بقلم : رشا بكر
عزيزي..
إنه الشتاء مرة أخرى. تأخرت فى الرد.. أعرف، قد تُضيف "جداً" إلى العبارة الأولى كذلك، ولكني مثلك، أكره الاعتذار، التبرير، لن اعطيك تقريرا مفصلاً.. فقط هناك ما أريد إخبارك به، خاصة أن مزاجي ليس رائقاً اليوم بعد أن أرقنتي رغبة الحديث إليك، هكذا تجدني متمتعة باليقظة في ساعة حرجة من ليالي الشتاء، تعرفها جيداً وأعرفها لوجودك، آخر لحظات الليل وباكورة الصباح "ساعة الذئب" كما أخبرتني يوماً. هي أشد الأوقات برودة، وأنا -على عكسك- أكره الشتاء وإحساس البرودة، لا أحب ملابسي الشتوية التي تدفعني للسخرية حين أشعر أنني كرة من الصوف؛ إنه وقت يتطلب معجزة للنهوض من سريري، مع قدح بحجم القدر من القهوة التي تُفضّل الشاي بدلاً منها، لم أر كاتباً ينتصر للشاي غيرك.
أصابعي ترتعش من البرودة حتى كدت أعزف عن استكمال هذه الرسالة. ولكني سأحكي لك عن حلمي الليلة؛ كان نهار صيفي، ارتديت فيه ملابسي الخفيفة المحببة وسرت على الشاطئ، كان معي آيس كريم بنكهة الليمون المحببة. كأي حلم أصبحت في متنزه ملئ بالأزهار والفراشات، هناك عصافير صامته، وضعت في فم كل منها أغنية عشقتها. تركتهم وبدأت أجري بحذائي ذي الكعب العال -هو نفسه الأسود الذي طالما يبهرك- واتقافز به على أرصفة الشوارع. أدهس به مياه راكدة على جانبى الطريق.
هممت بالنهوض رغم حبي للكسل، الطاولة لا تهدأ من زخم مستحضرات التجميل والعناية بالبشرة؛ كأية أنثى ابدأ يومي بالنظر إلى المرآة التي تعلوها. اتأمل خصلات شعرى المتناثرة على وجهى، هل تذكر أنه كان أمغر العالم الماضي؟، لا تتعجب، أنا مثلك سريعة الملل -ويروق لك هذا، أعرف- لكني أطلت النظر فوجدت ما يصلح لإصابتي بالكآبة طيلة اليوم، أنتم الرجال لا تفهمون هذا لكن وجود شعرة زائدة بحاجبى الايمن كفيلة بتعكير صفوي حتى إزالتها، أريد أن اترك الرسالة لأبحث عن الملقاط. لا عليك، فقط هو الدم الشركسي بعروقي الذي يجعلنى اشتعل غضباً ثم اهدأ بأسرع مما غضبت؛ أعود لتأملاتي فأجد أنفي مازالت تنتشر فيه بقع النمش الذي أكرهه فيما يزاحم أنفي الطويل، عدا ذلك اعشق نظرتي المتحدية بينما تبرز ملامح وجهي الذي تتماوج فيه قسمات لا تنتمي للعرب. مُميزة كما قلت لي بكلماتك التي جذبتني ذات يوم، أعشق كوني مثار للإعجاب والجدل رغم التظاهر بعكس ذلك، تروقني بدورها كلماتك التي تُغّذيني كملكة مُدللة.
أراقبك بدوري كما فعلت مع البربرية ذات العيون الواسعة. مازالت تصر على تعذيب ذاتك، أراك الآن تحتسى اكواب الشاى واحداً تلو الآخر وتصّفهم كعربات القطار. كم أنت منتظم فى كسل، وربما كنت كسولاً مثلي ولكن بنظام، تماما كأكواب الشاي. يدفعني هذا أحياناً لأن اسقيك الحب بالذل، فالحب الذى يسقي علقمه مكان عسله لن يسوقك إلى ضفاف النسيان يوماً. أعلم أن كلامي يستثير جنونك، قد تشعر بأنه يتلاعب بكبريائك بضع مرات كذلك. دائماً نحن البشر لا نحب من يصارحنا بما فينا.
لا أعلم لماذا تذكرت أمي الآن.. عندما كنت في السابعة فضّلت اللعب مع الصبيان، أفعل ما يفعلون، ولكن ذات مرة صفعني أحدهم على وجهي وهرب. جريت إلى حجِرها طالبة الحماية ورد الاعتبار فدفعتني بعيداً، لمعت عيناها بشراسة وأشارت عليَّ بفحيح حازم أن أسبقه "اضربيه في قلبه قبل أن يُفكر في صفعك ". كان حنانها مخيفاً وهي تحكي مستقبل كان عليه أن ينتظر سنوات ليحدث "أنتي ملساء كحية ستكبر يوماً.. ستحبين أحدهم.. ستُجرحين، عندها ستستيقظ الحية لتصب السم في عروق من يبثك الغزل أوحتى الإعجاب.. اجرحى ولا تُجرحي".. أتقنت الدرس بعد دوريات من الحفظ، وعرفت أن الذكاء لا يهتم بمن لا يستحق عناء التفكير. فقط المجروحات اللواتي يعشن في سعادة يستخدمن ذكائهن مع الرجل. ربما طمعاً في فرصة لبث سماً آخر.
آآه يا عزيزي.. لا تتصور الوقت الذى استغرقته لأرسم خطوط عيناي، أضع أحمر الشفاه، أضع القلادة اللامعة التي أهديتها لي يوماً -مع التأكد من انعكاس بريقها على رقبتي الناصعة- بينما أُحكم ثوبي لأجلس. هكذا أكون دوماً، أعلم أنك تُحبني مُبهرة حتى وأنا جالسة أنقر بضع كلمات؛ لا يتناقض ذلك كثيراً مع ملامحك الرجولية التي يدفعني غروري لأقول أنها لن تُبهرني، بينما اتطلع إلى ذقنك النصف نامية، واترقب شبح ابتسامتك الغامضة. وهكذا أقول لا أحبك، لا اعرف الحب، ولا اتقنه. لفظ عبثي يدعو إلى السخرية إذا ما احتك باقتصادك أتلمس الحب؟، تأكله؟ تستخدمه لتدفع فواتيرك. ليست بهذة المادة؟؟؛ هل تستطيع تجنب ملل التملك؟. عبث وزيف، ربما كشعاراتك وانتماءاتك، كلها أوهام.
كفى.. لابد أن أغادر الآن ..



