رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
أحمد إمبابي

جهد كبير، واجتهاد مشكور، وتقدير مستحق لرئيس وأعضاء لجنة الحكومة المصرية التى أعدَّت مشروع قانون الأسرة، وقدَّمته إلى مجلس النوَّاب فى 3 مايو 2026م، وقد جمعت فيه شتات ستَّة قوانين، وهى: القانون رقم 25 لسنة 1920م الخاص بأحكام النفقة وبعض مسائل الأحوال الشخصية، والقانون رقم 25 لسنة 1929م الخاص ببعض أحكام الأحوال الشخصية، والمرسوم بقانون رقم 119 لسنة 1952م الخاص بأحكام الولاية على المال، والقانون رقم 1 لسنة 2000م الخاص بتنظيم بعض أوضاع وإجراءات التقاضى فى مسائل الأحوال الشخصية، والقانون رقم 10 لسنة 2004م الخاص بإنشاء محاكم الأسرة، والفقرة الثانية من المادة 54 من قانون الطفل رقم 12 لسنة 1996م.

سوف نتكلم عن هذا المشروع الذى ورد باسم «مشروع قانون الأسرة»، والذى تم تقديمه من الحكومة إلى البرلمان يوم 3 مايو 2026م؛ ليأخذ طريقة القانونى، ومنه الحوار المجتمعى الذى يتطلَّب الوعى به إجمالًا، وبما ورد فيه تفصيلًا، وذلك مساهمة فى تحصين المجتمع المصرى بالوعى الذى يحميه من الاختطاف الفكرى المغرض باسم الدِّين البريء من كل المتاجرين به.

ينقسم حديثنا عن هذا المشروع إلى سبعة أقسام، وهى: محتويات مشروع قانون الأسرة، والملاحظات العامة على مشروع قانون الأسرة، ونتائج تلك الملاحظات، وإيجابيات مشروع قانون الأسرة، وسلبياته، ومزايداته التى ترضى هوى الإسلام السياسى، والثَّقافة الجديدة التى ألجأتنا إليها ضرورة الحضارة وحوارها المجتمعى.

 أوَّلًا: محتويات مشروع قانون الأسرة

يقع مشروع قانون الأسرة هذا فى 355 مادة، من ثلاثة أقسام مبوَّبة، على الوجه الآتى:

القسم الأول: الولاية على النفس، تنظيم أحكام الزَّواج وانتهائه وآثاره، وفيه ثمانية أبواب، كما يلى:

الباب الأوَّل: الزَّواج، وفيه سبعة فصول، الفصل الأوَّل: الخطبة فى المواد (1: 5)، والفصل الثانى: عقد الزواج فى المواد (6: 9)، والفصل الثالث: المحرَّمات فى المواد (10: 15)، والفصل الرابع: الأهليَّة والولاية فى المواد (16: 18)، والفصل الخامس: أحكام الزواج فى المواد (19: 34)، والفصل السادس: المهر فى المواد (35: 47)، والفصل السابع: نفقة الزوجة فى المواد (48: 59).

الباب الثانى: انتهاء عقد الزواج، وفيه أربعة فصول، الفصل الأوَّل: الطلاق فى المواد (60: 75)، والفصل الثانى: الفسخ والتطليق والتفريق فى المواد (76: 82)، والفصل الثالث: الخلع فى المادة (83)، والفصل الرابع: تنظيم بعض حالات الطلاق فى المادتين (84: 85) الطلاق عن طريق القاضى قبل ثلاث سنوات من الزواج، والتَّفريق بإسلام الزوجة بعد إباء الزوج الإسلام.

الباب الثالث: العدَّة والرَّجعة فى المواد (86: 97).

الباب الرابع: النَّسب فى المواد (98: 111).

الباب الخامس: المفقود فى المواد (112: 114).

الباب السادس: الأمور المتعلقة بالأبناء، وفيه أربعة فصول، الفصل الأوَّل: الحضانة فى المواد (115: 134)، والفصل الثانى: الولاية التَّعليميَّة فى المواد (135: 139)، والفصل الثالث: الرُّؤية فى المواد (140: 147)، والفصل الرَّابع: الاستزارة فى المواد (148: 156).

الباب السابع: نفقة الأصول والفروع فى المواد (157: 164).

الباب الثامن: الأحكام العامة والعقوبات، وفيه فصلان، الفصل الأوَّل: أحكام عامة فى المواد (165: 167)، والفصل الثانى: العقوبات فى المواد (168: 175).

القسم الثانى: الولاية على المال، وفيه أربعة أبواب، كما يلى:

الباب الأوَّل: الولاية فى المواد (176: 201).

الباب الثانى: الوصاية، وفيه ثلاثة فصول، الفصل الأوَّل: تعيين الوصى فى المواد (202: 212)، والفصل الثانى: واجبات الأوصياء فى المواد (213: 223)، والفصل الثالث: انتهاء الوصاية فى المواد (224: 242).

الباب الثالث: الحجر والمساعدة القضائيَّة والغيبة، وفيه ثلاثة فصول، الفصل الأوَّل: الحجر فى المواد (243: 247)، والفصل الثانى: المساعدة القضائية فى المواد (248: 251)، والفصل الثالث: الغيبة فى المواد (252: 254).

الباب الرابع: أحكام عامَّة، وفيه ثلاثة فصول، الفصل الأوَّل: أحكام مشتركة فى الوصاية والقوامة والغيبة فى المادتين (255: 256)، والفصل الثانى: المشرف فى المواد (257: 260)، والفصل الثالث: الجزاءات والعقوبات فى المواد (261: 264).

القسم الثالث: تنظيم إجراءات التقاضى، وفيه ستَّة أبواب، كما يلى:

الباب الأوَّل: أحكام عامَّة فى المواد (265: 283).

الباب الثانى: اختصاص المحاكم بمسائل الأحوال الشخصية، وفيه فصلان، الفصل الأوَّل: الاختصاص النوعى فى المواد (284: 295)، والفصل الثانى: الاختصاص المحلى فى المواد (296: 304).

الباب الثالث: المسائل الإجرائيَّة للولاية على المال فى المواد (305: 332).

الباب الرابع: القرارات والأحكام والطعن عليها، وفيه فصلان، الفصل الأوَّل: إصدار القرارات والأحكام فى المواد (333: 335)، والفصل الثانى: الطعن على الأحكام والقرارات فى المواد (336: 343).

الباب الخامس: تنفيذ الأحكام والقرارات فى المواد (344: 353).

الباب السادس: العقوبات فى المادتين (354: 355).

 ثانيًا: ملاحظات عامَّة على مشروع قانون الأسرة 

لقد بذلت اللَّجنة الموقَّرة التى أعدَّت مشروع قانون الأسرة وسعها فى تحديث ما ينبغى تحديثه من وجهة نظر أعضائها المبجَّلين، فاستطردت بعشرات المواد الفقهيَّة التى يمكن الاستغناء عنها بكتب الفقه فى المذاهب الفقهية المختلفة.

وأضافت اللجنة الموقرة جديدًا مشكورًا كإلزام الزوج الذى يريد الطلاق قبل مضى ثلاث سنوات من تاريخ العقد طلبه من رئيس بمحكمة الأسرة لمحاولة الصلح، وكالاستزارة للطرف غير الحاضن من أحد الأبوين ثم الأجداد، وكالاعتراف بالإلحاق فى نسب مجهول النسب، وكتقديم الأب فى الحضانة بعد الأم، وكالاحتكام عند تنازع النسب إلى البصمة الوراثية، وإن كانت لم تُصرِّح باسم البصمة الوراثيَّة ولكنَّها عبَّرت عنها بقولها: «الطرق العلمية المعتمدة»، أو «دليل علمى معتمد»، أو «أدلة علمية معتمدة»، أو «الوسائل العلمية المعتمدة»، وغير ذلك ممَّا سيأتى تفصيله. 

وعدَّلت اللَّجنة الموقَّرة تقديرات زمنية كإلزام المطلق بتوثيق طلاقة خلال خمسة عشر يومًا بعد أن كانت المدة شهرًا، وكالحكم بموت المفقود بعد ثلاث سنوات بعد أن كان أربع سنوات، وكالحكم بنسب ولد المطلقة بائنًا والمتوفى عنها زوجها إذا أتت به لأقل من عشرة أشهر بعد أن كان لأقل من سنة من وقت الطلاق أو الوفاة، وكتحديد مدة ستة أشهر لغياب الزوج بدون عذر لطلب الزوجة تطليقها للضرر بعد أن كانت مدة الغياب سنة.

واستحدثت اللجنة الموقَّرة مسائل قد تأخذ بيد المجتمع إلى فتن باسم الدِّين، وأبطال الفتن الدينية هم مَن يُقدِّمون فتاواهم أو آراءهم الفقهية على أنَّها دِين الله تعالى، أو أنَّها الحق المطلق، وغيرها من آراء فقهية باطل مطلق، ويزعمون احتكارهم لدِين الله، ووكالتهم الحصرية عن الله تعالى فى الحديث عن فقه دِينه، فابتدعوا «ولاية الفقيه»، أو «ولاية الإفتاء» التى تحجر على الرَّاشدين رشدهم الدِّينى، ويشاغبون على مخالفيهم بزخرف القول، وظاهر الكلم، ومن تلك المستحدثات المفتنة:

إحياء اللعان بالأيمان لتمكين المكايدين بفضح الزوجة، وإحياء وطء الشبهة غير المقبول فى حقوق الآدميين، واشتراط صفة الإسلام فى الحاضنة لمنع الأم المسيحية من حضانة ولدها بعد سن السابعة، والحجر على المأذون فى توثيق الطلاق الشفوى بدون فتوى رسميَّة من لجان الإفتاء بالأزهر أو دار الإفتاء، والحكم بفسخ عقد الزواج بردَّة أحد الزوجين دون طلب الآخر، ووصف الحقوق والواجبات والأوضاع بالشَّرعيَّة أو بالحلال أو بالحرام وليس بما حدَّده القانون؛ حتَّى لا يستقل القانون بذاته دون وصاية لجان الإفتاء، والحكم بفسخ العقد بإسلام الزوجة دون الزوج بدون طلبها، وتحديد أقل مدَّة الحمل بستة أشهر من العقد؛ لمنع تصحيح الزَّانيين وضعهما بالزواج المعمول به حاليًّا على مذهب أبى حنيفة وبعض الصحابة، وغير ذلك ممَّا يأتى تفصيله.

وأبقت اللجنة الموقرة سائر المواد التى تقوم على الفطرة والقواعد الفقهيَّة التى لا تتعارض وصحيح المنطق العقلى وثوابت المنهج الفقهى.

 ثالثًا: النتائج العامَّة للملاحظات العامة على مشروع قانون الأسرة 

مع تأكيد الشُّكر للَّجنة الموقَّرة على اجتهادها المأجور من الله تعالى فإنَّ الكمال لله وحده؛ خاصَّة وأنَّ الرُّؤى الفقهيَّة مهما بلغ شأن أصحابها علوًّا محدودة بأوضاعهم المحيطة بهم زمانًا ومكانًا وحالًا، ولذلك اتَّسع فقه الإسلام للتَّعدُّديَّة، وقام على فتح باب الاجتهاد على الدَّوام حتَّى تُجَدِّد الإنسانية نفسها على الأصلح لها؛ فترضى عن الإسلام الذى ارتضاه الله لهم دِينًا.

وأعترفُ بأنَّ وجهة نظرى فى مشروع القانون محدودة شأن سائر وجهات نظر الآخرين من أهل الفقه، ولكنَّ النَّفع فى اختلاف الرُّؤى الذى قد يجد قبولًا عند الأكثرين؛ لأنَّ هدف السِّباق الفقهى هو تحقيق المصلحة العامة، وليس إثبات فقه الفقيه، أو إثبات صواب اجتهاد المجتهد، فهذا الإثبات أو ذلك ليس لسوى الله سبحانه؛ كما قال تعالى: «فلا تزكوا أنفسكم هو أعلم بمن اتقى» (النجم: 32).

ولعل النتيجة التى وصلت إليها بعد استعراض الملاحظات العامة على مشروع قانون الأسرة هى عدم التَّحمُّس لوضع قانون جديد للأحوال الشخصية؛ لمنع تسلل هوى الإسلام السياسى المغرض، والذى يرى إمكان نفوذه من هذا القانون لاحتلال الرَّأى العام مجدَّدًا، بعد أن نجح المصريون فى تحرير القانونين الجنائى والمدنى من نفوذهم الفقهى الضَّحل، والذى قدَّموه على أنَّه الدِّين، وما هو بدين، إنْ هو إلَّا اختيار فقهى مغرض على حساب اختيارات أخرى فيها السَّعة والرَّحمة برؤية الشَّعب الرَّشيد.

وإنَّه فى ظلِّ أميَّة التَّخليط بين الحكم الشَّرعى الثابت والدَّائم الذى هو خطاب الله الموصوف بالهدى والنور، وبين الحكم الفقهى المتغيِّر والمتجدِّد الذى هو فهوم الفقهاء - لخطاب الله - الموصوفة بالفتاوى والآراء الفقهيَّة.

فإنَّنى أطالب بوقف سير إجراءات مشروع قانون الأسرة الماثل لدرء فتن المرجفين على أنْ تتَّخذ الحكومة تجديدها فى قوانين الأحوال الشخصية جزئيًّا رويدًا رويدًا؛ كما نزلت الأحكام الشِّرعيَّة شيئًا فشيئًا، وكما نجحت الحكومات المصرية السابقة فأصدرت بعض أحكام الأحوال الشخصية فى قانونها الأول سنة 1920م، ثم أصدرت بعضًا آخر سنة 1929م، ثم أصدرت بعضًا آخر سنة 1985م، ثم أصدرت بعضًا آخر سنة 2000م، ثم أصدرت بعضًا آخر سنة 2004م.

وحسب الحكومة اليوم أنْ تُنهى آلام الآباء فى ترتيب المستحقين للحضانة، وفى جبر الطَرف غير الحاضن بحق الاستزارة، ثمَّ تقضى على ظاهرة المحلِّل القميئة وليدة فتاوى الاعتراف بالطلاق الشفوى للمتزوجين رسميًّا بالنَّص على عدم إيقاع طلاق المتزوجين رسميًّا بغير الرَّسميَّة؛ لأنَّ الطلاق فرع عن الزَّواج، وبعد حين تعالج تقييد طلاق المتزوجين حديثًا بمشاركة القضاء، وهكذا واحدة بعد الأخرى بالإصلاح النَّاعم، دون عنتريَّة وضع قانون جديد؛ وخاصة أنَّ التَّجديد الشَّامل فى قانون الأحوال الشخصية وغيره من القوانين لن يكون مخلَّدًا، فمتغيِّرات الحياة داعية للتَّجديد المستمر، وذلك لمنع تسلل هوى الإسلام السياسى المغرض.

أما وقد تقدَّمت الحكومة بمشروعها الشَّامل فى الأحوال الشخصية، وأسمته بمشروع قانون الأسرة، فمن باب التعاون على البر والتقوى نقوم بدراسته، ونكتفى بقسمه الأول الخاص بالولاية على النفس، وتنظيم أحكام الزواج وانتهائه وآثاره، فنذكر ما نراه إيجابيًّا، وما نراه سلبيًّا، وما نراه مزايدة تُرضى هوى الإسلام السياسى، وما نراه ثقافة جديدة ألجأتنا إليها ضرورة الحضارة وتحتاج إلى حوار مجتمعى واسع. وللحديث بقية.

 

نقلًا عن مجلة روزاليوسف

تم نسخ الرابط