الإثنين 15 يونيو 2026
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
أحمد إمبابي
بقلم : رشا بكر

ما إن علم دكتور واطسون بفتح باب الترشح للانتخابات البرلمانية بنجع البلهارسيا حتى اقتحم على مستر شارلوك هولمز الذي كان غاطسًا في الكرسي الاستيل الإيطالي بغرفة مكتبه يقرأ الجريدة .
- أسمعت هذه الأخبار؟! 
فلم يعيره هولمز أي انتباه 
- مستر هولمز صديقي العزيز، لقد قررت أن أرشح نفسي لخوض هذه الانتخابات.
لم يعره هولمز أيضًا أي انتباه، وظل يقرأ الجريدة، فصرخ دكتور واطسن: 
- سوف تكون أنت المسؤول عن الدعاية الانتخابية، وسأعطيك نسبة مقابل هذا، مبلغ كبير...هآ؟
التفت اليه هولمز وتناول غليونه وبعد لحظات قال وهو يرمقه من تحت جفنيه:
- قشطة يا معلم..
جهزا عتادهم، ملابس وخيمة وخلافه في ساعات قليلة للسفر إلى نجع البلهارسيا الذي تجاوزت مدته قرابة ساعتين. وبمجرد أن حطت أقدامهم على أرض النجع حتى تثائبا وشعرا بالكسل والنعاس  يغزوهما فقررا أن يحتسيا فنجانان من القهوة بكافتريا المطار ومن ثم غادرا بتاكسي فورًا بعد أن فرغا من شرب آخر رشفة قهوة. 
- على جنب يا اسطى لو سمحت، انزل عزيزي دكتور واطسن لقد وصلنا، هذا هو مكتب التقديم؟
قام السائق بإنزال الامتعة، ودخل دكتور واطسون إلى المكتب لتقديم أوراق الترشيح كان المكتب زحام جدًا وكان الطقس شديد الحرارة، والناس والواقفون يسبحون فى بحيرة من العرق... اشمئز دكتور واطسن من الروائح التى كانت تتسلل وتغتصب أنفه وقتذاك، ولما اقترب من الموظف ليسلم الأوراق، فوجئ بيد غريبة تعبث في بنيته الخلفية فانزعج جدًا وأخذ ينظر يمينه ويساره وخلفه مستنفرًا كل حواسه ولم يتمكن من العثور على الفاعل، وضع يده اليسرى خلفه لزوم التأمين واليمنى لتقديم الأوراق، ولكن باغته كفًا رن على قفاه فطرب الجميع لسماع أحلى مقام، وانزعج دكتور واطسون جدًا واستنفر كل حواسه مجددا فوضع يده اليسرى لحماية الجبهة الخلفية واليمنى لحماية قفاه وأمسك أوراق التقديم بفمه وناولها للموظف غير المكترث ولأنه غير مكترث فلن يكترث وقال:
- ها يا سيدى؟ 
- واحد مستقل لو سمحت.. 
- ماهو باين عليك من أول ما دخلت إنك مستقل..
- نعم؟‼
- خلصّنا يا سيدى وهات ورقك هات.. 
استلم الموظف الأوراق وسلّم لدكتور واطسون ايصال اثبات تقدمه للترشح فأمسكه بكلتا يديه وكان فرِحًا سعيدًا منتشيًا... غير أنه بوغت بكف آخر يرن على قفاه بمقام بياتى متين.
فسار يجري خارجًا وجرى وراءه أحدهم وكان رجلاً مُهابًا يبدو أنه ثري فقام بدس شيء ما في جيب"دكتور واطسون. نظر دكتور واطسون إلى مستر هولمز من بعيد نظرة مفادها "أنا لا أفهم شيء" 
وقام بإخرج هذا الشيء من جيبه، فوجده كتلة مجهولة الهيئة ملفوفة بورق سوليفان أصفر، وبسرعة أومأ له هولمز بأن يعيدها إلى جيبه ثانية وأن يأتي. 
دنى واطسون من هولمز وسأله ماهذا الشيء؟!
نفخ هولمز غليونه ونظر في الفراغ وتناول اللفافة واجابه في ثقة وهدوء
- "ده حشيش" 
- يا نهار إسود! دول عاوزين يوقعوني مستر هولمز ولا إيه؟! 
- هش هش إهدى بس يا معلم..
ودسها هولمز في جيبه فتنفس واطسون الصعداء 
- أوُّف؛ الجو حر جدًا، واطسون صديقي احنا هنفضل واقفين هنا كتير ولا إيه؟ مرّ بائع العرقسوس يشخلل بصفيحتان مستديرتان فرح واطسن وأخذ يهز رأسه طربا وطلب من البائع كوبا من العرقسوس ولما سأل صديقه هولمز عن رغبته في كوب هو الأخر أجابه متذمرًا وهو يهش الذباب الذي لا يكف عن المناورات على وجهه والطنين في أذنيه واشاح بيده  ... 
- اتلهي. 
سار كل منهما كي يعثرا على المكان الذى يناسب دكتور واطسون لنصب خيمته التى ستنطلق منها دعايته الانتخابيه... كانت الشمس على وشك مغيبها وكان هولمز يلهث وقد أوشك نَفَسَهُ أن ينقطع.. 
- آه... حسنًا عزيزي هولمز أرى الآن أننا قد اوشكنا على الوصل للمكان المناسب، حقًا إنه مكان رائع... أم ما رأيك أنت ياهولمز؟ 
قال هولمز وهو يرمى الأمتعة الثقيلة التى خدرت كتفاه على الارض في نفاذ صبره غاضبًا متذمرًا 
- أرى أنك إنسان عديم الشعور والإحساس... أنت زي العجل تتسقف عليك عمارة.. وسايبني شايل الشيلة لوحدي!
- اعتذر لك هولمز.. لكن دعنا نتقدم قليلاً.. 
- عزيزي واطسون، إنت واخد فى وشك كده ورايح على فين انت كده داخل النفق يا اسطى! 
- أحقًا؟! وأنا برضو بقول "ماهذه الرائحة البشعة ؟!"
استمر واطسون بالسير بضعة أمتار؟، فأشار هولمز في نفاذ صبر متأففًا بعد أن رميَّ بالأمتعه على الارض وأخذ يركلها بقدمه في عصبيه، حتى كادت قبعته أن تطير من على رأسه جراء شدة اهتزازه وانفعاله وثورته، فأمسكها بيده ليمنعها من السقوط وباليد الأخرى يشير إلى مكان الامتعة قائلا: 
- هنا، هنا، هنعسكر هنا. انت بقى كنت رايح على فين؟‼
واطسون : حسنًا حسنًا حصل خير علينا بنصب خيمتنا الآن..
هولمز : طب ياللا يا خويا ساعدني... هيّه يا شيال الحمول يا متولى.. 
بعد أقل من نصف ساعة كانت الخيمة مُهيئة ومنصوبة فدخلا إليها ورتّبا أشيائهم فيها وأخذ واطسون في كتابة قائمة بما يمكنه فعله وتقديمه لسكان نجع البلهارسيا، نظر له هولمز بنصف عين وقال في رصانة: 
- والله انت بتحرت في بحر، وتاعب نفسك على الفاضى .
فعقد واطسون حاجبيه غاضبا لكن سرعان ما اعاد البسمة الى وجهه واستمر فى الكتابة وهو يغمغم "سأحارب الفساد والرشوات و... الخير هيعم البلاد و..." حتى حلّ المساء وهو مستمر فأخرج هولمز اللفافة من جيبة، فأسرع اليه واطسون بفضول شره وجلسا متكئين.. كان واطسون مندهشًا: يا إلهى ماهذا!؟ هل أرادوا بهذه اللفافة تشويه سمعتى؟‼
- سمعتك مين يا اسطى دي محطوطالك عشان هدف تاني خالص، تحب تجرب؟ 
- ماشي يا معلم قسّم وغنيّلي.. 
وسرعان ما استطاع هولمز ان يلف صاروخًا آربي جي أشعله بقداحتة السيِّنيّّه. شدَّ نفسًا عميقًا وكتمه داخل صدره، وافرغ الهواء من صدره وسعل، فتناول واطسون السيجارة ليسحب هو الآخر نصيبه من الأنفاس، فرك بشكل دائري على راسه بعد أن خلع قبعته وكتم أنفه كأنه يستعد للغطس! 
هولمز : كم أتمنى الآن أن أشاهد عرض أوبرا كلكامش 
يجيب واطسن بلسان ثقيل: كلكامش مين يا سِدنا الأفندي في الحر ده؟
ينظر هولمز لصديقه بازدراء، ثم بعد برهة من الصمت يتنهد سائلا إياه:
تُرى يا واطسون ماذا يخطر ببالك الآن؟
- تصدق صديقي العزيز مستر هولمز، إن محدش بيسألني السؤال ده غير الفيسبوك! 
- يا أبو مخ طبلية إفهم أنا قصدي يعني مفيش في بالك أي سؤال أو اقتراح؟!
- نعم؟ آه ... فيّ الاتنين "سؤال واقتراح" وإذا كان على السؤال فأنا كُنت عاوز اسأل هو الصنف ده اسمه إيه؟
فمط هولمز شفته السفلى تعبيرَا عن عدم المعرفة، وأردف: 
- طب وبالنسبة للاقتراح؟
- آه.. الاقتراح ياسيدي، الاقتراح.. الاقتراح... آه أيون أنا عاوز أرَكِّبْ للخيمة دي نجفة..
فيخطف هولمز الصاروخ من على فم واطسون قائلا: 
نجفة إيه عزيزي الدكتور واطسون إنت اتسطلت ولا إيه يا اسطى؟
- يا عم لا اتسطلت ولا حاجة ده كله وهم في وهم بس هات السوجارة هات ربنا يهديك... وكاد أن يبكي وهو يقول:
- هو احنا عشان أجانب في البلد دي نتبهدل كده؟! 
أعادها له هولمز وربت على كتفه ثم استرخى وهو ينظر إلى السماء التى امتلئت بالنجوم المتلئلئة في قلب الليل متمعنًا متنهدًا متاملاً حالمًا...
ركّز واطسون ناظريه إلى هولمز عندما لاحظه متاملاَ بقوة في السماء، فأخد ينظر إلى السماء ليعرف ما الذي يمعن النظر فيه هولمز، فأخذ ينظر ثم يعاود النظر إلى عينا هولمز ثم إلى السماء مرة أخرى في اندهاش ثم قال: 
- عزيزي هولمز، إنت بتبص على إيه؟
يجيبه هولمز في سكينة وهدوء: في السماء التي امتلئت نجوم متلألئه -نعم فهمت فهمت ..
ثم فعل كما يفعل هولمز مستلقيًا، ينظر إلى السماء، فسأله هولمز:
- تُرى يا عزيزي واطسون ماهو السؤال الذي ينبغي أن نسأله الآن ونحن ننعم النظر إلى السماء والنجوم؟
- أقولك يا سيدي؛ السما فيها عدد لا نهائي من النجوم، وممكن يكون في مجموعة شمسية زي مجموعتنا الشمسية بالضبط ويكون في كمان كواكب وممكن يكون فيه كوكب زي الارض بالضبط بالضبط قاعد على سطحه اتنين زينا، واحد منهم مرشح نفسه في الانتخابات زيي كده بالضبط بالضبط وعامل خيمة لدعايتة الانتخابية وقاعد هو وصاحبه برضو وبيحششوا زينا بالضبط بالضبط و...
يقاطعه هولمز 
- مغفل وحمار. 
- أنا برضُه مغفل وحمار يا أبو الهلاميز.. إنت بتشتمني؟
يقول هولمز مؤكدًا في ثقة: 
- أيــــّـــوه
واطسون: طب ليـّـه؟؟
: عشان السؤال اللي المفروض يتسئِل واحنا بنبص على السما والنجوم دلوقتي عزيزي الدكتور واطسون (هو مين اللي سرق الخيمة من فوق دماغنا واحنا قاعدين كده يا ابن المسطولة؟)
 

تم نسخ الرابط