بقلم : رشا بكر
عزيزي.. انقطعت رسائلك بشكل مفاجئ، لم أكن أعلم أنك مُحبط إلى هذه الدرجة، أتذكَّر حينما قلتَ لي يومًا إني لا أشعر بشيء، ونرجسيتي تعمي قلبي عن معاني الرفق والإحساس بعامة الناس، وقتها دعوتني لأن أنزل من برجي العاجي، دعوتني لأن أترك التجوُّل في تباريح الخيال، ذلك البساط السحري، أتخلى عن الاستعراضية، وأرتطم بالواقع...
لخاطرك قمت اليوم بالمغامرة؛ لأنني أعلم مقدار فضولك، كما أعلم مقدار حبك المستتر وراء كبريائك ووجهك الكئيب، تحب نواقصي، ولا تفزعك احتياجاتي، يبهرك عقلي الذي يحمل لك كل يوم العديد من المفاجآت، ربما نقدك لاذع، ولكنني أيضا أتصف بالبرود والصبر، تعرف لماذا إلى الآن ما زال قلبي فاترًا؟ فقط لأنني غير قادرة على الوصول إلى قرار.. ليست دواعي الخوف، بل التبلد، التناقض، السلبية، الحيرة، أرتكن إلى المظاهر، الخنوع، السطحية، الاعتماد على ضربات الحظ، وتحمُّل صفعات القدر، وكأنني تمثال من الشمع يحمل قلبًا من الحجارة، يتدحرج فيمزق أوردتي وعروقي، ثقل يدفعني إلى قاع الهاوية التي لم تعد كافيه لاستيعاب انحطاطي، الشيء وعكسه يتصارعان داخلي، أسيِّس الكرة، وأكوِّر السياسة، أؤمن بالخرافات والهرطقة تارة، وأستخف وأسخر منها تارة!
سحابة سوداء فوق رأسي تمطر قطران وسمًّا ناقعًا، أبحث عن طالع برجي.. أصدقه حينما يخبرني بالجيد، وإن أخبرني بسيئ أقول كذب المنجمون.. وصدق شاعرًا قال:
"فلرب ساقطة تجود بعرضها .. بين الأنام وبرجها العذراء"
هنا كل شيء يحترق له رماد.. إلا الكلمات، نزلت إلى حي شعبي، جرني فضولي، سِرْتُ بين الطرقات، في الزحام لا يمكنك أن تعلم من القوَّاد، ومن الجعجاع، ومن الصامت، ومن القاتل، ومن يكذب بكل ضمير، الكتاب لا يمشون في حراسة الأقلام، العربات تسير وتمرق في غير نظام، يتعطل الطريق، كل شيء يتغير إلا الأسباب القذرة، فهي تعيد استحداث نفسها في كل مرة بوجه جديد، انتابني الخوف من أن أصطدم، يراودني الخوف.. أريد السلامة لسيارتي، فأنا أبالغ في الحفاظ عليها تماما كمحافظتي على سلامتي، ربما كانت نتيجة المبالغة في الحفاظ على الشيء، والخوف من فقده، أبشع مما لو تركناه مهملا، الحياة قيادة؛ فإما أن تكون فيها سائق أو تترك نفسك لمن يسوقك، فإن اخترت أن تكون الفاعل، فينبغي عليك أن تنسى أنك الفاعل، وإلا صرت مفعولا به.
زحفت إلى ذاكرة أذني موسيقى |القادمون"، عشت معها، ربما أعانتني على تحمل الزحام والانتظار، عزفت المقطوعة أجمل لحن، فتراقصت أوتار قلبي، وفتحت زجاج السيارة، فاصطدمت الألحان العذبة بـ"فرتكة فرتكة فرتكة ع الطبلة وع السكسكة"، دب دب دب، تسلل الغضب الضيق الحنق، سببت ولعنت ورفعت صوت الموسيقى، فارتفع صوت الأغنية الهابطة، أخذت أرفع ويرتفع، أرفع ويرتفع، وكدت أصاب بالصمم، فقررت أن أغلق النافذة.
هذا ما يجعلني أرستقراطية؛ أنني لا أستطيع تحمل هذا الضجيج البرولتاري المنحط، أتسأل.. هل هي خطة ممنهجة لاهتراء ذوقي العام وتذويبه؟!
ركنت ونزلت إلى الأرض، سرت ورأيت عجبًا عجبًا عجبًا، في الشارع المؤدي إلى منزلك، لا أعلم أهو شارع واتبع نظامًا غذائيًّا صارمًا فأصبح حارة، أم هي حارة تمطعت قليلا ليقال عنها شارع؟ نساء تنطق عيونهن بالاستغراب، التف حولي ثلاثة من المراهقين تبدو عليهم علامات البؤس والشيطنة، شدني أحدهم من ظهري، لم أشعر بالخوف على الإطلاق؛ فأنا أشفق على هؤلاء الضحايا، فالمتحرش مسكين، واهن، جبان، يبحث عن القوة، يبحث عن ردع من نوع خاص، لا أذى جسدي، لا الشتم والسب واللعن، ولا تمجيد ما يفعل بحجة أن الفتاة تستفزه بملابسها المثيرة، إنه رأى أمه تُعامل بمهانة، وأخته أيضا، يضربن في النهار وفي الليل، ثم يذهبن ليحضرن العشاء ويمتعن الضارب بليلة عامرة، يسمع آهات التعذيب نهارًا، ويتسمَّع لآهات الانفعال الجسدي ليلا، وهو قليل الحيلة، لا يملك وسيلة للدفاع عنهن، بل إنهن لا يسمحن له من الأساس، وربما ضُرب لتدخله، فيهرب ليفش غضبه في أي أنثى.. أي أنثى والسلام، يعتقد أنهن كلهن يتقبلن الإهانة نهارا والعزق ليلا، لا يردعه سوى نظرة قوة يراها.. يستنشقها.. يتلمسها.. تجعله يصدق أن ما زال في الكون حريم بكبرياء، ويتحلين بضبط النفس، والقوة، وربما على أثرها ركع لتبجيل هذه القوة.
كلما توغلت كلما شممت رائحة الجوع تشلب من جدران المنازل، أصوات زعق أولاد، تجرى سيارة نقل كبيرة، وقفت.. "أنابيب البوتاجاز".. وتهرول النساء، ولد صغير يدفع الأنبوبة بقدمه للأمام فتتلوى متدحرجة، يمر بائع الملوحة ويتغنى "الملوحة"، تخرج ممطوطة في لحن بديع.. رائحة الخبز الساخنة لفحت وجهي، شاب يحمل جوالًا قذرًا ينادي ليجمع "العيش المكسر".. صاجات بائع العرقسوس تصطك...
وفجأة ارتطم شيء بالأرض منفجرًا، فأحدث صوتًا مدويًّا، كان كيسًا أسود كبيرًا من القمامة، سقط من مكان عال، فتدلى من إحدى النوافذ شاب مليح بفانيله حملات زاعقا "يا عالم يا معفنة يا أولاد الكلب".. كيس يُلقى، يتبعه كيس آخر، وآخر، فكونت جبلا صغيرًا من أكياس القمامة، تصاعدت منها رائحة تكتم الأنفاس، زحفت إلى سمعي همسات البنات.. رائحة الشقاء..
نظر لي أحد المارة، كان ملتح، وكان وجهه جهما، عظمتا وجنتيه حربتان، وعيناه تبخان نارا، كان يسوك أسنانه بغل، وينظر لي في ازدراء، تعانقت الروائح في مزاج غريب.. دكان العطور، أمامه دكان فرارجي، دكان الصبانة تزحف منه رائحة الصابون والكلور والمنظفات، أمامه دكان لبيع الفسيخ والرنجة، دكان يعرض قمصان النوم والبيبي دول القصير، أمامه دكان حجابك عفتك للطرح، تمرق التكاتك تتلوى وتتشابك وتصطك وتدور، جرت ورائي امرأة منتقبة، تحدثت بصوت خفيض حنون ورصين "يا أختاه.. أتعلمين أنك تأخذين ذنب كل من ينظر لك، لماذا أنتِ إلى الآن سافرة دون حجاب؟ متبرجة تفتنين الرجال يا أختاه؟" فوضعت يدي على فمها وضحكت، تركتها تنبح وسرت، فاستنكرت ما فعلت، وتبدلت رقتها في الحديث إلي بفظاظة وانحطاط.
أذَّن المسجد لصلاة الجمعة، وبدأ صوت ينشع كزيت عبر ميكرفونات الزاوية ذات الصوت العالي، وبدأ الخطيب يتنحنح، إنه جعلني أتعذب مرتين؛ مرة من ارتفاع الصوت الرهيب الذي كاد أن يصم أذناي، ومرة حين قال بصوت مكرور فاتر: "أيها الناس.. احذروا زمانكم هذا.. فإنه زمان قل خيره وكثر بلاه.. وانتشر شره وتزايد أذاه.. واشتغل كل منكم إلا بالله.. وصار الدين غريبا كما كان مبتداه.. فوا أسفاه"... كان صوته يسيل كبقعة زيت على كل شيء؛ الجدران، ينزلق على الحصير المفروش بالخارج، إلى المراحيض الملقاة آخر الزاوية، إلى طشت السمك الذي تبيعه إحدى الفلاحات، بائعو الحلوى التي يتقافز عليها الذباب في سباق، منتشيا فى دوريات منتظمة، يتسرب حتى إنه ملأ الشارع، وفرش كل مكان...
"يا نار خذي من تعدى وظلم، يا نار ضاعفي لهم الألم.. وشدي النواصي إلى القدم.. لقد زل بكم القدم.. والله فيكم قد حكم"، وتابع زاعقا: "العذاب الناقع العذاب الناقع.. جهنم.. النار النار"...
كانت الزاوية ممتلئة حتى الحافة، وكانت رءوس الخلق مرمية تحت أقدامهم.. سيطول الحديث، وأنا أشعر بجوع شديد الآن، سأذهب لتناول وجبة من اللحم ثم أعود وأكمل لك ما رأيت في رسالتي المقبلة.



