بقلم : محمد نجم
لا يمكن اختزال القناة الجديدة الجارى الاستعداد لافتتاحها فى احتفال عالمى.. فى مجرد مسمى «التفريعة» الجديدة، فلا توجد تفريعة من الناحية الجغرافية تمتد إلى مسافة 72 كم، فضلا عن التطابق التام مع القناة القديمة من حيث العمق والعرض.. وكافة المواصفات الملاحية الضرورية لضمان سلامة مرور السفن العملاقة بها.
وأعتقد أن «شهادة» مسئولى غرفة الملاحة الدولية خير دليل على ما نقول، خاصة أنهم حضروا وعاينوا.. وقالوا كلمة حق من أهل الاختصاص.
ومع ذلك.. ليس هذا هو «مربط الفرس» فى الموضوع، وإنما هى إشارة عابرة لكشف خيالات ومزاعم الأخ بتاع «طشت أمه» الذى ادعى أنه أوسع من القناة الجديدة.
ومرة أخرى.. وبصرف النظر أنها «هدية» مصر للعالم لأسباب اقتصادية وتجارية.. بما توفره من وقت وجهد وسرعة انتقال البضائع بكافة أنواعها من أماكن إنتاجها أو تجمعها إلى مناطق الاحتياج إليها.. مع خفض تكلفة النقل بعد تقليل مدة المرور.
إلا أنها بالنسبة للمصريين.. هى .. رمز.. وأمل، هى رمز لأنها أعادت اكتشاف قدرة المصريين على تحقيق ما يحلمون به على أرض الواقع دون اعتبار لأية ضغوط خارجية وبأى شكل ومن أى جهة.. وهو ما يعنى التطبيق الحى لاستقلال القرار المصرى.. والذى تمثل أيضا فى صفقات السلاح المختلفة والمتتالية مع كل من روسيا وفرنسا وألمانيا.
هى أيضا.. رمز.. وذكرى عملية لقرار بناء السد العالى.. وانتصار أكتوبر وتحرير الأرض المغتصبة، حيث اعتمد المصريون على أنفسهم أولا.. ثم مساعدة الأشقاء والأصدقاء المخلصين.
وهى كذلك.. رمز لإعادة اكتشاف القدرات الكامنة للاقتصاد المصرى.. وشرايينه الرئيسية المتمثلة فى وحدات الجهاز المصرفى الوطنى الذى استطاع بسهولة ويسر وبعمليات منظمة إتمام عمليات الاكتتاب فى وثائق القناة الجديدة فى أقل من ثمانية أيام وبمبالغ أكثر مما كانت مطلوبة.
ولا يقتصر الرمز عند ماتقدم فقط.. ولكنه يمتد إلى أهم ما فى الموضوع.. وهو قدرة الأحفاد فى الحفاظ على «الإرث» الذى تركه الأجداد وصيانته وتعميقه.. وتوسعته.. بل ومضاعفته.
فالرسالة واضحة أننا على دربكم سائرون، وعلى تضحياتكم ذاكرون، وعلى ما تركتموه محافظون.
هذا هو المعنى والرمز الذى قد لا ينتبه إليه أحد من أصحاب الخيالات المريضة أو من أصحاب الصوت العالى من النخبة التى لا تعمل إلا لمصلحتها فقط ولمن والاها أيضا!
أما فيما تمثله القناة الجديدة.. من أمل.. لمصر والمصريين، فالأمر واضح لا يحتاج إلى سفسطة وحكاوى القهاوى، فلا بديل أمام أى شعب أو بلد سوى العمل الجاد المخطط له جيدا إذا كان يرغب فى النهوض وتحسين مستوى معيشته.. ولن يتأتى ذلك إلا من خلال زيادة معدلات الناتج المحلى فى الاقتصاد الإنتاجى والخدمى، وأيضا زيادة الدخل القومى بتجديد وتحديث مصادره.. أى العمل.. ومن خلال أفكار جديدة ومشروعات حديثة.
وأعتقد أن القناة الجديدة بما سوف توفره أو تساعد على إقامته من مشروعات جديدة خير دليل على ما نقول، فقد قرأنا جميعا عن مدينة الإسماعيلية الجديدة، وعن المزارع السمكية شرق القناة، والأنفاق الجديدة تحت القناة.. ونقل المياه إلى منطقة وسط سيناء التى أهملناها كثيرا، وغير ذلك من الصناعات الوارد إقامتها فى تلك المنطقة المثالية للتصنيع والتصدير والتجارة الدولية.
وقد يخفى على الكثيرين أن المجتمع مثل الأوانى المستطرقة.. أى لابد أن تتساوى ارتفاعات المياه فى تلك الأوانى بصرف النظر عن عمقها أو شكلها.. إذا كانت كلها متصلة ببعضها، والمعنى أن النجاح فى قطاع معين سوف يكون بمثابة «العدوى» التى لا يمكن إيقافها للقطاعات الأخرى.
وبمعنى أكثر وضوحا.. هذا النجاح الواضح المعلن فى إنشاء قناة موازية لقناة السويس الجديدة وبطول 72 كيلو مترا فى أقل من عام، سوف يبعث برسائل كثيرة، منها مثلا إلى السياحة الخارجية التى تعود إلى تدفقاتها السابقة قبل يناير 2011، وكذلك إلى المصريين فى الخارج والذين يتوقع مضاعفة تحويلاتهم الخارجية إلى مصر الحبيبة إلى قلوبهم والتى لم ينسوها فى غربتهم.
والأهم أيضا أنها رسالة للمستثمرين المحليين والأجانب.. فالدولة.. أى القطاع العام الذى حاول البعض تفكيك رموزه وبيعه خردة.. مازال قادرا على الإنجاز المبهر عندما تتوافر الإرادة.. والإمكانيات..
والمعنى أن الدولة تساعدكم بإنشاء مثل هذه المشروعات الكبرى التى تمثل بنية أساسية لمشروعاتكم الصناعية والتجارية.. فما الذى يعطلكم أو يأخركم عن المبادرة؟.
لا أرغب فى الإسهاب.. فالحقائق واضحة والأمل قائم.. وها هى القناة الجديدة بما تمثله من رمز وأمل خير دليل.. وهى أيضا «خطوة» أولى.. يتوقع أن تتبعها خطوات أخرى.. إن شاء الله



