الإثنين 15 يونيو 2026
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
أحمد إمبابي
بقلم : رشا بكر

 

إن أبرز مقومات الحضارة هي الأخلاق والضمير، وقد ثبت أن ضمير الإنسانية بدأ في مصر قبل أي بلد من بلاد العالم، في مصر شعر الإنسان لأول مرة بنداء الضمير، هكذا قال جيمس بريستد في كتابه فجر الضمير.

كان الإنسان في الماضي يصارع من أجل تسخير قُوى الطبيعة فيضانات، أعاصير، رياح، ووحوش.. ومع تقدم الزمن الذى تمكن فيه من ترويض الطبيعة وتطويعها استطاع أيضًا أن يتفرغ الإنسان ليصارع أخاه الإنسان، وخلال مليون سنة استطاع أن يطور أدواته من البلطة التي قتل بها جاره في الكهف إلى القنبلة الذرية وحروب الجيل الرابع..

والحروب وسيلة لتركيع الناس والدول أو إخضاعها أو فناء مواطنيها الأصليين لإحلال أبناء الدول المحتلة نفس الأرض أو لأهداف أخرى..

وقد طوِرت الحروب مؤخرًا فأصبحت أداة صراع اقتصادي ومعلوماتي مرورًا باستهداف الأفراد بأنفسهم عن بعد سواء حدث ذلك فرادى أو مجموعات، حروب تُستخدم فيها وسائل الإعلام الجديدة والتقليدية ومنظمات المجتمع المدني والمعارضة لأى بلد وذلك لخدمة مصالح الولايات المتحدة الامريكية وسياسات البنتاجون!

حرب الإعلام:

وذلك عن طريق ترويج لشائعات وتلوين المعلومات عبر ابواق الإعلام التابع لجهات استخباراتية لدول مُعادية بهدف إثارة الرأي العام وجرّه إلى مواجهات مع دوائر صنع القرار السياسي والتأكيد على أن الدولة فاشية وفاشلة..

العمل على تقليص الثقة بين أجهزة الدولة والشعب وإحداث البلبلة..

استخدام عناصر إرهابية أفراد أو جماعات:

كالاستعانة بعناصر جهادية وإرهابية مسلحة أو قاعدة إرهابية لا تنتمى لوطن، متعددة الجنسيات، أي أنها حرب يكون أحد أطرافها عبارة عن جيش نظامي والطرف الآخر هو لا دولة، أو خلايا خفيّة متشددة، عدوًّا متستر ينتشر في جميع أنحاء العالم، تنظيمات محترفة تمتلك إمكانيات ممتازة ولها خلايا خفية لضرب مصالح الدول الاخرى الحيوية كالمرافق الاقتصادية أو المنشآت العامة لمحاولة إضعافها أمام الرأي العام الداخلي واستخدام تكتيكات حروب العصابات والتمرد من القتل بالبلطة إلى الحروب التقليدية وحروب العصابات كما حدث بأمريكا اللاتينية مرورًا بالحروب المناوراتية أو الاستباقية كما حدث في حرب العراق إلى حروب الجيل الرابع.
ونحن الآن نعيش حرب استخدام أسلحة غاية في الدقة، كفيلة لأن تجعل من فكرة الجيوش التقليدية فكرة عفيَّ عليها الزمن كالأسلحة الإلكترونية عبر الإنترنت والأقمار الصناعية أو غيرها، ناهيك عن الأسلحة التكوينية والتحكم في الطبيعة لصناعة كوارث مفتعلة تبدو للوهلة الأولى طبيعية.

إنَّ الحرب خدعة، إذًا فكيف يتلاعبون بعقلك أو بمبدأ اقتل نفسك بنفسك؟ يحدث ذلك باستخدام العناصر الإرهابية السابق ذكرها ووسائل عديدة أخرى ولكن سأتناول أهمها:

حرب الأبواق

فالإعلام الذي يتمكن بكل سهولة من التلاعب النفسي لك واستخدام كل الضغوط الواقعة على رأسك التي تغرق فيها إلى أذنيك سياسيًا واجتماعيًا واقتصاديًا وعسكريًا أيضًا.

إنها وسيلة من وسائل الحرب التي تستخدم مخططات مُمنهجة بالدعاية ومختلف الأساليب النفسية للتأثير على آرائك ومشاعرك وسلوكك الذي يحدد كيان المجتمع وشكله، بغرض استهداف كل إمكانيات الدولة ومقدّرَاتها السياسية والاقتصادية والعسكرية وكذلك القوى التي تتفاعل مع بعضها بطريقة تُسهّل وصول العدو لهدفه وتحقيق استراتيجية ضد قومية الدولة.

اقتل نفسك بنفسك باستخدام حرب الأفكار من العالم الافتراضي انطلاقا إلى الشارع؛

فبتحريك الأيديولوجيات يتاح كيفية تشرذمهم فرقًا وجعلهم يأكلون بعضهم البعض.

التأثير عليك وغسيل مخك، فأنت مميز، أنت الابن البار للرب، ذو عقيدة فريدة مميزة لا تحترم عقائد الآخرين، أنت على الحق وهم على الضلال أي عنصرة المعتقدات والايديولوجيات، وبث موجات غريبة في العقائد الدينية والمذاهب الجديدة التي لم تكن موجودة بالسابق أتت مع تيارات موجهة من الخارج بغرض خلق عنصرية دينية، وتشكيل أقليات يتولد عنها الشعور بالاضطهاد المجتمعي واستخدامها للعنف أو الهجوم سواء فكريًا أو عسكريًا سواء كانت هذه التيارات لمذاهب دينية أو لا دينية من تدعو للإلحاد، مستغلة في ذلك الحالة النفسية المحبَطة، والشعور بالضغط النفسي، وانعدام تكافؤ الفرص واستشراء الفساد والخوف من نفوذ صاحب المال الإعلامي الذي يجعل من عقول الناس الفارغة الهلعة لقمة سائغة لحشوها بأفكار لم يعهدها المجتمع وطقوس وأفكار ربما خالفت ما كان عليه في السابق والإصرار على الاتجاه نحو عقيدة أو مذهب أو طريقة تفكير مختلفة وغريبة عن المألوف والعرف العام، أفكار ربما دعت لممارسة طقوس عنيفة ضد الذات أو ضد المجتمع أو شاذة أو تنشر فكرًا متخلفًا أو متشددًا أو ساذجًا أو لا أخلاقيًا بغرض الوصول للكمال أو الظهور بمظهر مختلف كنوع من استراتيجيات تمييز الأنا الذاتية (أنا الأفضل).
 
التطاحن الطبقي: والذي يتعمد وسائل الإعلام تصنيعه وإخراجه كأبهى صورة عبر الإعلانات والدراما.

حرب الاعصاب: إنهم الآن لا يريدون السيطرة على أموالك ونهب ثرواتك وسبى نساؤك وقتل أطفالك أو تغيير عقائدك فحسب، بل إنهم يريدون الآن امتصاص السلام النفسي بداخلك، وتغذية أفكارك بأشباح الفاقة والظلم والضياع وحشوك بالقلق وتمرير عيشك والتأكيد على إبراز معاناتك وسعيك الدائب لتحقيق المكاسب المالية على حساب صحة ضميرك وراحته..

هجوم عنيف يستهدف قواك الروحية والنفسية، يسعى في ذات الوقت إلى تقوية موقفه مدّعي الحياد بغرض الاستحواذ عليك بغسل مخك والتلاعب بعقلك ومن ثم تحريكك، ولصناعة المرض النفسي لملايين من البشر الأسوياء إمكانيات ستذهلك، يستخدم في تدمير الناس نفسيًا لتغيير سلوكياتهم عن طريق التقطيع والتشويه الإدراكي للفرد وجعله متبلدًا متكالب على كماليات الحياة ومصالح الذات والانكفاء عليها في وسط رغبة عارمة من حب التسلط على من هو أضعف وأقل وأفقر منك لسحقه!

والتطاحن بين القوى السياسية عبر الإعلام وبرامج المنازلة التي يسعى دائما كل طرف من الطرفين المختلفين فيها إلى إضعاف موقف الآخر بسبيل السب والشتم وشن الهجوم وترويج الشائعات وعدم الالتزام بالآداب العامة للحوار ذلك ما يجعل كلاً من الطرفين محلان غير موثوق بهما للمصداقية أو التصديق.

كذلك ما تقدمه الدراما والسينما مستخدمة فيها حالة العزل الحسي للفرد الذي يعاني ضيق الحال، وتستغل من سخطه وتؤكد على تضخيم معاناته وترهيبه وتغذية بالروح الناقمة النمرودة، وترعبه من الجوع وتخوفه من أصحاب المال والنفوذ وكأنه يعيش داخل وكر لعصابة عاتية في الإجرام... ذلك ما يعجل عقله لقمة سائغة لأى محتوى دارمي أو سينمائي، وتطرد عادات وأفكار وميول وأخلاقيات اكتسبها عقل الفرد في وقت مضى وإدخال وغرس عادات وإنكار أخرى والثبات على عادات متخلفة متوارثة وإبدال اللائق والمقبول بضد ذلك كالرقص بالسنج والمطاوي والأسلحة البيضاء والسوداء وتصرفات البطل الورقي المغمورة بخلاصة البلطجة والفتونة والنذالة والاسفاف وانعدام الضمير والنخوة وسهولة القتل واحترام السرقة وتقبل كل ما هو مُحرم ولا أخلاقي والمطلوب أن يكون هذا هو النموذج المقتدى به لشباب المجتمع وإظهار كل ما سبق على أن البطل مثال يحتذى به في (الجدعنة)! والتأكيد على إظهار عنف الشارع وتسليط الضوء على بيوت الدعارة وحياة العاهرات والخائنات والمدمنين وابداء الأمر على أنه أصبح بالشيء العادي والاعتيادي أن بالواقع ما يفوق ذلك بكثير.

إن ذلك العقل الذي أصبح مغسولاً تمامًا والنفس غير المطمئنة التي استطاعت الوهابية التي تغذي مصالح الجماعات الإسلامية المشبوهة بالسيطرة والتلاعب على عواطف الناس عقب نكسة 1967 وتهيئة الناس بالتمسك بالمشهد القشري للدين وترك التحضر والرقي تحاشيًا من الولوج في عذاب النار والجحيم المستطير والتمشّي مع أفكارهم التي أصبحت بمرور الوقت مظهر أساسي من مظاهر الحياة الاجتماعية لطائفة كبيرة من المجتمع وخاصة الطبقات الفقيرة وتحت مستوى خط الفقر أناس متسلطون هدفهم اصطياد عقلك والهيمنة عليه، هذا العقل الضائع المنزعج الذى ساعد انزعاجه وخوفه على بياضه الناصع ففي لحظات خوفك وغضبك ستتقبل أي فكرة ويُستحوذ عليك كما يُفعل بأي فرد أثناء جلسات تحضير الأرواح وحلقات الذكر التي تعتمد على حركات مجهدة أو الرقص الصاخب أو حتى حفلات الزار..

عقلك نظيف، نفسك غير مطمئنة إذًا فأنت جاهز ليتشبع عقلك بكل شيء ما كان مقبولاً عندك في السابق، وإن تنافى مع أخلاقك وذوقك الماضيين، فحشوك بأية أفكار أو دعاية أو عقيدة وانصياعك لها يتم من خلال آلة جهنمية ليس للعقل الساذج خبرة بها.

الإعلانات، الصحف، والتلفزيون والإنترنت أيضًا مجال مبسط لغسل المخ وتحويل أفكارك وتغيير عاداتك كإبدال المشروب الرمضاني المعروف والمتوارث "الخُشاف" بالمياه الغازية الشهيرة على مائدة إفطارك.. فقلِّب هذه الأمور في مزاجك وفكرك كما شئت وتعقل.

 

تم نسخ الرابط