rosa
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
أحمد إمبابي
بقلم : محمد نجم

نعم.. ما أشبه الليلة بالبارحة.. وكأننا نعيش فى أجواء وزمن ثورة 23 يوليو التى نحتفل بذكراها السنوية الثالثة والستون.

ولكن.. ليس معنى ذلك أن مصر لم تراوح مكانها طوال السنوات الطويلة الماضية.. وحتى ثورة 30 يونيو 2013، فقد جرت مياه كثيرة فى السياسة والاقتصاد على المستويين المحلى والإقليمى.. والدولى أيضا.

وقد نجحت مصر فى الاستقلال بقرارها السياسى إلى حد كبير باستثناء تلك الفترات المتقطعة التى ارتمينا فيها بأحضان الحليف الأمريكى..غير المخلص!

هذا.. بينما تراوحت أوضاعنا الاقتصادية طوال تلك الفترة بين الصعود والهبوط.. والنمو والتعثر.. لأسباب داخلية فى أغلبها.. وأخرى خارجية متعمدة فى بعض الأحيان والحالات.

وقد انعكس كل ذلك على الحياة الاجتماعية للمصريين، فقد شهدت تحسنا جماعيا طوال فترة الخمسينيات والستينيات وعادت الطبقة الوسطى من جديد لتكون «عمود» المجتمع، ولكن مع بداية فترة الانفتاح وما تلاها من التزاوج بين رأس المال وسلطة الحكم.. سقطت الطبقة الوسطى إلى القاع مرة أخرى.. وتربع «الأثرياء الجدد» على قمة المجتمع.. بعد الاتجار فى الأراضى.. وعدم تسديد القروض البنكية.. وغيرها من حالات الكسب غير المشروع التى لم يصل إليها القانون حتى الآن.

ونعود للسؤال الأساسى: ما هى أوجه الشبه بين ما نعيشه الآن وبين ما كانت مصر عليه فى أعقاب ثورة يوليو 1952؟.. وما معنى ذلك؟..

لقد نجحت «يوليو 52» فى إزاحة نظام حكم ملكى قد نتفق أو نختلف حول أدائه- باستثناء المؤسس محمد على- ولكن أبرز ما فيه كان عبارة عن ملك ورعية.. منها مجتمع النصف فى المائة باشوات وباكوات والملتفين حولهما، أما بقية الشعب فهم عمال وفلاحون.. يلتحفون بالستر ويعانون من فقر مدقع، ولكنه- أبدا- لم يكن أمميا ولا مفرطا فى أى شبر من الأراضى المصرية.. بل امتد حكمه إلى السودان جنوبا وغزة شمالا..

وكذلك نجحت «يوليو 2013» فى إزاحة نظام حكم جمهورى- هذه المرة- ولكنه لم يكن يؤمن بالقطرية وعلى استعداد للتفريط فى أيه مساحة من الأراضى المصرية تحت دعوى وهمية.. وهى إقامة الدولة الإسلامية الكبرى وعاصمتها القدس.. والأهم من ذلك أن النظام الجديد كان ينتمى لجماعة برجماتية مغلقة على نفسها وأعضائها.. أما بقية الشعب المصرى.. فعليه أن يسير على دربهم ويعمل طبقا لرؤيتهم ويتقاضى أجره عن عمله.. ولا أكثر من ذلك! فالحكم لنا ولمن  والانا.. أما غيرنا فهم ليسوا إلا رعية عليهما طاعة الأوامر!

والطريف.. أن الحكم «الملكى» سلم مقاليد البلاد.. طواعية.. حفاظا على الجيش.. وحقنا للدماء المصرية..

 أما الحكم «الإخوانى».. فقد حارب الجيش وأسال دماء المصريين.. رافعا شعار: يا نحكمكم يا نقتلكم.. مستعينا فى ذلك بخوارج العصر.. من كافة البلاد الإسلامية القريبة والبعيدة..

والأكثر طرافة أيضا أن «يوليو 52» رفضت «عباءة» الإخوان.. وواجهت تنظيمهم السرى.. وفككت جماعتهم.. فاضطروا للسياحة فى بلاد الله إلى أن حانت الفرصة مرة أخرى!

وهكذا كان على ثورة «يوليو 2013» أن تعيد الكرة وتخلص المجتمع من الهيمنة السياسية لتلك الجماعة العنيفة التى ترتدى عباءة الإسلام رياء وتكتيكا للوصول إلى الحكم.. ولكن هذه المرة.. مازالت المواجهة قائمة.. ولن تطول إن شاء الله.

***

هذا عن الأجواء السياسية.. محليا.. أما إقليميا فلم يختلف الأمر كثيرا.. حيث قامت ثورة يوليو فى ظل استعمار أجنبى لأغلب البلاد العربية والأفريقية واستطاعت بجهود مخلصة أن تزيح هذا الاستعمار وتقود حركات التحرر الوطنى فى المنطقة.

والآن.. وكأننا عدنا إلى المربع صفر مرة أخرى.. ولكن العودة اقتصرت  على الدول العربية فقط حيث «فوضى غير خلاقة» فى أغلب الدول العربية الفاعلة فى الأمن القومى العربى.. وعلى رأسها العراق وسوريا واليمن وليبيا.. ولكن المشكلة أن مصر- هذه المرة-  مشغولة بداخلها.. والكل متفق على أن الاستقرار لن يعود لتلك الأقطار العربية إلا من خلال مصر وقيادتها.. المهم أن نبدأ فى المحاولة ولن يضيع الله «أجر» من يحسن عمله.

وتلك «اللقطة» لا تبتعد كثيرا عن ما واجهته كل من الثورتين.. ففى «يوليو 52» عندما حاول عبد الناصر بناء السد العالى لجأ للبنك «اللى بيسلف ويدى» ولكنه رفض التمويل.. فكان قرار تأميم قناة السويس.. كشركة مساهمة مصرية!

وفى يوليو 2013 لاحظ السيسى تعنت البنك والصندوق الدوليين.. وإصرارهم على فرض «روشتة» معينة للاقتصاد المصرى.. ومن ثم كان قرار الاعتماد على الذات.. على المصريين أنفسهم.. فى شق قناة جديدة لزيادة عائد رسوم المرور.. وفعلا جمع المصريون أكثر من 65 مليار جنيه فى حوالى ثمانية أيام فقط لتمويل تلك التوسعات.. ونحن الآن بصدد افتتاح عالمى للقناة الجديدة التى نجح المصريون وبمساعدة أشقاء مخلصين فى الانتهاء منها فى أقل من عام واحد.

وقد كان هدف بناء السد العالى لتوفير مياه الزراعة للأراضى المصرية طوال العام، فضلا عن استصلاح واستزراع ملايين الأفدنة، مع حماية الأراضى والقرى المصرية من الغرق فى فترات الفيضان السابقة، والأهم من كل ذلك.. أنه كان دليلا وعلما على استقلال القرار المصرى.. وقدرة المصريين على تنفيذ ما يحلمون به.. ومهما كانت الصعاب والتحديات.

وهكذا الأمر أيضا بالنسبة ليوليو 2013، حيث إنشاء تفريعة جديدة للقناة القديمة ليس المقصود بها زيادة العائد من المرور فقط، ولكنها أيضا دليلُ وعلمىُ على استقلال القرار المصرى وتأكيد على قدرة المصريين على الفعل الإيجابى، فضلا عما سوف تحدثه تلك القناة من نقلة نوعية فى الارتقاء بإقليم القناة ومحافظاتها الثلاث.. وهو ما يمثل قيمة مضافة هائلة للاقتصاد والمجتمع.

***

تبقى قضية العدالة الاجتماعية للثورتين المصريتين وقد تكون الظروف مختلفة.. وهناك عوامل كثيرة ساعدت يوليو 52 على تحقيق إنجاز ملموس فى هذا المجال سواء  من خلال توزيع أراضى الإصلاح الزراعى على المعدمين من الفلاحين، و التوسع فى مجانية التعليم والرعاية الصحية، والتوظيف الكامل لجميع الخريجين.. إلخ.

ولكنها تظل أيضا قضية ملحة واجبة النفاذ، لأن الثورات الوطنية تقوم من الأساس لخدمة الشعب ورفع الظلم عن فئاته المهمشة، و(تمكين) أبنائه من الحصول على تعليم جيد ورعاية صحية متكاملة.. فضلا عن «فرص» للعمل.. الذى هو حق واجب فى نفس الوقت خاصة بعد أن ينهى «الخريج» مشوارًا طويلًا من التعليم فى مراحله المختلفة.. تتكبد فيه أسرته مبالغ طائلة ناهيك عن الانتظار المشوب بالقلق على نتيجة مشروعهم الذى استثمروا فيه.. وهو توفير التعليم المناسب لأولادهم.. باعتبار أن التعليم مازال الطريق العلنى والأداة المشروعة للترقى الاجتماعى وتحقيق الإنجاز الذاتى لأفراد المجتمع المجتهدين.. فضلا عما يحققه ذلك من قيمة مضافة للمجتمع ككل.

***

والخلاصة.. أن كلا الثورتين «يوليو 52».. و«يوليو 2013» خلصتا المجتمع من حِمل «ثقيل» كبس على أنفاسه، وأدركتا مبكرا.. أنه لن يبنى مصر.. غير المصريين

وستظل مصر.. إن شاء الله مستقلة بقرارها.. مفتخرة بتاريخها.. قوية بجيشها وأبنائها..

حفظ الله مصر..

 

تم نسخ الرابط