الإثنين 15 يونيو 2026
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
أحمد إمبابي
بقلم : رشا بكر

فى الماضى وبمجرد أن تُولد وتهل إلى الدنيا بصراخها، يتخضب وجه الأم بالغم والحسرة ─حتى وإن كانت راضية أو راغبة في ولادة فتاة في قرارة نفسها─ فالأب لا يرغب بناتا وإن رغب فالحماة لا يروق لها هذا الامر فالبنت عار وحمل غير نافع للعائلة، هكذا تفح بوسوستها تحت أذن ابنها وتعاير زوجته بجلب البنات. الأم مقهورة من الزوج ومحتقرة وسط أهله بدون سبب، تشرب المرار حرمانا من التعليم وصولا للضرب والسب من أهلها، ثم من زوجها وأهله على حد سواء تبحث هي الأخرى عن السند وحين يولد السند أي الولد تصير له الأخت خادمة يأخذ ضعف نصيبها من اللحم والطيور والولد يشاهد أباه وهو يضرب أمه فمن أجل أن يصير رجلا يتوجب عليه أن يمارس قهره هو الآخر على أخته البنت. 


تصل إلى العاشرة فتصحبها الأم إلى الداية لاحظوا الأم وليس الأب! بل من المدهش أنها هي من تجثو بابنتها إلى الأرض استلابًا فتباعد بين رجليها وتفتح أفخاذها لتشل حركتها ولتتمكن المرأة العجوز (الداية) ذات الرائحة النتنة والأدوات الملوثة والوجه القميء من قطع جزءٍ حساسٍ من جسدها، أن تضرب أنوثتها بالسيف فهذا أفضل بكثير لتجنب شعور الفتاة بالهياج الجنسي ومن ثم جلب العار للأسرة!


وتصير التفرقة بين معاملة الأخ والأخت منذ الصغر إن ضربتهُ ضُربت من الأم، وإن ضَربها فالأم لا تتكلم ولا تأبه بالأمر وربما دافعت عن الولد حتى ولو كان هو المخطئ وهي مُنتشية به وفَرحة. إن جلست منكفئة على مذاكرتها، تقوم بالأمر التعسفي من الأم تاركة دروسها لتحضير الطعام لأخيها الجائع ويتم تحميلها أعباء المنزل الشاقة منذ الصغر كي تتفرغ الأم لراحة الزوج وبحجة أن البنت تتعلم عشان تكون ست بيت شاطرة.


"ولما يخرطها خراط البنات" فلا تعليم بقى ولا دياولو، البنت ما لهاش غير بيت جوزها!


تتزوج من رجل ليقهرها ويحتقرها أهله، تدق الحماة الأجراس تحت أذن الزوج وتفح فحيحًا فتحفزه على ضرب زوجته وكسر أنفها فهو السند وهى اللصة التي سرقت سندها فتكيد لها ويكدن لها أيضا أخواته حقدا، فيهبها الله الابنة فتنقلب سحنتها فهي صدمت في الزوج القاسي وهي أيضًا ترغب السند، ويأتي الولد ليقهر أخواته البنات، ويقهرهن كذلك الأب والأم بل انهن بعد ذلك يقهرن بعضهن بعضًا ويبغضن بعضهن بعضًا ويكدن لأنفسن كيدًا‼


ورغم انتشار التعليم وحرص الأهل على تعليم بناتهن، فهو ربما يكون الملاذ من غدر الرجل وقهره لها مع الحرص على تحميلهن بأعباء المنزل أيضًا لكي يصبحن سيدات بيوت ماهرات مستقبلاً.


ويأتي مع انتشار التعليم أزمات البطالة وارتفاع المعيشة والاسعار وغلاء المهور فتتبعها إشكالية العنوسة مما يؤدي إلى الخفض من مهرها وتخفيف أعباء الزواج ومن ثم إعادة دارة القهر والاستلاب للمرأة مرة أخرى بل واستعباد المرأة بشكل ابشع من ذي قبل.


أن تُقهر المرأة من الرجل فهذا هو العادي الذي نعاينه جميعًا ظاهريًا والذى يتشدق به علماء النفس والاجتماع ولكن المدهش أن الحقيقة عكس ذلك، فما قهر المرأة الا امرأة مقهورة في الحقيقة فالرجل ما هو إلا أداة في أيدي السيدة أُما كانت أو زوجة أختا كانت أو حتى عشيقة له!


كيف تدمر مجتمعًا لا تقم له حضارة ولا تطورًا؟ الأمر بسيط؛ اقهر نصف مجتمعه وهمّش دورها فتُهمّش المجتمع بأكمله فلا تقم له قائمة.. فتحتل الظروف الاجتماعية والاقتصادية وعادات أخرى موروثة ما أمرت بها أي ديانة كانت إبراهيمية أو غيرها.. والغرض تفكيك روابط المودة والتسامح والرحمة في الاسرة الواحدة أي نواة المجتمع عبر السلوك المكتسب ومن خلال الممارسات والدكتاتوريات المتسلطة إلى أن تتوغل في عمق أعماق الأسرة فتعشعش فيها أفكار متردية فاسدة، مما يؤدي إلى ظهور نوع من الأنانيات المفرطة بين العائلة الواحدة، كذلك التفاوت الطبقي بين أفراد المجتمع والاحساس بالقهر. إنها متوالية أشبه بقطع الدومينو المتراصة، بمجرد أن تلمسها طرف أُنملة تتساقط تباعًا إلى مالا نهاية.. ولان كل فرد من أفراد الأسرة يبحث عن نفسه من خلال ممارسة سلطوية اكتسبها تعسفًا، فهو دائم الاصرار دئبًا على البحث عن فرد جديد ليمارس عليه تسلطه هذا، وهذا ما خلق الكبت الذي تولد عنه العنف والارهاب والتحيز والكراهية في المجتمع.


ذلك العنف الذكوري الذي يصب جامه على مخلوق ضعيف اسمه المرأة، من المدهش أن نعلم أن تلك المخلوقة الضعيفة التي تطالب بالإنصاف والعدل وحقها المهضوم، هي من تظلم بنات جنسها عبر الرجل.


حديثا الرجل تربى على يد امرأة مورست عليها اساليب القهر ذلك ما يولد لديها احساسها بالامتلاك لأولادها بناتًا وذكورًا فصارت الام تحمل ازدواجية ففي الوقت الذي تقهر هي فيه زوجة الابن تحفز ابنتها على كيفية امتلاك زوجها والسيطرة عليه وأمواله وفرض تسلطها عليه باللامبالاة والبرود والتمنع وفرض أراء سلطوية عن طريق اصطناع الحجج حريصة كل الحرص ان تصير لابنتها السيادة في بيتها فهي الملكة والمدللة.. هي هي ذات الام التي تفعل العكس تمامًا مع زوجة ابنها فتحث ابنها مرارا على قهر زوجته واخضاعها وتحفيزه على تضيق الخناق عليها والتدخل في كافة شؤونها فهي المستعبدة، هي اللصة التي سرقت ولدها من حضنها، ما يمرر حياة الزوجة ويشعل الابن ويحفزه بأن يهرب من مواجهة سلطة الواقع بقهر زوجته وأبناءه بدعوة صريحة من الأم وتصريح دخول من الاب الذى زرع في رأس أبناءه الصفة الذكورية عبر ممارساته القهر المسبق عليهم وعلى الام وهكذا يسود نوع القهر والظلم داخل العائلة الواحدة دائرة كبيرة تحلق بدوائر أصغر فأصغر وذلك حينما يبحث الفرد المقهور عن كيفية تجسيد لأنانيته الفردية أو يحاول فرض قراراته على باقي أفراد الأسرة كحاكم مستبد، والأساس المرأة التي المُستعبدة التي بدورها تحث ذكورها على ممارسة الاستعباد على بناتها وبنات الناس، وليس الأمر قاصرًا على الام فحسب بل تقهر أخت الزوج زوجة أخوها لنفس الاسباب والصديقة وكذلك الأخت.. 


إنه كيد النساء ذلك الإرث غير الفطري الذى اكتسبناه وحافظنا عليه وترعرع وكاد يودى بمستقبلنا جميعًا.


إن المرأة التي ارتدت حجابًا في مجتمعنا ربما يكون قسرًا وقد فرضه أحد افراد أسرتها أو جميعهم عليها أو حتى فرضته هي على نفسها، بشكل معاكس لرغباتها التي لا تملكها ولا تملك سلطة نزعه خوفا من الانتقاد وإن كانت تلك الرغبة المكنونة ملحة، غير أنها لا تسطيع فتمارس القهر على زميلتها السافرة تبتعد عنها وتحقر منها ومن مظهرها وربما وصل الامر للخوض في سمعتها وسلوكها فقط لأنها أرادت أن تكون زملتها محجبة مثلها قهرًا وفقا لنظرية القهر الطوعي للذات.


كذلك وعلى النقيض تمامًا؛ إن كانت المرأة لعوب سيئة السمعة فإنها تريد قهر جميع النساء العفيفات واتهامهن أمام الرجال بأن كلهن ماء من تحت تبن وكلهن عاهرات.. تشجيعًا منهن ودعوة على شرفهن للتحرش بالنساء بل كذلك بغية جرهن إلى الانحراف لكى يكن كل سواسية في قارب واحد.


إن المرأة في مجتمعنا تثق في الرجال خلال معاملتها فتذهب إلى حلاق ولا تثق بالحَلّاقة، تذهب إلى طبيب النساء فهو أمهر من الطبيبة، تنتخب رجلا في البرلمان ولا تثق في بنات جنسها!


إن كيد المرأة للمرأة أو قهرها بنفسها أو باستخدام رجل لهي جريمة مكتملة الأركان في حق المجتمع، جريمة نتجت عن الجهل بثقافة التسامح والود، سعيًا لصناعة كل ما يعيق مسيرة المرأة من خلال وظيفتها أو زعزعة دورها الطبيعي داخل المجتمع، كل ذلك سيؤدي لا محالة إلى شل وتعطيل هذا المجتمع بكامل تركيبته وشرائحه الاجتماعية وقواه البشرية، مما يجعله مثبطا ومحبطًا وعاجز.


لك أن تتخيل بعد أن تُدلي ممثلة مشهورة رأيها في نساء وطنها بشكل يسيء لهن بل وتخترع إحصائية مجهولة المصدر تقول بأن 40% منهن خائنات لأزواجهن فهذا قهر إضافي للمرأة فلا لوم إذًا لباق الشعوب العربية إن اتهموا المرأة المصرية بالانفلات الأخلاقي والعهر ومما تبثه وسائل الاعلام بعقول الناس عن صورة المرأة وشغلها الشاغل في تعرية جسدها والتلفظ بألفاظ خارجة وخروجها عن اللائق كونها مخلوق رقيق والتباهي بالقبح والجمال المصطنع واظهار ذلك على أنه نوعًا من التمرد وصورة للواقع والاستعانة ببطلات غير حقيقيات ولا يعبرن عن باق نساء المجتمع لا من قريب ولا من بعيد. ألا يوجد نموذجًا واحدًا لامرأة ناجحة تقدمونه لنا‼؟


إن الظروف الثقافية والاقتصادية في مجتمعنا وَلّدت قهر المرأة واستلابها واستعبادها عبر الضرب والإهانة والتحقير من شأنها واعتبارها عبء وعار وعورة وأدى بالأم إلى اصطحاب فتاتها إلى الطبيب المشوِه لإعادة نفس الكرة وقطع جزء من جسمها خوفا من الاهتياج والعار والفضيحة... هي الأم وليس الأب، بل الأبشع أن ترى الجريمة بعينيها ولا تتألم حتى أنها توثق ابنتها للجزار ليقوم بذبحها... عادات وتقاليد موروثة وموبوءة بكثير من التخلف والجهل.


إننا بحاجة مُلّحة لمعالجة صائبة وموضوعية للقضايا الاجتماعية ذلك في سبيل تطوير مجتمعاتنا الشرقية بمناهج أكثر حضارية وحداثية وإنسانية خلاّقة بعيداً عن الظلم والاضطهاد والإساءة لأي فرد مهما كان جنس هذا الفرد ذكرًا كان أم أنثى.


إن تاريخ قهر المرأة هو تاريخا مجتددا يعيد تكرار نفسه يغير جلده كل عقد من الزمن دوائر متداخلة كلما هممنا بالخروج من دائرة وضبط ايقاعها نجد انفسنا محاصرون بدائرة اصغر وأشد ضيقا .
 

تم نسخ الرابط