بقلم : رشا بكر
عزيزي..
أنقر كلماتي هذه بسرعة تسبق الدقائق المسكوبة فى طريق النهاية لهذا العام، اتجاهل صفتي المُجردة في خطابك السابق لأستعد للاحتفال، أشتريت فستانًا أسودًا قصير ، لن أحدثك عما تعرفه من عشقي للأسود والتنانير القصيرة؛ فى قناعتي أن مقياس تحرر المرأة ونضوجها العقلى يبدأ من تحرر الساقين، لايهمني رأي الآخرين مثلك.. و الآن أدر وجهك، سأترك النقر دقائق أُجرّب فستاني الجديد.. أعلم أنك تضحك من تلك الكلمات، أعلم أنك لست ممن يغرسون أعينهم لينهش ويغرس أسنانه، فيلهث، وتتهدج أنفاسه. رُقيك يجعلك تدير ثورتك في سكون، وأنا ايضاً لست كمائدة ساخنة صادفتك قبلاً، عرفتها عامرة بكل مُغري، تشدها أليك و تدخل بساقيك تحتها وقتما تشاء، وتدفعها حينما يطلب مزاجك مذاقًا أخر أو ينتابك الملل .. لا.. كلانا أرقى.
صورتك تداعب خيالى أتعرف..؟ تروقني عدسات نظارتك العاكسة ببريق أزرق، وتلك الحسّنة السوداء الصغيرة بجانب ذقنك، تبهرني، ولكنها لن تجذبني إلى الآن كي اعتليها وأزرع بسمة على شفتيك، ربما زرعت وردة كاملة الأشواك في قلبك؛ ليست كالورود التي ترسلها كل صباح. أحببتها، وبالمناسبة أشكرك على هذه الرشوة اللطيفة، لم تُخلق بعد الأنثى التي لا يروقها إطراء الورود. خطر لي كم هو لطيف أن أداعب ذلك الجسد بتلك الوردة التي أرسلتها، وهى تسير على خط رفيع، كشريان يقسم جسدى إلى نصفين، يخلق لكل منهما الحياة.. أغمض عيناي بينما الخط يتفرع على النهدين باعثاً نهر من عبير.. أتدرى كم من عاشق وضعت له نصباً تذكرياً على هذه الأرض الخصبة؟
ألم تلاحظ أننى لا ابدأ رسالتى إليك بالتاريخ كما تفعل أنت ؟ وهل أخبرتك قبلاً أن التاريخ ما هو إلا رجلًا صنعته من دخان سيجارتي، فلما تجسد أعطيته قُبلة الحياة، وسكبت في فمه من لعابي فصار أخرس، فأمرته بالجلوس فى ركن قصيّ من غرفتي. لا يتكلم، فقط يسطر عن مغامراتي مع أجناس متنوعة، هذا أغويته، ذاك عذبته، وثالث جعلته يلهث بحثاً عن آثاري و الطامع والمُستعمر والعاشق وخالى الوفاض . هي قصص مثيرة قد تشعل غيرتك ربما ! لو أنك لازلت تحتفظ بها، أعلم ذلك، ولكني أحب استفزازك ولا اتعمد إثارة غيرتك على أى حال . أتدرى عدد العاشقين السابقين، أظننى من كثرة العدد لا أستطيع التذكر.
أنت منيِّ، نعم، ولكنك أنت الوحيد الذى لن تنالني مهما صنعت فقط لأننى لا أريدك، بإمكانك أن تهجرني وقتما وكيفما شئت، ولكني أعرف أن سرعة الهروب تتناسب عكسيا مع مقدار شجاعتك.
لازلت أذكر الماضى حينما حاول أحدهم اعتقالي، كانت أصوات التعذيب تصل إلى أذنيَّ ،كانت ممدودة، فزعة، راجية كنت أسمع اصوات الغدر تهوى لتسحق القلب، واسمع طقطقة العظام. لم أعرف أهي كذلك أم هي أصوات تمزيق قلبي، أدركت حينها أن الجلاد كان يرغب بتمزيق روحي وسحق مقاومتي، عندها قمت ومدت يدي وأخذت أسطر وأضحك، كتبت عن بحر مترامي الأطراف، رسمت فوق البحر أمواجًا طفوت، أخذتنى ودفعت بى تراقصنى ثم جذبتنى للغناء، لم أعد أسمع غير صوت الأمواج وغنائى، هكذا أبطلت ألاعيبه، وبينما امتزجت الحقيقة بالحلم لم يعد أمامه سوى أخذي للموت، ضاق الخناق عليَّ، واحسست أنه سيتمكن مني، أخرجت القلم والأوراق، كتبت عن السماء العالية ورسمت سلم عال ٍ، وعندما فتح الباب لأخذي لم يجد سوى آثار أقدامي على السلم.
مخبولة.. ربما كما تصف نفسك، قد تهابني، قلق، تحاول خلق تعريف لي، أو مصطلح يصفني، ،ربما تبحث عن نمط يصنفنى أعلم أيضاً كم هو حبي مخيف بالنسبة لك. فالأصعب من الخوف هو تصديقه يا صغيري؛ قد تعتقد إنى ضحية، منكسرة، ربما ظننت أن معاناتي المذعومة ودموعي الخادعة تجعلك تشعر بقوتك، إتقاني لدور الضعيفة الذى تريد. هل أغفلت أن الأفعى دائماً ما تكون ملساء، تتحرك في هدوء وهي تلتف حول ضحيتها؟ ، تسألني كم عدد الضحايا.. حقاً لا أذكر، فالضحايا دائما هم من يتذكرون التفاصيل، قررت ألا أفعل هذا بعد أن سئمت التذكر.
فستانى زاد روعة بإرتدائى له جعلنى ادور، وادور محتضنة نفسى، نرجسية هى حقيقة، سأصغى لموسيقى "فاجنر" التي تشبه عقلي، تماماً كسحاب متقطع مترامي كالزغب المتناثر فى السماء. لا يصنع ظلاً ولا يُمطر فقط هى الحيرة. أسئلتك عنى تهتز فوق رأسي كبندول الساعة، تتلوى بحثاً عن إجابات محددة ولن أفعل أو أجعلك مرتحاً، أنا هى طفلتك العابثة التى كلما حدثتك تزداد حيرة عيناك.. لا تغيب.
أمامى صورتك الأخيرة، إنك تبدو شاحباً والهالات السوداء تحتضن جفونك وتُطبق عليها فى إحكام. عجباً، فى بداية تعرفنا كنت أراك كثيراً ما تدعى عبارات إنعدم التقدير لنفسك، تسخر منها ربما تصل إلى أنك قد تحتقر ذاتك ضمن احتقارك الدنيا بأكملها تريد منى نفي ذلك وإلقائي لكلمات الإطراء إنك ايضًا تحتال يا عزيزى وتكذب كباقى البشر تحب لعب دور الضحية المؤقت، ربما أراك يائساً جاء إلى قطة ذات فراء طويل، ومخالب حادة والحاح مستمر، حية راقه لونها وملمسها الناعم تبخ، لا عليك فإن سُمّي من طراز فريد، سيجعلك تتمسك بالحياة وتقدرها فدعك من ممارسة التمثيل السخيف.
أتذكر حينما طلبت منك أن تنقذ سِنتى الموشكة على الإنهيار ، فتركتها وذابت نظراتك على شفتاى، ارتبكت عيناك، واشحت بوجهك فى البعيد هربت! . ألم اقل لك أن سرعة هروبك تتناسب طردياً مع انهيار قوتك؛ أنت تريد دائماً أن تكون على رأس اهتماماتي، تريد منطقة تفصلك عن الزحام، تريد التمييز، حينما تهزمك صراعاتك وشكوكك وتنفرد بك غريزة التملّك والإستحواذ، بقاء الذات، وتشتعل بلهيب الغيرة وتريد أن أكون لك وحدك، لكن كل هذا سيدفعك إلى الهاوية.. إلى فخ التعلق.. إنها مطاردة كرة صغيرة من الزئبق فى ملعب المراوغة، الأخذ فقط لا عطاء.
السعى لإشباع رغبة جامحة إن هذا العالم يضج بالمتناقضات، الوان متفاوتة، بريق وظلام، جمال الطبيعة، وانبهارنا بالإخترعات إننا نتمزق بتشكيلات متنوعة من المخدرات، لا أقصد بها "الكيّف الكيميائى" وبخور الصالحين ذو الدخان الأزرق الذى أعتد عليه وحسب، الحقيقة كل ما اسرفت في استخدامه صار إدمان فالفكر والصمت التمرد، الكذب، التعبد، النفاق، النساء، الطاعة العمياء، العبث، الملذات والمعاناة، عشقك لأفلام الرعب وكرة القدم، بل صار الكلام شهوة، و ارتفع العذاب ليصير إدمان، فأتبع مزاجك متى شئت. فنفسك تدركها أنت ولا أحد سواك، لتعترف بهزيمتك فى الوقت الذى تترك فيه كل ما بيدك لتنظر لصورى المتناثرة على هاتفك.. فأنا أعرف كيف اروض رجلًا بصمتى، وأنا ناظرة لصورتى المنعكسة على مرآة السماء.



