رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
أحمد إمبابي

خلال الأيام الماضية، ومع انطلاق فعاليات كأس العالم، انتشرت الإعلانات المصرية التى شارك فيها نجوم المنتخب الوطنى والفنانون والمشاهير على شاشات الهواتف ومواقع التواصل والمنصات الرقمية، لكن اللافت أن صداها تجاوز الحدود المصرية بكثير. فقد وجدت عشرات التعليقات من أشقاء عرب يتابعون هذه الأعمال بقدر من الإعجاب والدهشة، ليس فقط لجودة التنفيذ أو خفة الظل، وإنما للسؤال الذى تكرر بصورة لافتة.

كيف استطاعت مصر أن تقدم كل هذا الزخم الإبداعى حول حدث رياضى؟ ولماذا لا نرى إعلانات مشابهة فى دول أخرى تُشارك منتخباتها فى البطولة؟

قد يختلف البعض حول مضمون بعض هذه الإعلانات، خاصة تلك التى استعادت -بروح ساخرة- تاريخ مشاركات المنتخب المصرى فى المونديال، وما ارتبط بها من خروج مبكر أو إخفاقات رياضية، لكن المصريين، بطبيعتهم الخاصة، يملكون قدرة نادرة على السخرية من أنفسهم قبل أن يسخر منهم الآخرون، وعلى تحويل الخسارة إلى نكتة، والتعثر إلى حكاية، والذكرى المؤلمة إلى مادة للضحك والتأمل.

هذه ليست مجرد خفة ظل عابرة، بل جزء أصيل من الشخصية المصرية التى تعلمت عبر التاريخ كيف تواجه الأزمات بالابتسامة، وكيف تحول الضغوط إلى طاقة إبداع، والواقع إلى حكاية قابلة للتداول والتفاعل، لكن خلف هذه الروح المرحة تكمن حقائق أكثر عمقًا وأهمية.

فالإعلانات التى أثارت إعجاب الأشقاء العرب لم تكن مجرد أعمال فنية ناجحة، وإنما كانت انعكاسًا لقوة سوق ضخمة ومتنوعة وقادرة على الإنتاج والإنفاق والتأثير فى الوقت نفسه.

مصر ليست فقط دولة كبيرة سكانيًا، بل سوق اقتصادية هائلة يتجاوز عدد سكانها 110 ملايين نسمة. وهذا الرقم لا يمثل مجرد كتلة بشرية، بل يمثل قاعدة استهلاكية وإنتاجية واستثمارية تجعل السوق المصرية واحدة من أكبر الأسواق فى المنطقة العربية والشرق الأوسط وإفريقيا.

وعندما تتنافس الشركات على جذب هذا العدد الضخم من المستهلكين، فإنها تبحث عن أدوات أكثر ابتكارًا وتأثيرًا للوصول إليهم، فتولد الأفكار الجديدة، وتتطور الصناعات الإبداعية، ويصبح الإعلان نفسه منتجًا فنيًا قائمًا بذاته.

من هنا يمكن فهم حجم الحضور الذى حققته شركات الاتصالات والعقارات والسيارات والصناعات الغذائية والخدمات المالية والتكنولوجية وغيرها من القطاعات الاقتصادية التى تتسابق سنويًا على تقديم حملات دعائية تتجاوز وظيفتها التجارية التقليدية لتصبح جزءًا من المزاج العام والذاكرة الشعبية.

والحقيقة أن ما نراه على الشاشة ليس نتاج ميزانيات إعلانية فقط، بل ثمرة منظومة متكاملة تمتلكها مصر منذ عقود. منظومة تضم كُتّابًا ومُخرجين ومُوسيقيين ومُصورين ومُصممين ومُبدعين فى مختلف المجالات، إلى جانب صناعة فنية وإعلامية تراكمت خبراتها عبر أجيال متعاقبة.

كما أن مصر تمتلك ثروة أخرى لا تقل أهمية عن السوق والاقتصاد، وهى ثروة البشر القادرين على صناعة التأثير.

فنجوم المنتخب الوطنى، مثل نجوم الفن والإعلام، لا يخاطبون الجمهور المصرى وحده، بل يمتد حضورهم إلى المجال العربى بأسره. إنهم شخصيات عابرة للحدود، قادرة على صناعة التفاعل أينما ظهرت، وقادرة على تحويل أى عمل إعلانى إلى حدث جماهيرى يتجاوز نطاقه المحلى.

ولهذا لم يكن غريبًا أن تثير تلك الإعلانات كل هذا الجدل والإعجاب فى العالم العربى، لأنها قدمت صورة مكثفة عن مصر الحقيقية؛ مصر التى تملك سوقًا كبيرة، واقتصادًا متنوعًا، وقوة ناعمة راسخة، ومخزونًا لا ينضب من الإبداع والابتكار.

ففى عالم اليوم، لم تعد قوة الدول تُقاس فقط بما تمتلكه من موارد أو أرقام اقتصادية، بل بما تستطيع إنتاجه من أفكار وصور ورسائل قادرة على الوصول إلى الناس والتأثير فى وجدانهم.

وهنا تكمن الحكاية كلها.

فالإعلانات التى شاهدها الأشقاء العرب لم تكن مجرد فواصل تجارية بين البرامج والمباريات، بل كانت شهادة جديدة على أن مصر ما زالت تمتلك أحد أهم أصولها الاستراتيجية. الإنسان المصرى، بروحه الساخرة، وخياله الخصب، وقدرته الفريدة على تحويل أبسط التفاصيل إلى قصة، وأقسى اللحظات إلى ابتسامة، وأى مناسبة عابرة إلى حدث يتحدث عنه الجميع.

نقلًا عن مجلة روزاليوسف

تم نسخ الرابط