بقلم : محمد نجم
عُرِف سيدنا إبراهيم عليه السلام وهو فى ريعان شبابه بالرأى الصائب والفكر الثاقب والرشد المبكر، فلم يقتنع بما كان عليه قومه من عبادة الأصنام والتى يصنعها أبوه آزر، وهداه الله إلى التفكير فى الكون ومن وراءه.. وأخذ يتأمل فى مخلوقات الله..
وعندما ذهب النهار وجاء الليل بظلمته رأى نجما متألقا فى السماء، فاعتقد أنه المتصرف فى هذا الكون وأتخذه ربا له، فلما غاب عن ناظره.. قال لا أحب الآفلين، وحين رأى القمر بازغا.. حدثته نفسه بأنه أفضل من الكوكب، فقال: هذا ربى، فلما أفل هو الآخر وظهر بطلان ربوبيته، راح يبحث عن الحقيقة قائلا: إن لم يهدنى ربى إلى الحق لأكونن من القوم الضالين.. ثم رأى الشمس مشرقة فى وضح النهار.. وهى أكبر من النجم ومن القمر، فقال: هذا ربى، فلما غابت.. تأكد أن كل ما رآه ليس إلا مخلوقات عادية.. أوجدها من يقول للشىء كن فيكون، فسارع بالإعلان عن عدم مشاركة قومه فيما هم فيه من عبادة الأصنام.. موجها وجهته إلى خالق السماوات والأرض مؤمنا بقدرة الله سبحانه وتعالى.
هذا هو إبراهيم الخليل الذى آمن إيمانا عقليا بسبب رجاحة عقله وثاقب فكره، وبعد أن حطم أصنام قومه وأنجاه الله من النار التى أمرها بأن تكون بردا وسلاما عليه، تأكد أنه صاحب رسالة من الله إلى قومه وأخذ يدعوهم للهداية وترك عبادة الأصنام التى لا تنطق ولا تغنى عنهم شيئا، وعندما استدعاه الملك النمرود مستنكرا دعوته.. وهو يسأله من ربك الذى تدعو القوم لعبادته، أجابه: بأنه هو الذى يحيى ويميت، فحاول الملك المناكفة والمراوغة مدعيا أنه أيضا يحيى ويميت، حيث أحضر رجلين قد استحقا القتل، فأمر بقتل أحدهما وعفا عن الآخر، ولكن تلك «الحيلة» لم تنطل على إبراهيم ولم يناقشه فى فهمه السقيم لمعنى الحياة والموت.. وقال له: إن الله يأتى بالشمس من المشرق فأت بها من المغرب.. بمعنى هل تستطيع أن تغير نظام الكون، وهنا يأتى التعبير القرآنى البليغ (فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ).. أى غُلب وتحير ولم يعد له حجه.
هكذا كان الخليل إبراهيم الذى وصفه ربه فى محكم آياته بأنه كان حليم أواه منيب، ولكن مشكلته أنه كان دائم التفكير فى الخلق، وبعد أن آمن بعقله أراد أن يؤمن بقلبه، أى أن يرى آية حسية منظورة.. وهنا كان الحوار الشهير بين إبراهيم وربه.. عندما طالب منه أن يريه كيف يحيى الموتى؟.. فيسأله الله أو لم تؤمن؟.. لقد انجيناك من النار ومن القوم الضالين الذين يعبدون الأصنام، فيرد الخليل مسرعا بنعم.. آمنت بالواحد القهار.. ولكن ليطمئن قلبى!
ويستجيب له ربه.. ويأمره أن يجمع أربعة من الطير وأن يذبحها وينتف ريشها، ويقطع لحومها ويخلط كل ذلك ببعضه، ثم يوزع كل جزء على رأس جبل مختلف (أى على أربعة جبال) بعد أن يحتفظ برءوسها فى يده.
ثم يدعو تلك الأجزاء إليه مرة أخرى.. وسوف يرى أنها تأتيه سعيا.. لتكتمل أجزاؤها وتعود جميعها إلى هيئتها الأولى.. طيور مكتملة (وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْييِ الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنْ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ اجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءاً ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْياً وَاعْلَمْ أَنَّ الله عَزِيزٌ حَكِيمٌ)، فتلك آية ملموسة مرئية على إحياء الموتى ليعلم إبراهيم أن الله عزيز حكيم، فالطيور لم تكن سوى آية من آيات الخالق سبحانه كما كان من قبل غراب ابنى آدم ومن بعدهم هدد سليمان.
qqq
أما فيما يتعلق بطين عيسى، فالأمر مختلف بعض الشىء لقد وهب الله رسوله الكثير من الآيات عدّدها سبحانه وتعالى فى سورة المائدة حيث أيده بروح القدس وجعله يكلم الناس وهو طفل وهو شيخ، وعلمه الكتاب والحكمة والتوراة والإنجيل، بل أكثر من ذلك منحه القدرة أن يحول الطين من جماد لشىء على هيئة الطير بإذنه.. حيث ينفخ فى الطين الذى يفتقد الروح ويحوله إلى طير به روح بإذن الله. (إِذْ قَالَ الله يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ وَعَلى وَالِدَتِكَ إِذْ أَيَّدتُّكَ بِرُوحِ الْقُدُسِ تُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلاً وَإِذْ عَلَّمْتُكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالإِنجِيلَ وَإِذْ تَخْلُقُ مِنْ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإِذْنِي فَتَنفُخُ فِيهَا فَتَكُونُ طَيْراً بِإِذْنِي وَتُبْرِئُ الأَكْمَهَ وَالأَبْرَصَ بِإِذْنِي وَإِذْ تُخْرِجُ الْمَوْتَى بِإِذْنِي).
وبعد كل ذلك ولسبب لا نعلمه يسأل الله عيسى ابن مريم «وهو العالم بكل شىء» فى حوار بليغ: أأنت قلت للناس اتخذونى وأمى إلهين من دون الله، فيسارع عيسى بالنفى وما كان له أن يقول غير الحق، وإن كان قد قاله فقد علمه الله لأنه يعلم ما فى نفسه وهو علام الغيوب.. وأضاف مؤكدا: ما كان لى أن أقول إلا ما أمـرتنى به أن أعبـــدوا الله ربى وربكـم وأنت على كل شىء شهيد..
لقد أرسل الله عيسى إلى بنى إسرائيل الذين عُرفوا بكثرة الجدل والمناكفة.. وقصة البقرة ليست ببعيدة.. حيث طلب منهم موسى بأمر من الله أن يذبحوا بقرة.. حتى يتوصلوا إلى الجانى فى وفاة أحد الأشخاص، فطلبوا منه أن يدعو ربه لوصفها، فأجابهم بأنها وسط لا صغيرة ولا كبيرة.. فعادوا لسؤاله مرة أخرى: ما لونها؟ فيخبرهم بأنها صفراء فاقع لونها تسر الناظرين، ولكنهم يدعون أن البقر تشابه عليهم، فيقول لهم موسى: إنها بقرة سليمة تثير الأرض ولا تسقى الزرع.. فاضطروا أن يذبحوها وما كادوا يفعلون!
هؤلاء القوم.. بنى إسرائيل.. أتعبوا سيدنا عيسى.. فاضطر أن يعدد لهم ما وهبه الله من آيات لا تمنح إلا للأنبياء والرسل، فقال لهم إنى أخلق لكم من الطين كهيئة الطير.. وأعالج الأعمى والأبرص.. وأحيى الموتى بإذن الله.. بل وأنبئكم بما تأكلون وما تدخرون فى بيوتكم.. أى ما تخبئونه للأكل فيما بعد، وأحل لكم بعض الذى حرم عليكم.. طالبا منهم أن يطيعوه.. ثم أخذ بيده قطعة من الطين وشكلها على هيئة طائر ونفخ فيها فتحركت بإذن الله ليريهم بأنه (أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنْ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْراً بِإِذْنِ الله وَأُبْرِئُ الأَكْمَهَ وَالأَبْرَصَ وَأُحيْيِ الْمَوْتَى بِإِذْنِ الله وَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنينَ (49) وَمُصَدِّقاً لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنْ التَّوْرَاةِ وَلأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ وَجِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ فَاتَّقُوا الله وَأَطِيعُونِ).
ولكن عيسى أحس منهم الكفر بعد أن أفهمهم أن الله ربه وربهم وعليهم عبادته، فاضطر للسؤال من أنصارى إلى الله.. فاستجاب له بعض القوم (الحواريون) وأعلنوا أنهم أنصار الله، حيث آمنوا برسالته وطلبوا منه أن يشهد بأنهم مسلمون.
لقد أراد الله سبحانه وتعالى أن يجعل من «الطين» آية للقوم الضالين..
نعم لقد خلق الله لكل شيئا سببا..



