بقلم : رشا بكر
عزيزي..
أكتب لك الآن وأنا في حالة من الإحباط.. نعم، فأنت لا تدرك ما قد تسببه عملية ازالة مكياج جعلنى متألقة، كم هو شئ يبعث الحسرة. وعلى كل حال فقد كنت مبهرة كعادتي، مدحك للأسود أسرّني، رائحة الشياط فى كلماتك تخرج من بين أسنانك أنين دخانا يتصاعد من مزاجك السوداوي الذى راودك بين الحين والآخر فى رسالتك الأخيرة.. إنه شئ يدعونى أن أحزر تارة، وأحتار في أوقات أخرى لإيجاد تفسيرات تفك شفرة ذاك المزاج الكابوسي. تساءلت من قبل، هل الكآبة توأم ملتصق بك، أم السبب هو أنني -ربما- أذكرك بوالدتك، فجاءت مواساتي لتجعل منك مخلوقا متمرداً، فأنت تعرف جيداً أنني لا يروقني الرجل الذي يبحث في بحر النساء عن صدفة تأتي بصورة أخرى لأمه، لا يعدو في نظري كونه مريض نفسي يعاني من عقدة أوديب. تماماً كالتي تبحث في الرجال عن صورة لوالدها.
البيت ذو دفء جميل، صدمني قطي مسعود بموائه حينما رأني، نسيت أن أضع طعامه قبل أن أغادر، في الماضي كنت أداوم على وضع الطعام له ليل نهار فوجدته لا يلاعبني. تغيرت طباعه وصار ثقيلاً متبلداً، وسعت عيناه وكاد يألف الجارة ويحاول الهرب، لهذا حرصت أن أضع الطعام في مواعيد منتظمة -بالقطّارة- كي لا يتحول من مسعود إلى مسعور، فعلتها بمبدأ "جوّع قطك يتبعك"، وبذلك نشأت صداقة صامتة أثارت إعجاب الجميع لا غدر فيها على عكس ما يُشاع عن القطط، وأصبحت أتحدث إليه كثيراً وأفضي له عن كل أسرارى، عند جلوسي معه يدور بذهني كلبك وحديثك عنه وتجربة بافلوف الشهيرة.
كدت في رسالتك الأخيرة أن تشحذ اهتمامي، رأيت صورتي الأخيرة التي جعلتني عائمة وسط بحر من الغزل، أراك تحتفظ بها في جفونك، تخرجها وقتما تريد تأملها ثم تعيدها إلى جوفك، تلتقط كلماتي من بعيد وتزدردها، تمد أذنك تنتشر عيناك تتسمع ..تبحث ..تتحسس، ترقبني من بعيد في صمت، تتوعد بي الفراق، تضعني وغيري في سلة واحدة. أتعتقد أن حيلك الطفولية أثارت استفزازي؟!، علمتني الحياة أن اجمل ما في الحب عذابه، هناك حروب تقوم وتتغير من أجل البحث عن الحب، إنه البحث عن الذات، جوهرة التاج التي يتشدق بها الجميع، بينما لا أحد طاله، فكما قال ابن الرومي "خارج كل هذا الصواب والخطأ يوجد فناء ليس فيه سوى الحب لنلتقى هناك" فهل أنت مستعد؟؟.
يبهجني إعجابك، الرغبة، الركض، ربما غيرتك من ردود من تدعي أنهم حفنة من أقزام تتراقص. إنك مسمم ومخدر تماماً، وخدرك يدفعك للتصارع مع ذاتك في صورتي، كسجين في غرفة لا أبواب لها ولا منافذ، تدفعه رغبته في التحرر لضرب الحوائط بكل ما أوتي من قوة بلا تفكير، تحديك ضرير لا يرى، ازدواجية ذكورية اعتاد عليها ظاهرك، لا تنم عن دوافع متضاربة، وكأنك حجر كبير صارت الرياح تضرب في جميع أركانه، تشعر بالضياع والخوف، اليأس.
أفعالك شرقية بينما رغباتك غربية إيباحية تريد ونّاسة للدار، تغسل، وتطعم، وتلد العيال، لا تنكشف على أغراب، فيما تدور أنت فى فلك صاحبة التنورة القصيرة بسيقانها اللامعة. أتذكر الولد الوسيم ذو العينين الزرقاوين الذي سجد وقبّل الأرض تحت قدميّ خضوعاً فتركته لضعفه، أمرأة قوية مثلي لا تعبث مع الضعفاء، كان هشاً لا يتعدى عقله عقل طفلاً في الخامسة، بدا لي أنه تربى على الاستعمار والارتكان والتواكل على كلام الآخرين، نعم، لا أنكر أني تركته حين رأيتك، وفضّلت عينيك السمراوين، فكم شعرت اننى من نفس ذات نفسك أتيت، ولكني اتساءل دوماً، هل أنا سعيدة؟، أم لا أعدو عن عقلاً سطحياً بالنسبة لك؟، فرأسي أيضاً تتخلله التفاهات ولحظات الجنون، ربما كانت تفاهتك أولويات لآخرين، وربما العكس، الحب بدوره فلسفة، لعبة لها أصول وقواعد، باقة من أربع زهرات يطوقها رباط. شئ مُقدّس.
أخبرني إذاً.. أتحبني؟.. كيف؟.. متى؟.. وأين؟؟
أتحبني فرسة أم فارسة؟ أتحبني قلباً؟.. روحاً؟.. عقلاً؟ .. جسداً.. أم تحبني كضمير يخذلك؟ إن الرجال تتعلق قلوبهم بمن تسقيهم جرعات الخذلان، ربما يكون الجذر لكل مشكلاتك هو استعدادك للتضحية بكل ما في حياتك من أجل الاستحواذ على الجمال، تلك الوجبة الشهية التي سعى الجميع للفوز بالتهامها، أتقارن بيني وبين أخريات، إنه لشئ اضحكني، أتظن أنني أشعر بالغيرة؟، أتعتقد أن هذا الحديث قادر على تحريك شعيرة في عروق تدفق دمي الأزرق الرائق ، لا يليق بحضرتي أن تسمع أو تقرأ تلك التفاهات.
غاضب، منفعل، محبوس، تضرب كل الجدران في عشوائية لا تحُسد عليها، ازدواجية معاييرك جعلتنى أضحك بمرارة مرتين، مرة لغرورك وأخرى لخيبتك، تريد أن تمتلك كل شئ وتسعى لتخرج فى نهاية النفق صفر اليدين، مشتت تفرض على نفسك حكماً أبدي تقترن فيه بتلك الذبابة المُلّحة طوال اليوم، والتي لا تكف عن الدوران حولك والطنين، لا تشبع، بينما تُرضي هواك خارجاً وراء ساعات الحظ، رباك والدان أنك ينبغي أن تكون الأفضل، بل أنت كذلك، الأقوى، يجب، ينبغي أن تكون متفوقاً، أنت الأعلى، بطريقة أخرى أنت "ديك البرابر ولا ديك فى الحارة سواك"، نظرات أمك مفرودة الظهر تضحك وهي تخطب لك ابنة اختها، وابنة صديقتها، وبنت الجارة وبنت الليث، وأنت لم تتجاوز حينذاك الخامسة من عمرك، فارتطم ظهرك بأرض فى العشرينات حينما شدت إحداهن بساط غرورك المخملي بغتة، وبكل عنف صدمتك وتمردت، جعلتك تشعر بأنك لست الأقوى ولا الأفضل وأن آخر أغنى منك وأكثر تفوقاً، عقلاً ومالاً وعاطفة، جرح تكسرت فيه عظام اعتدادك بنفسك، فاحتقرت ذاتك، وضربت بثناء أمك عليك عرض الحائط، ومشيت صائداً للعذارى، تود تحطيم كل لوح زجاجى سليم وشفاف لمجرد أنه صادفك يوماً.
أخبرني أيها الشقي.. ماذا تريد؟
أتريد تلك الونّاسة اللحوحة، أم السلطانة المتربعة على عرش كعبها العالي المدبب؟
أعلم أنهما فى نهاية المطاف مجرد ثقوب فى حسبتك، تطمح فى سبر أغوارهن ثقوباً ونهوداً لحلب الحنان، يثيرك الجموح، يشدك اللهاث، تجرك المطاردات، تعشق الصيد والأم من الصيد إختيار الفريسة، فهي أشياء تلهيك بجدارة عن مواجهة سلطة الواقع والارتطام بقاع الحقيقة، تجذبك مشاهدة مباريات كرة القدم ولا أعلم ما الهدف من الركض وراء كرة بمجرد أن تستحوذ عليها وتصير تحت أقدامك حتى تركلها لشخص أخر.. لا هدف إذاً سوى التربص والايقاع بالواحدة تلو الأخرى على نغمات رومانسية زائفة تتخللها موسيقى الإثارة، تسعى لتجني مالا تحبه ويصير لك، بدلاً من البيت اثنين وبدلاً من السيارة سيارتين، وزوجتين "واحدة نايمة والثانية قايمة" و زمرة من الصغار.. أحلام فتى لا يعرف العوم في بحر النسوة. ماذا تعرف يا صغيرى عنهن سوى معلومات تبادلتها واقفاً مع أقرانك على قارعة الطريق؟، تتحدثون وتغزلون الخيال قصصاً وبطولات غير حقيقية، واكاذيب وأوهام مصطنعة عن الفتوحات الرجولية ومخزونك الذكوري الذي كبر واستطال، وعن خط رفيع من الدم الفاتح يسيل في الليلة الأولى على أفخاذ البريئات، أترضي فكرك إذاً؟، أم ترضي فحولتك؟، أتريد لعب الملك جهراً وفي السر عبداً؟، تركن إلى ادعاءات القسمة والنصيب، وتضن بالإفصاح عن ضعف قلبك وتعيش فى عالم الفجور سرا؟.. هراء..
سأتركك لأستمتع بلحظات استرخائي مع الموسيقى وشاي الأعشاب الذي أفضّله.



