٍ) فقد أعطاه الله خيرا كثير، وبالطبع رفض الهدية وطرد الرسل.. وكلف الهدهد بالعودة إلى المكان ومراقبته إذا لم يأتوا إليه مسلمين، فسوف يأتيهم بجنود لا قبل لهم بها وسوف يخرجهم من بلادهم وهم مكبلون فى الأصفاد.

أى إن الهدهد بدأ أولا بممارسة مهمته الاستطلاعية كأحد أفراد جيش سليمان، وعندما وصل إلى «خبر يقين» سارع- مزهوا بنفسه وبما حصل عليه- بإخبار سليمان به.. محفزا إياه على ضرورة مواجهتهم وعدم تركهم يسجدون للشمس من دون الله رب العرش العظيم.

ثم أرسله سليمان اليهم مرة اخرى يدعوهم ألا يعلو عليه ويأتوه  مسلمين.. ثم تكليفه مرة أخرى وبالاستمرار فى المتابعة والمراقبة، فى حين أنه أراد أن يري ملكتهم قدراته التى وهبه الله إياها حيث سخر له كل شىء، فجمع قواته وسألهم (يَا أَيُّهَا المَلأ أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا) قبل أن يأتونى مسلمين وتبدأ المنافسة بين المحيطين به، فيخبره عفريت من الجن أن لديه القدرة أن يأتيه به قبل أن يقوم من مقامه بينما يسارع أحد أولياء الله الصالحين، أصحاب العلم من الكتاب بالإفصاح عن قدرته فى إحضار عرش بلقيس قبل أن يرمش بعينه (قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ ).

ولما رأى سليمان عرش بلقيس أمامه سارع بشكر ربه على ما أنعم به عليه، وطلب منهم أن يغيروا فيه ليرى هل ستتعرف عليه أم لا (نَكِّرُوا لَهَا عَرْشَهَا) وعندما أراها سليمان العرش.. وسألها (أَهَكَذَا عَرْشُكِ)؟.. أجابت بذكاء الملوك.. (كَأَنَّهُ هُوَ)!

فعقب سليمان وهو يشكر ربه (وَأُوتِينَا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهَا وَكُنَّا مُسْلِمِينَ).. إلى آخر القصة حتى اعترفت  بذنبها، وأسملت مع سليمان فقالت (رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ).

وهكذا كان الهدهد سببا فى تحول قوم سبأ من عبادة الشمس إلى عبادة الإسلام، والإيمان بأن لا إله إلا الله هو رب العرش العظيم.

 

تم نسخ الرابط