rosa
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
أحمد إمبابي
بقلم : محمد نجم

يقول سبحانه وتعالى فى محكم آياته، وهو يعدد نعمه على عباده.. إنه خلق من الماء بشرًا فجعله نسبا وصهرا، وأنه أوصل الليل بالنهار وسخّر الشمس والقمر.. وكل يجرى فى مساره حتى قيام الساعة، وأنه دمج بين البحرين وسخّرهما أيضا لعباده ليأكلوا منهما لحمًا طريا وليستخرجوا منهما اللؤلؤ  والمرجان لتتزين به النساء، كما سير فيهما الفلك تجرى بأمر ربها تحركها الرياح حاملة عباده ومتاعهم إلى ما يشاءون.

ولكنّ البحرين لا يستويان، فأحدهما ماؤه شديد العذوبة حلو الشراب، والآخر ماؤه شديد الملوحة التى قد تصل إلى المرارة.

 

ومجمع البحرين.. هو المكان الذى يتقاطع أو يلتقى فيه مسارهما مع اختلاط مائهما مع بعضه.. سواء كان عذبا فراتا أو ملحا أجاجا.

وتلك «الحالة» تتمثل فى التقاء نهر النيل مع البحر الأبيض المتوسط فى آخر منطقة اللسان بمدينة رأس البر، حيث ماء النيل العذب الصالح للشرب وماء البحر المتوسط المالح وكل منهما يستخرج منه السمك ذو اللحم الطرى وتسير الفلك فيها بأمر ربها.

ولكن تلك الحالة ليست موضوعنا، فنحن نتحدث عن لقاء البحرين الأحمر والأبيض وهذان البحران قد «مرج بينهما» أى التقيا مع بعضهما واختلط ماؤهما من خلال قناة السويس بقديمها وجديدها وبما يمكن تسميته أيضا «مجمع البحرين»، حيث تحققت حكمة الله سبحانه من تسخيرهما لعباده.. حيث ترى الفلك فيها تسير بأمر ربها حاملة البشر والحجر.. وكل ما يمكن استخدامه والاستفادة منه.

أى أن المصريين - وأرجو ألا أكون متجاوزًا - استفادوا مما سخره لهما الله.. أى البحرين الأحمر والأبيض فاستخرجوا منهما ما استطاعوا.. من أسماك ولؤلؤ ومرجان وبترول وغاز.. وأوصلوا بينهما بقناة طولها حوالى 190كيلو مترًا حفرها أجدادهم، ثم جاء الأحفاد فزادوا عليها قناة جديدة بمسافة 73كيلو مترًا ليعظموا الاستفادة من مرج البحرين ببعضهما.

فالله تعالى خلق لكل شىء سببا، وخلق الأشياء لأسبابها، فقد خلق الإنسان ليعمر الأرض، وخلق الأرض ليقيم الإنسان وذريته الحياة عليها، وسخر الرياح والمطر ليُحيى الأرض بعد موتها، وخلق الدواب لاستخدامها كمطية.. إلى آخره..، وقد خلق البحر - كما قال فى كتابه العزيز لتستخرجوا منه ما تشاءون ولتستخدموه كما تريدون، وقد عدد بعضا من هذا الذى وجهنا إليه، وترى الفلك فيها مواخر لتبتغوا من فضله.. لنحمده ونشكره على كريم عطاياه.

ونحن المصريين لم نفعل أكثر مما أمرنا الله به.. أن نستفيد مما خلقه وسخره للإنسان.. ومن ثم كانت القناة الجديدة لتعظيم الفائدة مما سخره الله لنا ولغيرنا.

qqq

لقد كتبت ما تقدم وفى ذهنى وقائع وملابسات لقاء سيدنا موسى والعبد الصالح «الخضر» وهو اللقاء الذى أثار الكثير من التساؤلات والتفسيرات..

فطبقا لبعض الأحاديث النبوية الشريفة التى رويت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، أن سيدنا موسى كان يخطب فى جمع من قومه.. وأحسن الخطاب والوعظ، وبعد أن انتهى لحق به رجل وسأله: هل هناك من هو أعلم منك؟ فأجابه موسى: لا، فأوحى الله إليه بأن هناك: عبدنا الخضر، فسأل موسى ربه السبيل إليه، فجعل الله له الحوت آية، وقيل له إنك إذا فقدت الحوت فارجع من حيث بدأت.. فإنك ستلقاه.

وهو لقاء يكشف أن فوق كل ذى علم عليم بأمر الله، فسيدنا موسى كان من الأنبياء ذوى العزم وأصحاب الكرامات، وقيل إنه كان أعلم علماء الشريعة فى وقته، ولكنه لم يكن عليما بسر التصرفات الإلهية ولا أسرار القضاء والقدر، بينما وهب الله العبد الصالح بعضا من علم الحقيقة، حيث أتاه الرحمة وعلمه من لدنه علما، تماما كما فعل الله مع الذى كان لديه علم من الكتاب ووعد ونفذ حيث أتى بعرش بلقيس ملكة سبأ إلى سليمان قبل أن يرتد إليه طرفه.. أى قبل أن ترمش عينه.

وسبحانه وتعالى أراد لموسى ألا يكتفى بظواهر الأمور.. وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم وعسى أن تحبوا شيئا وهو شر لكم، لماذا؟ لأن الله يعلم وأنتم لا تعلمون.

فقد تزود موسى وفتاه بسمكة مالحة وضعاها فى سلة وارتاحا من سفرهما عند شجرة فى طريقهما للبحث عن الخضر، فغافلهما «الحوت» أى السمكة بعد أن بعث به الله الروح مرة أخرى.. وهرب إلى البحر تاركا علامة بارزة تثير العجب على مساره.

وبعد أن واصل موسى سيره، طلب من فتاه إحضار الغداء، فأخبره فتاه بهروب الحوت إلى البحر، فعادا أدراجهما إلى ذات المكان ليتفقدا أثره حيث هو دليلهم إلى العبد الصالح.. وبدا موسى مصمما على ذلك حتى لو اضطر للسير لزمن طويل، وعندما وصل إلى المكان وتعرفا على بعضهما سأل موسى الخضر بأدب شديد: هل أتبعك على أن تعلمنى مما علمت رشدا، أى صواب مما علمك الله؟

فحذره العبد الصالح من عدم الصبر، لأنه ليس عليما بحكمة الله وغاياته من ظواهر الأمور الخادعة، فوعده موسى بالطاعة التامة وعدم عصيان الأوامر، ولكن الخضر اشترط عليه مرة أخرى عدم السؤال عن الأسباب حتى يخبره لماذا تصرف كما رأى موسى، وانطلقا.. وحدث أن الخضر خرق السفينة التى ركباها، ثم قتل غلاما بدون سبب، وأعاد بناء جدار كان على وشك السقوط على الرغم من أن أهل القرية التى بها الجدار رفضا إطعامهما.

ولكن موسى لم يستطع الصبر.. وكان كل مرة يعتب ويستنكر ما يرى.. ودار بينهما حوار جميل فى هذا الخصوص حتى اضطر الخضر للقول إن هذا فراق بينى وبينك فقد نفد صبره من موسى.. ولكنه أخبره بحقائق الأمور ولماذا فعل ما فعل، فقد خرق السفينة  حتى لا يستولى عليها الملك بالغصب، وقتل الغلام حتى لا يرهق أبويه طغيانا وكفرا وكانا مؤمنين، كما كان الجدار لغلامين يتيمين وكان تحته كنز لهما.

والمهم.. أن كل ذلك لم يكن مبادرة من الخضر، ولكن بوحى من الله تعالى.. وما فعلته عن أمرى.. مفسرًا له ما لم يستطع معه صبرًا وكان دائم العتاب والاستنكار.

 

تلك كانت قصة موسى والخضر باختصار شديد، وما يهمنا فيها: أين مجمع البحرين الذى التقيا عنده؟!

بعض المفسرين قال إنه عند طنجة حيث يجتمع المتوسط مع المحيط، وقيل إن البحرين هما المكر والرس بأرمينية، وقيل أيضا إنهما بحر القلزم وبحر الأزرق، وبعضهم قال إنه بحر فارس وبحر الروم.. وقيل أيضا إن هذا كناية عن لقاء البحرين فى العلم موسى والخضر.. الأول بحر الشريعة والثانى بحر الحقيقة وهو تأويل صوفى لم يتوقف أحد عنده كثيرًا ولكن الثابت تاريخيا أن موسى وفتاه كانا فى أرض سيناء، وأنه لم تكن هناك من وسيلة ليذهبا إلى تلك الأماكن التى قالها بعض المفسرين والتى أشرت إليها سلفا.

بل لقد أثبت العلم الحديث أن مجمع البحرين يقع بمنطقة رأس محمد بشرم الشيخ عند نقطة التقاء خليج العقبة والسويس بجنوب سيناء، وقال بعض الباحثين الأثريين الذين استعانوا بخرائط الأقمار الصناعية إن تلك الخرائط كشفت عن الرصيف البحرى الذى رست عليه سفينة الخضر، والذى يقع على بُعد 300م فقط من صخرة اللقاء والتى تتوسط طريق الدخول إلى منطقة رأس محمد.

لقد كان مجمع البحرين هو لقاء موسى والخضر فى سالف الدهر، والآن قناة السويس هى «مجمع البحرين» فى العصر الحديث.. والله أعلم.

تم نسخ الرابط