rosa
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
أحمد إمبابي
بقلم : محمد نجم

هم مجموعة من الشباب، آمنوا أن لا إله إلا الله ورفضوا ما يعبده قومهم من أصنام.. واعتزلوهم فغيبهم الله سنين عددًا، ثم أعادهم للحياة مرة أخرى.. ليكونوا «آية» من آياته الكبرى، التى يريها لرسله وأنبيائه وعباده الصالحين.

إنهم فتية آمنوا بربهم.. فزادهم هدى، ولكن الناس اختلفوا حول زمانهم ومكانهم وعددهم، حتى إن الله- سبحانه- يخاطب نبيه محمد صلى الله عليه وسلم (أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحَابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ كَانُوا مِنْ آيَاتِنَا عَجَباً)، وهو تنبيه لما سيأتى بعده.. حيث تقول الآيات الكريمة فى سورة الكهف (نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ نَبَأَهُمْ بِالْحَقِّ).

لقد دارت أحداث قصة أهل الكهف فى العصر الرومانى، وتحديدا فى فترة حكم الإمبراطور «دقيانوس» حيث كانت تنتشر عبادة الأصنام، وقد قيل إن هؤلاء الشباب (أهل الكهف) كانوا يعيشون فى قرية تدعى «أفسوس» وقيل إنها «طرسوس» وأنهم رفضوا عبادة الأصنام، وآمنوا أن لا إله إلا الله، فعلم أهل الحكم ذلك فرفعوا أمرهم إلى الملك الذى تأنى فى معاقبتهم نظرا لحداثة سنهم، ولكنهم رفضوا التراجع وأعلنوا أمام الملك أنهم يصرون على عبادة رب السموات والأرض ولن يشركوا به أحدا، وإن فعلوا فقد ارتكبوا ذنبا عظيما وجاءوا بأمرا منكرا (وَرَبَطْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ إِذْ قَامُوا فَقَالُوا رَبُّنَا رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ لَنْ نَدْعُوَ مِنْ دُونِهِ إِلَهاً لَقَدْ قُلْنَا إِذاً شَطَطاً)، واستمروا فى عرض حجتهم بأن آباءهم ظالمون حيث افتروا على الله واتخذوا من دونه إله دون أى دليل يثبت إدعاءاتهم.

(هَؤُلاءِ قَوْمُنَا اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً لَوْلا يَأْتُونَ عَلَيْهِمْ بِسُلْطَانٍ بَيِّنٍ فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِباً).

ومع ذلك.. فقد أمهلهم الملك بعض الوقت للتفكير والعودة إلى دين آبائهم.. وتشاوروا فى الأمر واقترح أحدهم الهروب من المدينة، فقال آخر إنه يعلم بوجود كهف أو مغارة فى جبل قريب وإن شاء الله سوف يشملنا رب العزة برحمته، وسوف نتمكن من العيش بأمان فى هذا المكان الجديد حتى تزال الغمة أو يقضى الله أمرا كان مفعولا.

فلجأوا إلى حيلة لعب الكرة وأخذوا يدحرجوها ثم يجرون خلفها، وكأنهم سيعيدونها مرة أخرى، بينما هم يقذفون بها بعيدا.. وهكذا حتى اختفوا عن الأنظار ولم يشعر بهم الناس سوى كلب كان يأنس إليهم فتبعهم إلى أن وصلوا المغارة «الكهف» (وَإِذْ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ إِلاَّ اللَّهَ فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ يَنشُرْ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيُهَيِّئْ لَكُمْ مِنْ أَمْرِكُمْ مِرفَقاً).

هنا تظهر آيات العلى القدير.. الذى يهدى من يشاء ويضل من يشاء ويعز من يشاء ويذل من يشاء.. ومن لم يهده الله فلن تجد له ناصحا أو وليًا عاقلا.

لقد وصل الشباب إلى الكهف ووجدوا ثمارا فأكلوها وماء فشربوه.. بينما كلبهم باسط ذراعيه.. أى قدميه فى فناء قرب مدخل الكهف وقد غلبهم النعاس فناموا.. وكانت الشمس إذا أشرقت مالت عنهم إلى اليمين حتى لا يؤذيهم شعاعها وحرارتها، وكذلك عند الغروب تبتعد عنهم إلى الشمال قليلا.. (وَتَرَى الشَّمْسَ إِذَا طَلَعَتْ تَزَاوَرُ عَنْ كَهْفِهِمْ ذَاتَ الْيَمِينِ وَإِذَا غَرَبَتْ تَقْرِضُهُمْ ذَاتَ الشِّمَالِ وَهُمْ فِي فَجْوَةٍ مِنْهُ).

وقد بعث الله إليهم بملك من عنده ليقلب أجسادهم يمينا وشمالا حتى لا تأكل الأرض لحومهم، ولكن الطريف فى الموضوع أنهم كانوا نياما بينما عيونهم مفتوحة، ومن ثم كانوا إذا رآهم أحد خاف منهم وولى هاربا..(وَتَحْسَبُهُمْ أَيْقَاظاً وَهُمْ رُقُودٌ وَنُقَلِّبُهُمْ ذَاتَ الْيَمِينِ وَذَاتَ الشِّمَالِ وَكَلْبُهُمْ بَاسِطٌ ذِرَاعَيْهِ بِالْوَصِيدِ لَوْ اطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ لَوَلَّيْتَ مِنْهُمْ فِرَاراً وَلَمُلِئْتَ مِنْهُمْ رُعْباً).

وقد استمروا على هذه الحالة مدة من الزمن، ثم أيقظهم الله من ثباتهم مرة أخرى.. فبدأوا ينظرون لأنفسهم ولأحوالهم.. ووجدوا أنه لم يتغير شىء.. فسأل أحدهم: كما لبثنا من الوقت فى وضعنا السابق؟ فتطوع آخر بالإجابة: لقد مرة علينا يوم أو عدة أيام، فقال ثالث: اتركوا هذا الجدل.. فربنا أعلم بما لبثنا، المهم أننى جوعى.. فليذهب أحدنا بما معنا من نقود ويشترى لنا طعاما من المدينة، بشرط أن يتحسس طريقه حتى لا يكتشفه أحد (وَكَذَلِكَ بَعَثْنَاهُمْ لِيَتَسَاءَلُوا بَيْنَهُمْ قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ كَمْ لَبِثْتُمْ قَالُوا لَبِثْنَا يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالُوا رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثْتُمْ فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هَذِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ فَلْيَنظُرْ أَيُّهَا أَزْكَى طَعَاماً فَلْيَأْتِكُمْ بِرِزْقٍ مِنْهُ وَلْيَتَلَطَّفْ وَلا يُشْعِرَنَّ بِكُمْ أَحَداً)، فقد كانوا يعتقدوا ألا شىء فى المدينة قد تغير حيث مازالت ملابسهم كما هى وكذلك أجسادهم وهيأتهم ومعهم كلبهم على حاله، ومن هنا جاء التخوف، حيث إنهم هربوا من دين الملك.. ولو تمكن الملك وحاشيته منهم فسوف يرجمونهم حتى الموت.. أو على الأقل يعيدهم إلى ملته أى عبادة الأصنام.. وبذلك يكونون قد خسروا خسرانا عظيما (إِنَّهُمْ إِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ يَرْجُمُوكُمْ أَوْ يُعِيدُوكُمْ فِي مِلَّتِهِمْ وَلَنْ تُفْلِحُوا إِذاً أَبَداً).

ولكن «العملة» التى كانت معهم كشفتهم.. فعندما ذهب أحدهم للمدينة وجد كل شىء قد تغير، وسأل عمن يبيعه طعاما ودفع له ما معه من أموال، فاكتشف البائع أن العملة قديمة تعود لعصر الإمبراطور ديقانوس.. والذى مات من أكثر من ثلثمائة عام.

وأفشى البائع سرهم وتجمع الناس وذهبوا إلى الكهف فى صحبة الفتى الذى استأذن فى الدخول على رفقائه من أصحاب الكهف ليخبرهم بما حدث وكيف سارت الأمور معه، ولكنه تأخر فى الخروج فدخل عليهم القوم فوجدوهم قد فارقوا الحياة، فاختلفوا فيما بينهم، حيث قال الكفار: أقيموا عليهم «سورا»، فيما قال المؤمنون من القوم: اتخذوا عليهم مسجدا.

(وَكَذَلِكَ أَعْثَرْنَا عَلَيْهِمْ لِيَعْلَمُوا أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَأَنَّ السَّاعَةَ لا رَيْبَ فِيهَا إِذْ يَتَنَازَعُونَ بَيْنَهُمْ أَمْرَهُمْ فَقَالُوا ابْنُوا عَلَيْهِمْ بُنْيَاناً رَبُّهُمْ أَعْلَمُ بِهِمْ قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَى أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِداً).

انتهت القصة، ولكن الآيات تتوجه بالحديث لرسول الله صلى الله عليه وسلم.. الذى وعده ربه بأنه سيقص عليه نبأهم بالحق، فلا تجادل فيهم مع من حولك.. فسوف تسمع من يقول إنهم كانوا ثلاثة ورابعهم كلبهم، وآخر يقول خمسة وسادسهم كلبهم، وثالث: سبعة وثامنهم كلبهم، فكل هذا رجما بالغيب.. لأن لا أحد شاهد ولا سمع ولا يعلم بحقيقتهم إلا ربهم وقليل من ذوى العلم.

وقد سُئل الرسول بالفعل عن خبرهم فأجاب من سأله: سوف أجيبك غدا هذا، مع أن الله أمره إلا يجادل فيهم ولا يستفت فيهم أحدا، وهنا نزلت الآية الكريمة (وَلا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَداً، إِلاَّ أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ وَقُلْ عَسَى أَنْ يَهْدِيَنِي رَبِّي لأَقْرَبَ مِنْ هَذَا رَشَداً)..

ثم يكشف الله لنبيه الحقائق بأنهم لبثوا فى الكهف ثلاث مائة وتسع سنين، وأنه يقص عليك قصتهم ليعلم من حولك أن الساعة آتية لا ريب فيها وأن الله هو القادر على كل شىء، فقد أمات الفتية ثم أعادهم للحياة بعد أكثر من 300 عام، وأن الحساب سوف يكون بعودة الروح والجسد معا، وليس كما يقول البعض بأن الروح وحدها هى التى ستعود وهى التى سوف تحاسب.

نعم إن (وعد الله حق) وأن الساعة آتية لا ريب فيها.. ومن يرجو لقاء ربه فليعمل عملا صالحا..

 

تم نسخ الرابط