لم تحظ شخصية دينية مسيحية مصرية معاصرة بهذه الدرجة من الخلاف حولها مثل الأب متى المسكين. رفعه البعض إلى درجة التقديس وعدوه علامة فى اللاهوت، وأن مؤلفاته تدرس فى كل الكليات والمعاهد والجامعات المسيحية فى العالم، ووضعه آخرون ضمن الخونة الذين خانوا الكنيسة وتحالفوا مع الرئيس الراحل أنور السادات ضد البابا الراحل شنودة الثالث، وأنه حاول الإخلال باستقلال الكنيسة ووضعها تحت سيطرة الدولة، ووصفوا مؤلفاته بالهرطقة حتى إن البابا شنودة منع تداولها فى الكنائس.

يكفى للتدليل على هذا الخلاف ما فعله دير السريان منذ أيام قليلة، حيث نشر على صفحته الرسمية صورة للأب متى بمناسبة ذكرى وفاته العشرين مصحوبة بآية من الإنجيل «حينئذ يضىء الأبرار كالشمس فى ملكوت أبيهم»، وتحت الصورة عبارة «الذى أعانه قادر أن يعيننا حتى نكمل أيام غربتنا على الأرض بسلام»، وبعد ساعات حذف الدير الصورة والتذكار ونشر بيانا قال فيه «إن نشر تذكار نياحة القمص متى المسكين على موقع الدير لم يكن إلا تعبيرًا عن الوفاء والتقدير لراهب قضى جزءا من حياته الرهبانية فى الدير»، وأضاف الدير «وإذ ندرك أن هناك آراء وتقييمات مختلفة فإن الهدف من نشر التذكار لم يكن الدخول فى مناقشات أو جدالات حول هذه الأمور بل مجرد الإشارة إلى جانب تاريخى يتعلق بعلاقته بالدير»، واستطرد البيان «لأن دير السريان يحرص على حفظ السلام والمحبة بين الجميع فقد رأى الإباء إزالة التذكار تجنبًا لأى جدال أو عسرة أو بلبلة قد تنشأ بين الأبناء، وذلك بروح الحكمة والرعاية الأبوية وليس باعتبار أن نشره كان خطأ أو موقفا عقائديًا».
ما فعله الدير يكشف قدر الخلاف حول الأب متى، وهكذا ظل هذا الراهب القمص ورغم تنيحه منذ عشرين عاما وبالتحديد فى الثامن من يونية 2006 يحظى بمناقشات كثيرة وصفات وألقاب متعددة أطلقها عليه محبوه وكارهوه، فهو الأب متى المسكين والمسكون والمطارد والعلامة والمهرطق والمحدث، وفى كل الأحوال لا يستطيع أحد أن ينكر دوره الكبير فى تاريخ الكنيسة المعاصر، كان لافتًا إلى أنه منذ رهبانيته ارتبط بثلاثة بطاركة وتقاطع مساره معهم ما بين القرب الشديد والخلاف الحاد، ولكى نعرف شخصية الأب متى يجب أن ننظر إلى مسارات رهبنته فقد جال فى معظم أديرة صحراء مصر الغربية وتنقل بين عدة أديرة ولم يستقر فى دير واحد سوى عدة سنوات وأحيانًا شهور قليلة، كما ترك برغبته كل المناصب الكنسية التى تولاها رغم تمسك البطاركة الذين اختاروه لهذه المواقع التى يطمح إليها معظم الرهبان، فى عام 1948 قرر الشاب يوسف إسكندر أن يتجه ومعه مجموعة من خريجى الجامعات للرهبنة من أجل تحديث الكنيسة وتطويرها. ترك صيدليته التى افتتحها فى دمنهور بالبحيرة ومستقبله المشرق وأصبح تحت الاختبار تحت إشراف أب اعترافه ومرشده الروحى القمص مينا المتوحد الذى أصبح فيما بعد البابا كيرلس السادس والذى كان متواجدًا وقتها فى كنيسة مار مينا بمصر القديمة، لكنه أراد حياة الأديرة والعزلة فاتجه إلى دير الأنبا صمويل بمغاغة، ولكن هذا الدير لم يكن معترفًا به فى ذلك الوقت بجانب صعوبة الوصول إليه من قبل مريديه وراغبى الرهبنة، فتركه إلى دير السريان، وهناك أصر على تسمية نفسه متى رغم وجود راهب أقدم منه بالدير يحمل نفس الاسم، حيث تمنع قوانين الرهبنة وجود راهبين يحملان اسمًا واحدًا فى دير واحد، وأمام إصراره وتمييزًا بين الراهبين ولتمسك رئيس الدير به أطلق عليه متى المسكين، حيث كانت الكنيسة تحتفل بذكرى أحد الباباوات الذى كان يحمل نفس الاسم، وبذلك فإنه الراهب الوحيد الذى لم يحمل اسم الدير الذى ينتمى إليه، حيث يسمى الراهب باسم أحد القديسين مضافًا إليه اسم الدير مثل السريانى أو البراموسى أو المقارى أو غيرها من الأديرة، وفى هذه الفترة تمت رسامته قسًا، وفى عام 1954 اختاره البابا يوساب نائبًا بطريركيًا بالإسكندرية ورسمه قمصًا، لكنه استقال بعد عام واحد وعاد لدير السريان، ثم تركه واتجه إلى بيت تكريس بحلوان، حيث أقام فيه لفترة، ومنه إلى مغارات مهجورة بوادى الريان بالفيوم ومعه عدد من الرهبان، وفى 1960 أصدر البابا كيرلس السادس قرار بعودة جميع الرهبان الذين تركوا أديرتهم للخدمة الكهنوتية خارجها أو لأى أسباب أخرى إلى الأديرة، لكنه رفض وأصر على الاستمرار فى مكانه رغم عودة عدد من الرهبان الذين كانوا معه إلى أديرتهم.

فى هذه الفترة وبعد خلافات مع البابا كيرلس استمرت تسع سنوات تدخل بعض رجال الدين وعدد من الأراخنة -صوهم صفوة المجتمع القبطى - وقاموا بمصالحة البابا كيرلس والقمص متى المسكين ووافق البابا عام 1969على ذهابه إلى دير الأنبا مقار وطلب منه إعادة تعمير الدير، وكان به فى هذه الفترة عدد محدود من الرهبان كبار السن ومبانيه مهدمة ونشاطه بسيط ويكاد يكون مهجورًا، ورغم أنه لم يصدر قرارا برئاسته للدير إلا أنه كان معروفًا بأنه القائد والموجه الوحيد لكل رهبانه، واستطاع بالفعل أن ينهض به ويعده إلى مجده القديم ويجعله فى صدارة الأديرة من حيث الدراسات اللاهوتية حتى إن البعض اعتبره امتدادًا لمدرسة الإسكندرية، بجانب قيامه باستصلاح الأراضى حوله واستنباط زراعات ومحاصيل وثمار جديدة، كما انفتح على العلاقات مع الباحثين والدارسين فى كل العالم فكان زواره من كل الدول المسيحية، وأصبح الدير قبلة لمن يريد الدراسة والبحث والترجمة والرهبنة الشاقة.
هكذا كان الأب متى طوال رهبانيته روحًا قلقة لا تستقر من أجل تحقيق رؤيته فى إصلاح الكنيسة وإعادة الرهبنة لروحها ومبادئها الأولى وتحديث التعليم الكنسى، ويظهر ذلك القلق وروح العناد والبحث الدءوب عن التوفيق بين التحديث والتقليد المتوارث فى عدم استقراره فى الأديرة والأماكن التى ذهب إليها، فهل كانت هذه الروح القلقة تبحث عن الكمال خلال رحلة رهبنته وتنقله بين الأديرة؟ وأن سبب عدم رضاه ورفضه الاستمرار فى الأديرة التى مر بها عدم قدرته على تطبيق قواعد محددة كان يراها السبيل لتجديد الرهبنة مع الحفاظ على القواعد الأساسية التى وضعها روادها الأوائل؟ ولعل سبب استمراره فى دير أبو مقار منذ ذهابه إليه حتى وفاته أنه استطاع تطبيق رؤيته دون معارضة أو وجود من يضع عراقيل أمامه، لكن الروح القلقة العنيدة كانت أكثر وضوحا فى علاقته بالبطاركة الذين عاصرهم،فقد اختاره البابا يوساب وكيلا عاما للبطريركية فى الإسكندرية وبعد شهور قليلة اصطدم معه واستقال احتجاجا على ممارسة عدد من قيادات الكنيسة وقتها، رأى أن بها مخالفات لا يقبلها حيث كان ينادى بالإصلاح الروحى والإدارى فى مواجهة إدارة كنسية قديمة وتقليدية. عاد إلى دير السريان تاركا منصب يطمح إليه الكثيرون، لكنه فى الدير اصدم مع قياداته بسبب اختلاف الرؤى بين الجيل الجديد المتعلم والحرس القديم، فتركه ومعه عدد من الرهبان الجامعيين وأقاموا فى مغارات وادى الريان، وعندما أصدر البابا كيرلس قرارا بعودة جميع الرهبان الجامعيين إلى الدير رفض الأب متى تنفيذه وأصر على الاستمرار فى المغارات ما دعا البابا إلى حرمانه، وهى عقوبة لم تكن بسبب أفكار ورؤى هرطوقية أو غير أرثوذكسية ولكن لعدم انصياعه إلى أمر البابا وهو ما يجعل العقوبة كأنها إجراء إدارى وليس دينيا. كان هذا هو الصدام الثانى مع البطاركة رغم علاقته الجيدة مع البابا كيرلس حيث كان أب اعترافه ودليله إلى الرهبنة، وظل هذا الخلاف 9 سنوات كاملة حتى قبل البابا كيرلس الوساطات وسمح له بالذهاب إلى دير أبو مقار تحت إشراف الأنبا ميخائيل مطران أسيوط.
وهنا بدأت نهضة الدير حتى أصبح له شهرة عالمية وتحول إلى مدرسة فكرية وبحثية فى قضايا اللاهوت وأصبح يطبع فى مطابعه كتبا تحمل أفكارا جديرة بالمناقشة وترجمات كثيرة لكتب ودراسات حديثة وقديمة كانت تحتاجها المكتبة المسيحية فى مصر سواء كان هناك اتفاق مع أفكارها أو رفضها، أما علاقته بالبابا شنودة فقد مرت بفترات تقارب وتباعد واختلاف وقطيعة،فقد كان الأب متى سببا فى رهبنة البابا شنودة وكان أب الاعتراف له، كما انه الأخير ترك دير السريان وذهب معه إلى مغارات وادى الريان حيث الحياة القاسية وهو ما جعل عدد من الرهبان يعودون إلى الدير مرة أخرى وكان على رأسهم البابا شنودة، وبعد تنيح البابا كيرلس رشح البعض الأب متى للبابوية كما ترشح البابا شنودة كان وقتها أسقف التعليم واسمه أنطونيوس السريانى، ولكن تم استبعاد الأب متى بحجة أنه لم يكمل 15 عاما فى الرهبنة كما تشترط اللائحة حيث تم استبعاد وإسقاط التسع سنوات التى قضاها فى وادى الريان من فترة رهبنته، استقر الأب متى فى دير أبو مقار وارتفعت شعبيته بين المسيحيين بجميع طوائفهم وأصبح الدير قبلة المهتمين بالدراسات اللاهوتية وبالاستصلاح الزراعى بعد نجاحه فى استصلاح مئات الأفدنة الصحراوية، إلا أن اسمه بدأ يظهر فى أوساط المثقفين والسياسيين المصريين بمختلف انتمائهم بعد لقاءاته الشهيرة مع الرئيس السادات خلال عامى 1980 و1981 أثناء صدام البابا شنودة مع الرئيس الراحل، فى هذه الفترة انحاز معظم الأقباط إلى البابا شنودة فقد كانت الأجواء ملتهبة والكنيسة فى مفترق طرق، وكان من الطبيعى أن تقف الأغلبية المسيحية وراء البابا، وبلغ الصدام مع السلطة ذروته بعد رفض البابا الاحتفال بعيد القيامة عام 1981 احتجاجا على الاعتداءات المتكررة على الأقباط وقرر الاعتذار عن تلقى التهنئة بالعيد من مسئولى الدولة وذهب إلى الدير تاركا مقره فى القاهرة، ورفض كل محاولات إثنائه عن قراره.
هنا ظهر الأب متى محاولا الوصول إلى حل وسط بموافقة البابا واستطاع بعد جهد كبير لقاء الرئيس السادات وشرح له الموقف وحمل رسالة منه إلى البابا تطلب منه الاحتفال بالعيد وأنه سيقابله بعد عودته من زيارته لأمريكا.
لكن ما جاء فى الرسالة لم يكن مرضيا للبابا، وهنا ازداد غضب الرئيس السادات وبحث عن شخص يحل مكان البابا شنودة وأشار له البعض بالاستعانة بالأب متى فاستدعاه، وخلال اللقاء رفض الأب متى قرار الرئيس السادات وشرح له أن قوانين الكنيسة تمنع وجود بابوان فى وقت واحد، وتدخل لتهدئة الرئيس الراحل الذى كشف عن نيته محاكمة البابا شنودة، واقترح بدلا من ذلك أن يتم تشكيل لجنة من أكبر خمسة أساقفة لإدارة الكنيسة مع تواجد البابا فى الدير لفترة وعدم المساس به، ورفض هو الانضمام لهذه اللجنة، بل إنه طلب من الرئيس الراحل ألا يذكر فى خطاباته اسم شنودة منفردًا وأن يسبقه لقب البابا احترامًا لمقامه الدينى وتقديرًا لمكانة الكنيسة، وبالفعل وافق الرئيس الراحل على وجود اللجنة، ولكن مع التحفظ على البابا فى دير الأنبا بيشوى وهو القرار الذى صدر ضمن قرارات سبتمبر الشهيرة والتى تضمنت اعتقال عدد كبير من السياسيين ورجال الدين.
بعد مقتل السادات وعودة البابا إلى موقعه بدأت حملة ضد الأب متى تتهمه بالخيانة والتآمر، وتأثرت شعبيته كثيرًا فى هذه الفترة، لكن بعد سنوات بدأ البعض يرى أنه أنقذ الكنيسة والبابا من إجراءات عاصفة وغاضبة كان الرئيس السادات ينوى اتخاذها، ولا أحد يدرى إلى أين كانت ستصل هذه الإجراءات بالبابا والكنيسة والوطن كله، فى نفس التوقيت مُنعت كتبه من التداول فى الكنائس بدعوى أنها تحتوى على أفكار غير أرثوذكسية، لكن هذا الكلام لم يترجم إلى مواقف وإجراءات كنسية فلم يحاكم الأب متى على هذه الأفكار ولم يتم حرمانه، وهو ما يعنى أنها رغم اختلاف البعض معها لم تصل إلى درجة الهرطقة، ويرى البعض أن الاعتراضات والخلاف كان حول ما اقتبسه الأب متى من مصادر أجنبية فى كتبه وليس فى عمق كتاباته. الأكثر أن البابا شنودة زاره خلال فترة مرضه وقبل وفاته فى المستشفى وهى زيارة تحمل العديد من الدلالات منها أن الود القديم مازال موجودًا رغم اختلاف الطرق، وأيضًا أن البابا لم ير فى الأب متى خروجًا عن الأرثوذكسية لأنه من المستحيل أن يفضله مهما كانت علاقته به على العقيدة السليمة، بجانب أنها رسالة بالمحبة والتسامح، عمومًا ظل الأمر عند حدود الاتهامات المرسلة والشفوية والتى مازالت تتردد حتى اليوم فى مقابل دفاع محبى الأب متى عنه، سيظل الأب متى موجودًا بتجربته العريضة وأفكاره ومواقفه التى يرفضها البعض ويؤيدها البعض، كان الأب متى وسيظل مختلفًا عليه، وسيظل يحمل ألقابا متعددة فهو المسكون كما أطلق عليه البابا كيرلس، ويقول المختلفون معه أنه يقصد السخرية منه وأنه مسكون بالشيطان، ويقول المفتونون به أنه يقصد أنه مسكون بنعمة الروح القدس، وهو أيضًا المطارد كما أطلق عليه الكاتب الصحفى والباحث الدءوب روبير الفارس فى كتابه الذى يحمل نفس العنوان فقد كان مطاردًا من كل بطاركة الكنيسة خاصة فى عهد البابا شنودة، وهو العالم اللاهوتى الكبير الذى يتم دراسة كتبه فى الجامعات المسيحية فى دول عديدة، وهو الهرطوقى لمن يتأثر بالكلام ضده، وهو المجدد والمحدث كما أطلق عليه الدكتور رؤوف عباس أستاذ التاريخ، وهو قاهر البرارى المصرية فى الحياة الرهبانية حسب وصف الدكتور ماجد عزت إسرائيل فى كتابه «الأب متى فى دائرة الرهبنة القبطية»، وهو المجتهد كما قال عنه الدكتور عاصم الدسوقى أستاذ التاريخ، وفى كل الأحوال سيظل أحد أعلام الرهبنة المسيحية ليس فى مصر فقط، ولكن فى العالم المسيحى كله.
نقلًا عن مجلة روزاليوسف



