بقلم : محمد نجم
هناك الكثير من السور والآيات فى القرآن الكريم التى يجب التوقف عندها، حيث الإعجاز والحكمة والبلاغة.. والمعانى التى لا تخطر على قلب بشر، وذلك من سورة النمل.. وحكاية سيدنا سليمان مع الهدهد.. الذى أحاط بما لم يحط به سليمان.. حيث أتاه من سبأ بنبأ عظيم، ذلك على الرغم مما كان عليه سـليمـــــان من الحكمة والعــلم.. له ولوالده سيدنا داود.
بل وهبه مُلكا لم يهبه لأحد من قبله.. حيث سخر له الإنس والجن والطير والرياح.. كلهم يوزعون ويأتمرون بأمره، وهو ما عبر عنه سليمان مخاطبا الناس (عُلِّمْنَا مَنطِقَ الطَّيْرِ وَأُوتِينَا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ).. نعم إنه فضل من الله كبير.. فقد فضلهما على كثير من عباده المؤمنين.
ولكن القصة لا تنتهى عند الهدهد وتسببه فى إسلام ملكة سبأ وقومها، فها هى آية أخرى تكشف عن الكثير من الإعجاز القرآنى والبلاغة اللغوية والكثير من المعانى الأخرى التى لا تخطر على قلب بشر.
فأثناء سير سيدنا سليمان وجيشه العظيم الذى يتكون من الجن والإنس والطير.. مروا على واد من النمـــل.. فما الذى حدث؟.
لقد تعرفت إحدى النملات المكلفة بحراسة المستعمرة على سليمان وجنوده فخشت على عشيرتها من الهلاك، فسارعت بالتنبيه عليهم أن يدخلوا مساكنهم ليحموا أنفسهم حتى لا تطـأهم أقــدام سـليمان وجنـوده وهم لا يشعرون، ولكن تلك النملة الواعية الذكية قالت ذلك فى جملة موجزة شملت عشرة أنواع من الخطاب فى آية واحدة.. وهنا الإعجاز والبلاغة- كما يقول المفسرون- حيث: النداء والتنبيه والتسمية والأمر والنص والتحذير والتخصيص والتفهيم والتعميم والاعتذار، ناهيك عن الإعجاز فى الكناية والإشارة.
فقد خاطبت النملة عشيرتها بقولها (يَا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ)، فقد استخدمت كلمة (مَسَاكِنَكُمْ) ولم تقل جحوركم أو بيوتكم، فالسكن هو الأكثر بلاغة عن الحماية والسكون،وأن كل نملة تعرف مكانها الذى ستذهب إليه.
ثم إنها اعتذرت عن سليمان وجنـوده.. فهم لا يشعرون أى لا يقصدون.. فهم جيش كبير يسير فى طريقه، وقد لا يرى النمل بسبب صغر حجمه، كما أنها استخدمت كلمة (يَحْطِمَنَّكُمْ)، حيث أثبت العلم الحديث أن جسد النملة يحتوى على نسبة كبيرة من مادة الزجاج، وهى مادة سهلة الكسر والتحطيم الذى غالبا ما ينتج عن خطأ غير متعمد!
فهل بعد ذلك إعجاز وبلاغة؟.. حيث يسوق الله معجزة جديدة لسليمان.. بأن تتعرف عليه وجنوده النملة وتحذر قومها من خطأ غير متعمد ولكنه قد يتسبب فى هلاكهم، ومن ثم عليهم بالحذر والدخول إلى مساكنهم للحماية مما يهددهم.
فما كان قول سليمان؟.. وكيف كان رد فعله؟.
لقد فهم وتفهم سليمان قولها- فقد علمه الله منطق الطير وأتاه من كل شىء.. فتبسم ضاحكا من ذكائها.. ولكنه سارع مخاطبا ربه أن يلهمه شكر نعمته التى أنعم الله بها عليه هو ووالده، وأن يرشده دائما للعمل الصالح.. حتى ينال الجزاء المنتظر.. بأن يدخله برحمتـه فى عباده الصالحين.
سبحان القائل فى سورة الإسراء أنه ما من شىء من مخلوقات الله إلا ويسبح بحمده.. ولكن نحن البشر لا نفقه هذا التسبيح (وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ)، كمــا قـال أيضا فى محكم آياته (وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الأَرْضِ وَلا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلاَّ أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ).
فالبشر لا يحتكرون الذكاء.. ولا التنظيم.. وعبادة الله الخالق.. والتسبيح بحمده.. فسبحانه وتعالى هو الذى خلق جميع المخلوقات ثم هداها إلى كيف تمارس حياتها، ذلك ما وصفه سيدنا موسى عليه السلام وهو يخاطب فرعون بقوله (رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى).. سبحانه إنه على كل شىء قدير.
وقد لا يعلم الكثيرون أن النمل قد يكون أكثر ذكاء وتنظيما من بعض البشر، وأنه يعيش فى مستعمرات تشبه «المملكة» القائمة بذاتها، حيث لكل منهم وظيفته المحددة يؤديها بكل جدية وبشكل منتظم، ومستعمرات النمل قد تتكون من بضع مئات أو عشرات الملايين، ولكن فى أغلب الأحوال تضم ملكة واحدة مهمتها الحفاظ على النوع، حيث تلقح مرة وحيدة من الذكر ولكنها تستمر فى وضع البيض طوال حياتها التى قد تمتد إلى عشرات السنين حسب النوع، فهناك 20 ألف نوع من النمل يمثل حوالى 20% من الكائنات الحية على الأرض.. والنمل يعيش فى كل مكان، ولكن أغلبه من الشغالات الإناث، وبضعة ذكور مهمتها الوحيدة التلقيح!! والشغالات تقوم بكل شىء من رعاية البيض وخدمة الملكة وجلب الطعام وتخزينه.. ونظافة المسكن.. والدفاع عن العشيرة.. إلخ.. ويتمتع معشر النمل بحواس حادة فى اللمس والشم والتذوق، وكلها مركزة فى قرون الاستشعار التى يستخدمها فى فحص الأشياء ونقل المعلومات، كما أن النملة الصغيرة التى لا تتجاوز طولها 2مم تستطيع أن تحمل أشياء تزن عشرين ضعفا من وزن جسمها..
ويرتبط بما تقدم ولا يقل عنه فى الإيجاز والإعجاز والبلاغة.. ما كشف عنه موت سيدنا سليمان! فهذا الملك العظيم الذى سخر الله له كل شىء.. لم تعلم الجن بموته.. ولم يدلهم على ذلك إلا دابة الأرض تأكل عصاه..
ودابة الأرض قد تكون العتة أو القرضة أو زنابير الخشب أو سوس الأشجار.. ولكن هناك إجماعا على أنها «النمل الأبيض».
المهم أن سيدنا سليمان ظل متكئا على عصاه لمدة عاما كامل والقرضة أو دابة الأرض كما وصفها القرآن تأكل فيها إلى أن سقط الجسد على الأرض.
فقد كانت الجن التى يدعى البعض أنها تعلم الغيب تواصل عملها ليل نهار فيما كلفها بها سيدنا سليمان رغم مشقته.. وكانت كلما نظرت إليه وجدته شاخص العينين متكئا على عصاه (منسأته).. فتظن أنه حى.. فتواصل عملها مرة أخرى.. ولكن لحكمة من الله لم تعلم الجن بموت سيدنا سليمان إلا من خلال حشرة صغيرة أخذت تنقر فى العصا حتى أكلتها فخار الجسد المتكئ عليها إلى الأرض.. فهنا علمت الجن بموت سليمان..
ولقد لخص القرآن الكريم نهاية سليمان وعلاقته بالجن فى تلك الآية الموجزة (فَلَمَّا قَضَيْنَا عَلَيْهِ الْمَوْتَ مَا دَلَّهُمْ عَلَى مَوْتِهِ إِلاَّ دَابَّةُ الأَرْضِ تَأْكُلُ مِنسَأَتَهُ فَلَمَّا خَرَّ تَبَيَّنَتْ الْجِنُّ أَنْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ مَا لَبِثُوا فِي الْعَذَابِ الْمُهِينِ).
فسبحانه وتعالى الذى جعل لكل شىء سببا.



