بقلم : رشا بكر
يقول تشايكوفسكي: "أن تتظاهر بما هو ليس حقيقي، قد يبدو أن ذلك هو كل ما تبقى لك، لكن أن تستمر في هذا التظاهر حتى نهاية عمرك فإن ذلك هو العذاب بعينه".
إننا نعيش في مجتمع تضربه التناقضات التى اندحلت في أعماقنا وتأصلت وصارت لها جذور تماهت مع قيمنا فحولتها لمسخ دميم.
تقول إحداهن "اسكتي، أصبح لدينا في العمارة جارة مطلقة ياهول الحدث" ويسري الخبر كالنار في القش، وتنهش النميمة أحشاء المسكينة قبل لحمها، ويرتاع الجميع لماذا طلقها وكيف ومتى وأين؟‼ ويسري الفضول ويقدح وتُجهزُ كل واحدة منهن لصب جام حقدها وكراهيتها على الفريسة التى لم يلتئم جرحها بعد.
أن تسمح لظلمك بأن يتهم شخصًا بريئًا بأنه لص طوال الوقت دون أن يقترف ذنب السرقة، فغالبا ما سيحوله اتهامك المجحف إلى لصٍ بالفعل. "الحقو الحقو.. صديقتنا في النادي طُلقت ياعيني يا حرام.." ثم لا يلبث إحساس الشفقة المُصطنع أن يتبدل إلى ذُعر.. ذُعر ويتناوبن النميمة، وهنا تبدأ المتاجرة والمزايدة بأنها مُدخنة وأنها تحرك حاجبها وتتثنى أثناء الكلام، "ستخطف أحدهم، إننا نخاف منها على أزواجنا دعونا نتجنبها".
أما الرجال، فيعتبرون أن طلاق المرأة هو تأشيرة الدخول لإقامة علاقة معها، ودعوة صريحة لممارسة الجنس المحرم، بل إنهم يؤكدون أنها ترغب في ذلك شبقًا.. وياحبذا إن كانت بضة القوام مليحة الوجه وابتسمت أثناء الكلام ياسلام ياسلام..
على صعيد آخر، زوجات خائفات من المطلقة؛ يكَنَّ خائنات، منهن من تُقنع زوجها خلال سفراته للعمل أنها تمكثُ في البيت. وتتحدث مع قريناتها عن مغامرتها مع الرجال بكل تبجح وفخر، إنها تتلاعب بالرجال من وراء رجلها الغافل،
والعجيب أن قريناتها لا يحذرن منها على أزواجهم مطلقًا، بل يعدونها صديقة الأسرة! هُنَّ فقط يخشين المطلقة.
الزوجة الخائنة إذا عادت إلى بيتها في منتصف الليل أو جوفه فلا أحد ينبس ببنت شفة، في حين أن المطلقة إذا تأخرت حتى التاسعة مساءًا لحضور عقد قران ابنة عمها فهي بالتأكيد كانت تسهر مع أحد عشاقها... وزوج الخائنة "الأهبل" يعتبر ابتسامة المطلقة هى تصريح له بأنها مستعدة لإقامة علاقة محرمة، ويحلف بشرف زوجته الخائنة بأنه لم يرَ في إخلاصها. أما زوج المطلقة السابق فيتناوب الخوض في سيرتها وسمعتها ويكون أول الداعين لحفل عشاء على شرف الفقيدة، كأن يقول أن برودها هو سبب الطلاق أو العكس، فيوصمها بالخيانة ظلمًا، تبريرًا لفعله أمام المجتمع.
أهل الزوجة الخائنة وإن علموا بخيانتها يتنطعون قائلين "هي في قفا راجل، والأمر ميخصناش" في حين أن أهل المطلقة يدققون فى كل تصرفاتها ويسلطون كاميرات مراقباتهم الدائمة تجاهها، رغم أنها لا تفعل فى حياتها إلا أن الذهاب إلى العمل، والعودة لتنزوي على ذاتها وحيدة.
الزوجة الخائنة عادة تعيش حياة مُريحة مُستقرة، متطلباتها مجابة من رجل دفن رأسه في التراب منذ أمد، حياتها الزوجية استهلتها ببداية فاشلة لعلاقة شبه ناجحة ظاهريًا، زوجها عيناه عابدتان على جسدها السمهري الممشوق المتلاعب وهي تتلوى له كالمحترفات ولا تكترث به غالبًا، تستغل زواجها كستار لعلاقاتها. بينما المطلقة فقد رفضت رجل يتعامل معها على أنها خادمة لا حقوق لها، وفى أوقات أخرى للمتعة السريرية كمومس.. الزوجة الخائنة تستمتع بنثر أموال زوجها على ملذاتها وهو يعطي دائمًا حتى ولو آخر جنيه في جيبه.
المطلقة اختارت النهاية الناجحة لعلاقة فاشلة، صبرت.. تحملت، وياليت الصبر والاحتمال يصنعان رجلاً، بل يجعلانه أشد قسوة متماديًا في النطاعة مغترًا بصبرها وطول أناتها.. يصرف أمواله على ملذاته الخارجية. المطلقة زوجة رفضت الصمت الذى يعبر عن موافقة ضمنية على أهانتها من رجل لايعرف دوره، هو فقط يبحث للاستحواذ على حقوقه كاملة غاضًا نظره عن واجباته المفروضة. المطلقة هذه ياسادة رفضت العيش مع شخص لا تحبه تجنبًا لخيانة نفسها ومن ثم خيانته.. فاختارات أن تبدأ حياة جديدة نظيفة نقية أو على الأقل لترتاح من المشاكل في جزيرة منعزلة لا مكان لرجل فيها.
المطلقة يا سادة امرأة ليست مخادعة تقيم الليالِ تمرغًا في أحضان الرجال، كفتاة متلاعبة حين يجيئها العدَل رتقت فتق شرفها ورقعتهُ.. الشرف الذي هو في مجتمعنا عبارة عن محض قطرات من الدماء.
إننا في مجتمع يصنع العديد من المفاهيم المتضاربة، يجعل من المرأة كائنًا متبلدًا غير مُخلص، تجنبًا لوضع حلله الله وحللته الشرائع، مجتمع يحترف لي الذراع، يضطرها إلى أن تعيش الخداع والخيانة حقًا، وبذلك تكون في نظرهم زوجة "أصيلة وبتعيش"! إما أنها تحافظ على مبادئها واحترامها لذاتها وتترك حياة فاشلة عكرة وتتحمل مالا طاقة لها به من تبعات الطلاق فهي بذلك فتحت على نفسها طاقة من الجحيم المجتمعي! المطلقة ينظر لها المجتمع دائمًا نظرة مستريبة ولزجة، شك المحيطين بها يحيط بكل تصرفاتها وسلوكها مما يزيدها تعقيدًا، تلوكها ألسنة السوء المسنونة وتكون المراقبة والحراسة عليها أشد وأكثر إيلامًا حتى من أقرب الناس إليها.
لا شك أن الزواج مرحلة جيدة ومطلوبة، والطلاق اضطرار، غير أن المطلقة في مجتمعنا أصبحت مطمع ومشاع للناس وعرضة جاهزة للاتهام بالانحرافات الاخلاقية، متناسين أنه يوجد من بنات عائلاتهم حالة أو حالتين على الاقل من المطلقات ولا حالة منهن طُلقت دون سبب حقيقي وجاد وإنهم واعين لذلك جيدًا. إن المرأة لا تلجأ إلى الطلاق إلا بعد أن تصل إلى ذروة اليأس والفشل والألم والمعاناة فبدلاً من أن نُطيب جراحها كما أمرتنا القيم السماوية، ونستفيد من طاقتها الانتاجية أو الابداعية لتكون عنصر سوي وتنموي في المجتمع، بدلاً من تعقيدها وتسويد الحياة بوجهها وتحويلها من طاقة مفيدة إلى عبء ثقيل. المطلقة تحتاج لفترة ليعود إليها التوافق النفسي، لكنها تحاول وتحاول وما تلبث أن تصدم بألسنة حداد لا تعرف الرحمة، إن الناس ترى بعين طبائعها فهل أنتم آثمون لترونها آثمة؟ هل أنتم خائنون؟ من أين جئتهم بهذا الفراغ وبهذه القسوة؟ متى ستكفون عن كيل الأمور بمكيالين؟ تتباهون بأنفسكم وذويكم وترمون الغرباء بكل سوء جهلاً وغيبة
ونشرب إن وردنا الماء صفوًا ,’، ويشرب غيرنا كدرًا وطينا
إلى متى سننتهي من تدوير ساقية التخلف والجهل القيمي التي تُجرف من باطن الانحطاط تلو الاحطاط وتصبه فوق رؤوسنا. سُحقًا لنا، حينما نتكلم في سيرة فلانة أوعلانة فنحن أصحاب مبادىء وعندما نتلاعب وندفن رؤوسنا في التراب فإننا أصحاب مصالح.



