بقلم : محمد نجم
أحيانا كثيرة ما يخفى الكاتـــب مشاعــــره واعتقاداته الخاصة عند التعبير عن آرائه فى القضايا العامة وبعض الأمور الجارية فى المجتمع، مع علمه أن هذا «القيد» الأخلاقى يجــب أن يطبـق فقط فى حالة «الأخبار» الصحفية ولا يجــــــوز أن يمتــد إلى «مقالات» الرأى.
بمعنى أن الخبر يجب أن يكون «موضوعيًّا» وغير ملون، بينما يجب أن يتضمن «المقال» رأى الكاتب فى الموضوع الذى يكتب فيه أو عنه.
ولذلك يلجأ البعض منا إلى ما يسمى بـ«دبلوماسية الكتابة».. حيث يراعى الأعراف والتقاليد السائدة فى المجتمع، وكذلك «حقوق» الزمالة والصداقة والجيرة.. إلى آخره!
ومشكلة جيلى من الكتّاب والصحفيين أن أغلبنا تربى على الأخلاق الحميدة ومراعاة الأعراف السائدة بين الناس.. وإن كان بعضها يصل إلى درجة الخطيئة.. وليس الخطأ فقط!
ومن ثم يشعر البعض منا بحالة من «الاغتراب» بين الأجيال الجديدة.. حيث الاستهتار وعدم الجدية.. والخوض فى الأعراض الشخصية.. وعدم تجنب «مواطن» الفتنة بين أبناء المجتمع، وأصبحت «الكتابة» لدى البعض مجرد «ورقة وقلم» بينما الفكرة غائبة والأسلوب لا وجود له والكلمات مجرد «شتات» جمعت فى عدة أسطر، تماما مثل مقدمى برامج «التوك شو» على القنوات الفضائية.. فالمسألة عندهم مجرد ترابيزة وميكروفون وكاميرا.. ذلك إلا من رحم ربى وتعود على الجدية.. فتجده يحرص على استضافة المتخصصين فى المجالات المختلفة ليناقش معهم المشكلات التى يعانى منها مشاهدوه.
أقول ذلك بمناسبة «العرس الثقافى» السنوى الذى يقام فى مصر تحت اسم المعرض الدول للكتاب وقد كان استاذنا أنيس منصور - رحمه الله، يقول لنا فى بداية عملنا الصحفى.. إن لكل مهنة عدة شغل.. فالمحامى لديه المراجع القانونية والمجلات المتخصصة التى تنشر القرارات واللوائح الجديدة، والنجار.. لديه الخشب والشاكوش والمسامير، والجزار.. لديه اللحمة والساطور والسكاكين.. وهكذا بقية المهن المختلفة، ولذا يجب على الصحفى أن يكون لديه مكتبة متنوعة فى كافة العلوم، فضلًا عن متابعته للأحداث الجارية.. بمشاهدة التليفزيون وقراءة الصحف والمجلات والاستماع إلى الإذاعة.
ولم يكن استاذنا يكتفى بالقول فقط.. ولكنه كثيرًا ما كان يجمعنا فى مكتبه ليسأل كل منا عن آخر ما قرأه؟ ويناقشه فيه ويفتح حوارا حوله وكأنه «مدرس» فى فصل يتابع قيام طلابه بواجباتهم المدرسية.
ولست أدرى.. هل كنا محظوظين بوجود أساتذة لنا من كبار الكتاب والمفكرين، أم أن الظروف كانت تحتم علينا ذلك فى وجود ثلاث قنوات تليفزيونية فقط!، وكذلك ثلاث صحف يومية ومثلها ثلاث مجلات أسبوعية فقط، مع غياب تام لعناصر «الكسل» الجديدة عن القراءة.. مثل الفيس بوك وتويتر.. وغيره مما أُستحدث للتواصل الشخصى على شبكة الإنترنت!
qqq
سوف أترك الإجابة للقراء.. وأعود لمعرض الكتاب أحد عناصر قوة مصر الناعمة.. بما يتضمنه من كتب جديدة.. وندوات ثقافية.. وحلقات نقاشية.. وغيرها من فاعليات ممتعة.
ولقد كان هذا «المعرض» يحظى باهتمام خاص من قبل الدولة والمجتمع، حيث كان هناك حرص من القيادة السياسية على افتتاحه وعقد جلسة حوارية مع رموز الإبداع فى مصر.. من كبار كتاب وصحفيين وشعراء وفنانين وغيرهم.
كما كانت «الأسر» المصرية تحرص على اصطحاب أبنائها لزيارة المعرض والتجول فى اجنحته وشراء كتب مختلفة تناسب كل فرد من أفراد الأسرة.. وهو ماكان يشجع الأجيال المختلفة على الاستمرار فى «عادة» القراءة.. ومتابعة الكتب الجديدة والحرص على اقتنائها.
وبهذه المناسبة.. لست ادرى مرة أخرى.. لماذا تراجع «مهرجان القراءة للجميع» والذى كان يتيح كمًّا لا بأس به من الكتب بأسعار تتناسب مع القوى الشرائية للمواطنين، ومن خلاله تمكنت العديد من الأسر المصرية من «تكوين» مكتبات بسيطة تضم عناوين مختلفة فى كافة فروع المعرفة.
وكان من الطبيعى أن يكون هذا «المهرجان» مشروع الدولة ومن بعدها وزارة الثقافة، لا مشروع أفراد يختفى باختفائهم من الساحة!
وغنى عن القول.. أن الثقافة.. غذاء الروح والعقل.. والإنسان المثقف المتسلح بالمعرفة فى كافة العلوم هو حائط الصد ضد موجات التطرف التى تعانى منها مجتمعاتنا العربية والتى يحاول رموزها السيطرة على الشباب الغض من اصحاب العقول الفارغة وتجنيدهم فى تنظيمات مسلحة لمواجهة مجتماعاتهم بحجة إقامة الدولة الإسلامية وتطبيق صحيح الدين!
ومن هنا أناشد الزميل والصديق حلمى النمنم وزير الثقافة النشط أن يعيد مهرجان القراءة للجميع إلى أرض الواقع مرة أخرى.. وهو قادر على ذلك.. إن شاء الله.
وبهذه المناسبة أيضًا أحيى وزير التموين د. خالد حنفى صاحب مبادرة «كتاب ورغيف» والتى انطلقت مع افتتاح معرض الكتاب الحالى، حيث تتيح لكل حاملى بطاقات التموين الحصول على نسب مختلفة من الخصم فى أسعار الكتب المتاحة فى المعرض طبقًا «للنقاط» المتوافرة فى بطاقاتهم بعد شراء مستلزماتهم من السلع الشهرية المتاحة على البطاقة.
فهذه فكرة ومبادرة جديدة تحقق «الإشباع» الغذائــى والفكــرى لمحدودى الدخل الحاملين للبطاقات التموينية.كما أنها تثبت أن المجتمع المصرى «خلاق» ولديه دائمًا الجديد الذى يمكن أن يضيفه لتحسين أحوال معيشة مواطنية.
حفظ الله مصر.. ووقاها من كل شر.



