بقلم : محمد نجم
هناك لحظات فى تاريخ الشعوب لا بديل فيها سوى الالتفاف الوطنى والتعبئة العامة لكافة عناصر المجتمع، ولا أعتقد أن الأمر يحتاج لمزيد من الشرح والتوضيح، فهذا الضغط الإرهابى والعنف المسلح قد تجاوز حدوده ولابد من مواجهة حاسمة تنزع جذوره وتريح الناس والوطن من شروره.
وكلنا نتذكر الشعار الذى رفعته أمريكا أثناء أحداث 11 سبتمبر 2001 «أمريكا تحت التهديد»! على الرغم من أن الأحداث وقتها كانت مجرد حادث إرهابى تسبب فى إسقاط برجين راح ضحيتهما عشرات من المواطنين!
هذا بينما تتعرض مصر لهجوم متواصل يحاول الانتشار فى محافظاتها المختلفة يغتال مسئولين ويصيب مواطنين عزل وييتم أطفالًا صغارًا، فضلا عن تدميره للممتلكات العامة والخاصة.
نعم.. تقوم القوات المسلحة والشرطة بالتصدى لتلك العناصر الضالة التى تحظى بدعم وتمويل وتسليح إقليمى وخارجى، ولا جدال أن القوات المسلحة.. هى ملك الشعب ودرع الوطن، وكذلك قوات الشرطة، ولا يوجد بيت أو أسرة فى مصر إلا منها فرد أو أكثر فى صفوف تلك القوات.. ولكننى أعتقد أن الأمر يحتاج لأكثر من ذلك.. منها مثلا.. إعلان حالة الطوارئ.. والتعبئة العامة فى البلاد.. حتى يشعر الكل بخطورة الموقف ويساهم فى المواجهة بكافة الطرق المتاحة والمشروعة.
نعم.. تعرضت مصر لأخطر وأكثر مما تواجهه الآن بمراحل كثيرة.. وضحت بالكثير من أبنائها وثرواتها للحفاظ على أمنها الوطنى والقومى، ولكن هل كتب علينا أن نظل دائما تحت التهديد؟.. ومِنْ.. ومَنْ؟!. إنهم ليسوا إلا مجموعات مرتزقة خانت وطنها وباعت نفسها لمن يدفع، تحت دعاوى لا تنطلى على أحد.. رافعة شعار «نصرة الإسلام».. والإسلام منهم برىء.
أعلم أن مصر هى عمود الخيمة فى الأمن العربى وأنها «غصة» فى زور الواهمين من الاستعماريين الجـدد أو الحاليين بعودة الامبراطوريات القديمة التى عفى عليها الزمن، وأن البعض يتربص بها ليلا ونهارا حتى تلحق بشقيقاتها فى الشرق والغرب.. أى العراق واليمن وسوريا وليبيا، ولكن يبدو أن كل هؤلاء الحالمين نسوا أو تناسوا أن مصر كانت «الصخرة» التى تحطم عليها جمـوح المهاجمين من كل اتجاه.. ألا يتذكرون جيش الإسكندر الأكبر الذى بلعته رمال الصحراء الغربية، وكذلك.. دحر وملاحقة التتار ومن بعدهم الحملات الصليبية.. وغيرها من المحاولات الغاشمة للسيطرة والاحتلال والتى باءت معظمها بالفشل والانهيار، بينما ظلت مصر موحدة قوية بجيشها الوطنى ونسيجها الواحد.
ومن ثم.. أعتقد أن ما يحدث ليس إلا مجرد أزمـة أو ظرف طارئ سوف نتجاوزه.. ولكن المشكلة أن هذا التجاوز قد طال بعض الشىء.. وتسبب فى تعطيل عجلة الإنتاج وتراجع السياحة الأجنبية.. وتردد الاستثمارات الخارجية كما شغلنا بعض الوقت عن استكمال خريطة الطريق وإجراء الانتخابات البرلمانية فى موعدها المحدد.
لقد ذكرتنى الأحداث ومحاولات اغتيال للقوات والمواطنين بواقعة حدثت فى أكتوبر 1973، حيث كنت طالبًا فى المرحلة الثانوية وفى اليوم الثانى لمعركة النصر سارعت بمطالعة عناوين الصحف وبدت على ملامحى بعض الحزن، فبادرنى بائع الجرائد- وكان يعرفنى- أنت لك كام أخ؟.. فأجبت: نحن أربعة ذكور وأربع إناث، فسألنى مرة أخرى ماذا يحدث لو بقيتم ثلاثة أو اثنين فقـط؟.. واستكمل.. يا ابنى الأوطــان لا يدافع عنها ولا يحرر أرضها المغتصبة غير أبنائها.. فماذا لو ضحينا ببعض منا فى سبيل رفعة واستقلال بلدنا؟.. وشعرت وقتها بالخجل الشديد ولمت نفسى كثيرا.. كيف أفكر فى سلامة أخى الضابط بالقوات المسلحة وقتها.. وأنسى أن بلدنا محتل ويجب تحريره؟.. كيف نبخل على وطننا بأنفسنا؟.. وماذا عن مستقبل أولادنا وأحفادنا؟.. لقد نبهنى هذا الرجل الطيب- وكنت شابا صغير السن- إلى معنى الوطنية.. وأنها ليست مجرد كلمة نتغنى بها، وإنما هى شعور وإحساس يملأ كل جوارحنا.. وصدق من قال إن مصر ليست بلد نعيش فيه، ولكنها وطن يعيش فينا، وما أشبه الليلة بالبارحة، وإن كان الظرف مختلفًا ولكن النتيجة واحدة ومن ثم يجب أن يكون الفعل واحدا.
بمعنى أن من اغتيلوا أو قتلوا هم شهداء عند الله.. ضحوا بأنفسهم دفاعا عن الوطن، ويكفيهم ما قاله الله عز وجل فى حقهم: (وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتاً بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ (169) فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمْ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلاَّ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ)، ونحن أيضا يجب أن نعتبر أنفسنا فى عداد الشهداء من أجل الوطن.. لن نخش الموت فى سبيله ولن نتردد فى الدفاع عنه من أجل أن يعيش أبناؤنا وأحفادنا فى استقرار وسلام.. وفى حياة كريمة آمنة.
نعم.. لن تستسلم مصر.. فهى فى حفظ الله وتحت حماية أبنائها المخلصين.. ولن تتوقف عجلة الحركة على أرضها.. فها هو مجلس الوزراء قد وافق على الموازنة العامة للعام المالى الجديد تمهيدا لإصدار قرار بقانون من رئيس الجمهورية بالتنفيذ، وها هو العمل يجرى على قدم وساق فى التفريعة الجديدة لقناة السويس والمقرر افتتاحها فى احتفال عالمى فى أغسطس القادم.. باعتبارها خطوة أولى فى تنمية المنطقة بالكامل.. والأهم هو ما تمثله من حكاية شعب يرغب فى استقلال قراره والاعتماد على ذاته، شعب يرفض أن يلوى أحد ذراعه بحجة معونة مؤقتة أو قروض ميسرة.. تستخدم للضغط عند اللزوم!
والأهم أيضا.. أنها تعبير حقيقى للشعار الوطنى الذى رفعه المجتمع وفى مقدمته قواته المسلحة «يد تبنى.. وأخرى ترفع السلاح» فى وجه أعداء الشعب والوطن..
لقد صعب على الكثير من المتربصين أن تستعيد مصر ذاتها.. وتعود لصدارة الحركة والتحكم فى اتجاه الريح فى دول المنطقة.. رافضة محاولات الابتزاز والضغط.. تحت قيادة وطنية مخلصة تحظى بشعبية مطلقة.. ولكن ما يحزن القلب ويسبب الضيق فى الصدر أن فصيلا من أبنائها «يُستخدم» من الخارج لتعطيل محاولات إعادة البناء والتنمية، والأكثر إيلاما أن يتم ذلك ليس من خلال ألاعيب السياسة وتكتيكاتها،ولكن من خلال رفع السلاح فى وجه الوطن واغتيال أبنائه وأفراد قواته.
ولكن مصر.. أبدا لن تستسلم.. وستظل مرفوعة الرأس أبية..
حفظ الله مصر.. وحمى أبناءها من كل سوء..



