بقلم : رشا بكر
عزيزي..
حديث اليوم مختلفاً.. أحكي لك. فتصمت وتُغلق عيناك ممُسكاً بيدي، بينما أقودك إلى عالم خاص، فخيالى أنزلك من الجنة و أستطيع أيضا أن أُوْدِعك فيها تارة أخرى. أنظر لصورتى المنعكسة على مرآة السماء فيما تساقطت النجوم على رقعة الشطرنج الموضوعة أمامي لتُشكل بيادق سود وبيض، مصارعين وثيران، صدام يحتدم، أعلم أن أحلامك تتشقق، تبدأ في التصدع، تتفتت، تبدّت تماما، و أخذتها الرياح لأرض غير تلك الأرض. كعادتك تبدو مخنوقاً من الناس والحال. أهلا بك، فجميعنا أحجار شطرنج، أراك تقف مشدوهاً؛ تدور بناظريك فى كل اتجاه ألم تقل لي يوماً أنك تريد أن تهاجر إلى بلاد بعيدة تاركاً ارض الضوضاء والتخلف!، ها نحن هنا، وأنا قريبة جداً منك.
سآتى وأنا أسير فوق رقعة الشطرنج على عربة مزركشة يجرها حصانان، عجلاتها بثمانية حراب متقاطعة تشير إلى وجودي فى كل مكان، هدأ الصدام قليلا ، أراك مستغربا حينما أطلقوا الثيران الواحد تلو الآخر، ووقف المصارع ممشوقا يلوح بعلمه الأحمر، فلا تتعجب هنا، قمة التحضر و دركات الهمجية أيضاً، فالناس جميعهم يستمرؤن البطولات، إنهم هنا يحولون ذلك الثور الوديع إلى كائن هائج، يقومون بحشو عينيه وفتحات جسده بمواد حارقة ليظل واقفاً يصارع بلا هوادة. يصرخ الناس لحظة نزولي من العربة، يتحلق حولي الجمهور، العيون تتقافز وتنتشر، تتجمع البعض يعزف عن رؤية المتعة الدموية بالداخل، لتتحول عيونهم كآلاف الضفادع تتهيأ لتثب عليّ ، تركتهم ووقفت بجوار حلبة المصارعة منبهرا الست كذالك؟
مستنفرا كل حواسك، عزفت القيثارة فتمايل خصري، تدافع المتفرجون ليتقافزوا حولي من جديد، أدق الأرض بحذائي الأحمر عشرات الدقات المتتابعة، الأقدام تدبّ وتزحف، تثير ذرات الغبار الأصفر، تتصادم نظرات العشق، تتعثر، تتدفق الأجساد، تقترب، تميل، تتجمع إلى الحشد حشود جديدة، تصفق الأيادى بينما يطارد الثور العلم الذى يحمله المصارع النشط.. خلعت شالي ألوح لك فسارت يداك تسبح وسط الزحام تقترب مسحورا فأقترب.. اُنظر أعلى .. نعم هناك، إن السيد يجلس، يشاهد ويرقب بعينه الواحدة، عند رؤيتي جحظت كلتا عيناه الواسعتان كانتا تنظران لي، تسيل بسمته الباردة على شفتيه، وتنشع على كامل وجهه الأخضر الباهت، أحرك الشال في الهواء بحركات دائرية، أتغنج. العين تغمز أسهما، الخلخال يلمع ويعزف مع كل دبة أرض من قدمي اقترب فيصرخون "أولاى". يتقدمون، وبدبة أخرى مباغتة يبتعدون. كغجرية أدور حول نفسي، لم أعد انتظر مجئ كوازيمودو الأحدب صاحب المروءة ليخوض بقدميه المفلطحتين بركة الليل الآسنة كي يصطحبني إلى الجنة الوردية، بوجهه الدميم وفقره المدقع.
تدور عيناك عليّ، والثور يدور مُندفعا بقرنيّه يحارب فراغا لا يراه، مشتت، حينما يتمكن المصارع من غرس أول حربة فى ظهره، فتسمع من تحت أسنانه الآنين، يصرخ الناس. في أعلى المأذنة، يترقبنا الكاهن ينظر مكبوتاً، جائعاً لسانه مدلى يلهث فى حرارة كأنه يلعق الهواء يزوم، كم أراد أن يمتلكني، ثم يكممني، ويحبسنى له وحده جارية مسبية لولا السيد، إنه الوحيد القادر على تحريك خيوطه، هو يحميني، نعم هو السيد فيشترى المأوى والطعام والزيت، ولكن بعد انتهاء الرقصة سيتحوذ على كل ما لدي، يبيع ويدفع، ولن يترك لي إلا التفل. للسيد سطوة، وعزوة، ولديه بغال يجرون الثور الصريع بينما يرتفع صراخ الناس.
أنحني، أدور و أدور فأشكل من دوراتي وردة، فستاني فضفاض مروحي ومظلة، تتردد فى أذنى اصداء بيسوا حينما قال "العالم مخلوق لمن لا إحساس له .. الشرط الجوهرى لوجود إنسان عملى يتمثل فى غياب الإحساس" كلمات والحان تراقصنى وتتكشف ساقاي بجورب أسود خفيف، تتجلى الشريطة الحمراء الملتفة حول الفخذ المرمري الأيسر؛ تلك التي طمع في حلّها الجميع. هنا إن لن تتكبد عناء السعى لن تأكل، يطير الفستان فيدثر المتفرجون ليرضو فضولهم وتصيبهم النشوة، يغرس المصارع الحراب تباعاً فيتفجر ظهر الثور دماً. تترنح الضحية، وبخنجره يفصل نخاعه عن رأسه، فتتصاعد أبخرة الدم بألوانها تتماوج. النور والنار. تأتي البغال تجره وتدور به داخل الحلبة تحية للجمهور ثم يتولى اناس اخرون مهمة تقطيعه ويباع لحساب السيد، الناس يهللون مشجعين ، الأقدام تدق الأرض راقصة، فيفوح عبق الباتشولي، ورياح النرجس وابخرة الدم تتعانق فى الأثير، انتهت الرقصة فترنح الكاهن سكراً وانتشاء وشق سترته راكعا، صارخا "هاللويا". كانت تخرج ممطوطة جللة.
إحذر وإياك أن تنظر إليه، ستقع تحت تأثير سحره، سيحيلك إلى ثور جديد، يسلمك لعملاء السيد، يضعون لك مواد ملتهبة لتثور وتهتاج، ومصيرك إما مجروراً بالبغال أو قاتل، فمثلك لا يليق بالسيد ليصنع منه مصارعاً لن تستوفى بك الشروط؛ أسمع أنت، والكاهن، والمصارع، والثور، عبيد سيد هوايته جمع الجمال، لا أحدا يروضه الا أنا، فهو يجعلنى ألهب الجميع بفني فالفن ملهب للمجون، مشعل للجنون، محفز الغرام، جامح بلا لجام مثلى لا يملكه أحد . أبيع طلسم الحب، واقرأ الكف، وأكشف عن أعماق أسرارك فى لمح البصر، أجعلهم يعشقون، والعاشق يسوقه الجنون، والجنون هدى للاختراع، وبعث الاكتشافات. التى سيستعبد السيد أصحابها ويحقق لهم كل أمانيهم مقابل امتصاص عقولهم.
السيد له أنياب وجميعنا فى حظيرة واحدة، نُعلف، ونُدجن، ليمنّ السيد بنفحاته، وبعد أن يصيب الكل الجنون والسُكر سيكتب عن حكاياتنا روايات ويبيعها تحت اسمه وامضائه، فإهرب من هنا وعد إلى حيث أتيت بك بأسرع مما تحملك قدميك؛ وابحث عني في اشبليتي، قرطبتي، وابن زيدون وربما وجدتني أسبح خارج حدود الزمن فتعلم جيدا من حروفا انقشها على صدرك يا صغيرى" ما صح ودّى، إلا اعتل ودّك لى ولا أطعتك إلا زدت عصيانا" ، فلا انتظر منك جوابا ولا تنتظر منى وعود.



