الإثنين 15 يونيو 2026
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
أحمد إمبابي
بقلم : رشا بكر

منذ خَمْس سنوات سمعتهم يقولون "فيسبوك" فقادني فضولي إلى طريق مُلبد بالغيوم غيوماً بيضاء وأخرى قاتمة، تارةً تمطر أزهارًا وورودًا وأشعارًا، وكلمات من الألماس وصدى خلفياتٍ موسيقية حالمة تتردد من البعيد، وتارةً أخرى تُمطر فيها سُمًا ناقعًا و قطرانًا وأهوالاً تناهل على رأسي، وضجيج يدبّ كأرجل الشياطين.


فىّ هذا العالم الافتراضي يعلو الصخب "أهلاً بك" فأنت مدّعواً لحضورِ حفلة مجنونة ماجنةٌ وعَفيفة على شرفِ الحاضر بغير حضور فيسبوك.. أحاديث دينية، مجادلات سياسية، صورًا جسدية وألوانٌ وأضواء تسّطع تَلمع تتقلب وترتبك، وجوه غريبة تُطاردنى فارتعبت، نظرتُ للحاضرين وما يفعلون فتشجعت فتحتُ فمي بالكلام فاهتزت كلماتي بسقف حلقي، ابتلعت ريقى فجفّ الكلام وغاب صوتي وانسحق.


تَجولت عيّناى تُقلب الحاضرين إنه عالم غَريب حقًا، تراجعت وقصدت رُكن قصيّ وانزويت متكومة على ذاتي، وقررت أن أُراقب العالم من بعيد مكتفية، ثم تأملت فى الفراغ، هناك كانت شاشة كبيرة جدًا معلقة فى البعيد سألتني "بمَ تفكر الآن؟!" يُومض السؤال ويغلق ويُومض ويغلق.. تتداخل الأصوات، تتشابك، تتصارع، ويعلو صخب الضوضاء في السياسة، الدين، النظام، الفاتنات، أشهر المقولات، فلان صَرّح آخر قال، الطرقات، الأموات، الغجريات، الغانيات، العتمة، النور والنور والظلام... حاولت الكلام، لكن غاب صوتى وانسحق‼ 


جاء بعض الحضور الغرباء "قاموا بإضافتى" أقبلوا فقبلت، ضحكوا فاصطكت أسنانهم، ثم ضحكوا فاتسعت أشداقهم، ضحكوا فصار صوت ضحكاتهم تحت آًذانى جرسًا نحاسيًا عملاقاً قاسيًا رنّت ضحكاتهم فصدعت رأسى، التهمت أنوفهم الفضولية أنفاسى، ولعقت وجهي نظراتهم اللّزجة المستريبة، التفوا حولي شَدّني أحدهم فقمت، ودفعنى لآخر، جذبني ودفع بي لآخر ثم أخرى ثم آخر! وإذا تثاقلت ممتنعة تناوبوا السخرية منى، ورموني كأني كرة من المطاط يتلقفونني وحملونني إلى الأعلى، قذفوا بي، وتركوني أسقط على أرض من هلام، وهللوا "مرحى.. مرحى؛ أَنثى.. أًنثى، هاي وهلا، ممكن نتعرف، انتي منين؟ وكلام كلام كلام، وهجوم وتهكم، وتحرش وغزل وأنات. اشتدّ غيظى وجززت على أسنانى، واعصترت فكرى.. اندفعت وهويت إلى البهو الشاسع العميق، اترك نفسك للسقوط الحر واستسلم. هنا ستُطاردك الأشباح والعمالقة والأقزام، وسيحنوا عليك ملاكًا ناصع البياض وشيخاً طاعنٌ فى السن سيُسدي لك النصيحة، ومُهرجون لن يكفوا عن النكات ولاعبوا أكروبات، وحيةٌ تتلوى وتتراقص، إنها أكبر حفلة تنكُريّة على الإطلاق ستجد فيها الملائكة والأبالسة، بنات بضفائر وطفلٌ بريء، نساء فاتنات، رجال شرهون والكئوس والسُكر والدماء، وأوشحة الفرو والريش، إنها حرب الكلمة والكل فى الحفل يرتدى أقنعة، هنا قناعًا للدين، وأقنعة الدراما وأقنعة للنفاق، وقناع المُحب ، قناعًا للخيّر،، وأخرى للشر، الكل يتخفى وراء أقنعة والنَصبُّ عَمّال على بطّال.


استجمعت شَجاعتىّ وسط الحضور، صمدتُّ أُمام الشاشة، كان الصخب يعلو أكثر فأكثر، لوحت لهم بإشارة أن الزموا الصمت، وأخذت نفسًا عميقًا وارتجلت، بصفتي أحد المدعوين: "وددتّ أن أقول لًك شكراً إيها الفيسبوك" فسكت الجميع وساد الصمت شيئاً فشيئًا تدريجيًا حتى أنتبهوا إليَّ، كان صوتى قويًا ممتنًا في جحود وتابعت: "أشكرك سيدي؛ لقد عزلتنا عن واقعنا الحقيقي، وسَحبتنا إلى أرض من سراب، شكرًا.. فإنك تجاوزت الحدود، قطعت بحارًا وأراضي، أدنيت منا اُناسًا غرباء يقتربون رغم المسافات .. أسعدتنا بصداقات جديدة وفريدة، لكن باعدت بيننا وبين أقرب الناس منا وإلينا، من خلالك كونّا صداقات مؤقتة، ومعارف لطيفة، على صفحاتك نخمش جملاً ما خلت كلماتها من المجاملات والمداهنات والرياء والإخلاص والصدق والكذب، لقد ساهمت سيدي فى خراب عدد لا بأس به من البيوت العامرة. التهمت أجمل أوقاتنا بدهاء وسِحر مبين... صرفتنا عن العمل بإتقان وأنسيتنا التركيز على تنمية مهاراتنا، سددت فراغنا بفراغ أوسع، أغويتنا عن الإستمتاع بأوقات الفراغ فى اللعب والتنزه والقراءة واللقاء، فرّقت لَمّة الأسر.


لقد جعلتنا سيدي ليلاً ونهارًا عبيدك المخلصين، مشغولون بك وحب الظهور فيك يطعن فينا، يقض مضاجعنا صراع حامى الوطيس للفت انتباه الآخرين.. فضول لنعرف ماذا كتبَ الآخرون عنا على صفحاتهم ومن تزوج، ومن مُحبط.. من يضحك من طلّق، من خان و"سهام شاركت صورتها بالمايوه فى صيف العام أم أنها ستتريث؟" من ومن ومن... شكرًا فأنك ساهمت فى صناعة نجوم من أنصاف الموهوبين ─يجيدون الطبل الأجوف─ على حساب شعراء وأدباء وأصوات حقيقية أحتجبت بإرادتها ضجرًا من وضع الحالي مزرِ، شكرًا؛ إن عيوبكَ كانت أكثر من ميزاتك، وكل همّك أن تعرف "بمَ أفكر" تبًا لك.


مرحبًا بسيدات المجتمع، وربات البيوت الطيبات، والشيوخ الأفاضل، وعنفوان الشباب، المفكرون والأفذاذ وبكل مغترب عن بلده أراد التسلية بقلوب الفتيات، ومن تبحث عن عريس مرحى بسوق للبضائع المغشوشة و"المضروبة" ونواصى للعاهرات وأوكارًا للنَصب والإبتزاز والابتذال والاحتيال، الأمراض الاكتئابية والهوس والكلام الفارغ... لقد هربنا فيك من واقعنا البشع لعالم أبشع اختلس براءة أطفالنا، جعلتنا نسير فى الشوارع مجانين وأنت فى أيدينا وتحت أنوفنا وفوق أعيننا.


نظرالجميع لبعضهم البعض وتناوشوا وانطلقت الضحكات "ها مجنونة"! وانسلوا من حولي، وعاد الصخب والجنون من بعد ما كان يُسمع صوتًا للسكون، ودبيب الشياطين، فصار يعلوا أعلى فأعلى وكأنى لم أقل شيئًا، أو كانه يريد أن لا أقل شيئًا وكأن كلامى ما كان من متكلم فغاب صوتى وانسحق.
 

تم نسخ الرابط