الإثنين 15 يونيو 2026
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
أحمد إمبابي
بقلم : رشا بكر

عزيزي.. لم يكن الوقت سانحًا لكي أكمل لك سرد ما حدث، فقد خدَّرني الإرهاق طيلة اليوم، وبعد نتناول الطعام كان النوم سلطاني، وبما أنني لا أعتذر، فلن أعتذر، ولمَ أطيل في التبرير؟ فأنت تعلم جيدًا أنك لا تمثل لي شيئا، ولذا سأكمل لك ما حدث، ولكن ليس قبل أن أخبرك بأن مزاجي عكر، ضجرت جدًّا؛ فالشتاء استطال، وصار الطقس يقلبنا بين أصابعه، تارة معتدل وتارة مثلج، مناخ يوجه لنا دعوة صريحة للإصابة بنزلات البرد وموجات الاكتئاب، كذلك أنا حزينة على حذائي الذي اهترأ ونقودي التي سرقت، أعلم أنك متعجل وتقول في نفسك.. وماذا حدث بعد؟!

كان الشيخ يندب، وكان الشارع يعمه الضجيج المنخفض، القطط تقف بالمرصاد على باب دكان الفرارجي، متربصة، ربما حظيت برجل أو أمعاء دجاجة حديثة الذبح، كنت أتوقع أن تموع نفسي، ولكن عكس ذلك حدث، شممت رائحة الفول والفلافل، فقادني فضولي لأن أجرب، دوهمت ببشر تهجم من خلفي بعد انتهاء الصلاة، زحام أحاط بي، وأنا بالكاد أمد يدي لأتناول السندوتش، كانت رائحة عرقهم ثقيلة، يصرخ الجوع في أمعائهم ويزوم كأنهم نفايات مصنع البشرية، أو هم العادم الذي تجمع على الماسورة المتآكلة الصدئة، كحتوهم وأدخلوهم المعجنة ليخرج لنا هذا الطراز من البشر، بعضهم تخرج منه حشرجة باكية أو شبه ذلك، والبعض صوته منسحق وخافت، وكأنه يخرج من طاقة أنف واحدة، قال الرجل العجوز، وكانت أذنيه قد تهدلتا على جانبي وجهه: "وسَّعوا وعدوا الآنسة.. خلِّي عندكم شوية أدب"، وصارعت حتى الخروج، نظر لي وابتلع ريقه وأرخى جفنه, وكانت نظراته منهكة، فابتسمت له دون كلمة شكر، كانت رائحة الطعام صدئة تماما كرائحتهم، مضغته وكأني أمضغ مسامير، لم أقم بمغامرة كهذه قبلا.

اتجهت حيث كان بيتك على حافة الحارة، سألت امرأة عظيمة المؤخرة والصدر بشكل ملحوظ: "أنتِ ياااا.. أين يسكن أ..."، وقبل أن أكمل سؤالي أشارت ونظرت لي من فوق لتحت ومصمصت شفتيها.

كانت رائحة المدخل عطنة تنشع بالرطوبة من كل طوبة في الجدران، في تأنٍّ صعدت السلم الحلزوني الذي يشبه المئذنة، طرقت الباب كثيرًا، وبشدة فتحت شراعة الباب المقابل لشقتك، طلت منها رأس سيدة ستينية، بتثاقل وبلادة قالت: "مش هنا.. ماحدش هنا موجود". أصابني إحباط وضجر منعاني من مهاتفتك، ونزلت مسرعة.

في طريق العودة كانت أرض الشارع غريبة، جبال صغيرة من الطين يبست على وضعها، وصنعت في وجه شارعكم تجاعيد هضاب وأخاديد طينية متماسكة، صاعدة وهابطة، مكونة تضاريس مجهدة، أعتقد أن الكاتب تشارليز ديكينز، لو كان على قيد الحياة، ما كان أفلت ذلك المشهد المأساوي من رواياته، الحي بكل تفاصيله يبدو كقطعة من القماش الشائط المكرمش، البيوت نبشها مارد واختفى في الظلام.

طريقك ليس كطريقي المعطر الذي لم أر فيه يومًا عوجًا ولا أمتا، أملس مخملي، فقط أتعجب كثيرا كيف تطيق العيش هكذا في هذا العذاب؟! ولكني أراهن أن رغم رغبتك في الإقلاع عنه والبعد، وسخطك ولعنك له وضجرك منه، إلا أنك أدمنته، وأي خروج سيصيبك بالخوف، يفقدك التوازن، يشعرك بالضياع، مثلك لا يطيق الاغتراب، فقط تتشدق به كالسكران، جسده ثمل، ويقنع نفسه بقوة وإصرار بأنه "جدع"، ارتطم بي طفل شيطاني يجري خلفه شيطان صغير آخر.. الأول اختفى وراء ظهري وشتم صديقه وسب له الدين وهو يضحك، فانتظره الآخر، واقفًا فاشخًا فمه، مباعدًا بين ساقيه، مشيرًا للأول بالإصبع الأوسط من كل يد، وهرع نحوي، وظلا يدوران حولي كذبابتين لا يكفان عن المناورة، ولم أنل من هذا اللعب سوى البهدلة.

إننا نحب النظر والتلصص والاستكشاف، نرتدي قناع المهرج، تضحكنا النكات الحاملة لتلميحات حسية، يضحكنا أيضا تداول الألفاظ النابية بيننا وبين من نحب، أن نتداول معه كنوع من الفكاهة أو التغيير، ربما التعبير عن السخط، أو حتى تقليعة، ولكننا حينما نسمعها من آخرين لا نحب أن نسمع منهم أشياء كتلك، من نشعر بأنهم أضعف منا، أو أدنى منزلة، أو تحت سيطرتنا، كم يصيبنا الشطط! نلبس وقتها قناع الفضيلة الزائف، ونستنكر لأنه من أشد الحالات بؤسًا أن تفعل أنت ما يوافق هواك، وتنتقد الآخر إذا فعل نفس الشيء، إنها روح الأنا الموجود، أنا الأعلى، أنا المتميز، أنا الأفضل منك، وأنا دوما مصيب، أنا كامل وأنت كلك ثقوب، أخرق، ستغرق في بحر خطيئتك، ليس نوعا من الاختلاف مع اختيار الآخر، ولكنه عدم تقبل للآخر نفسه، الإنسان لا يعلم أن الكذب على النفس هو أبشع جريمة ارتكبها في حق ذاته منذ خلق.

ابتعدا الولدان عني، فنظرت لأعلى ونفخت في وجه السماء، وبصقت بصقة على الأرض، وبصرت طوبة صغيرة ركلتها فطارت بعيدا، ورشقت بخلفية إحداهن، فصرخت وتلفتت وتلفتت يمينا ويسارا، ونزل على وجهها غضب ربنا، وأمسكت بالطوبة ورمتها في زجاج الجارة المقابلة لها تماما بكل غيظ وحقد، فتهشم وتبعثر قطعا، وعلى ما يبدو أن بينهما خلافات سابقة، خرجت الجارة ونادت زوجها، ونادت الأخرى زوجها، وبدأت وصلة من الردح والشتائم، وتعبيرات جسدية لا يصح قولها، واتلم الناس وتحلقوا وصاروا فرقتين، وتوسع الأمر لتشتعل الخناقة، فأصبحت بين شارعين، ووقفت في ركن قصي خلف سيارة نقل أتفرَّج، وأنا أضحك حتى إن عضلات بطني كانت تتقلص من شدة الضحك، وخلال ربع ساعة صعد الشباب الصغير على الأسطح بزجاجات المياه الغازية المعبئة بمواد غريبة وبها فتيل، وآخرون خرجوا بسكاكين، وآخر خرج بسيف، وأسلحة بيضاء أخرى لا أعلم أسماءها، أسرعت أجري خوفًا، وسمعت طلقا ناريا، وقفزت داخل سيارتي، وبمجرد دخولي شعرت بدوار إعياء وخدر يسري من قدمي حتى رأسي، ومغص يقطع أمعائي، فكنت أتلوى، ولاحظ الأمر شاب كانت تبدو عليه علامات التحضر ويبدو مثقفا، كان يطرق زجاج السيارة، نظرت له بنصف عين ولا أذكر ماذا قلت، وصار الشاب شابين وثلاثة، بل صاروا زمرة، كانوا جميعهم يشبهونك، أظنهم نسخا متفاوتة الشبه منك، خرجت وأغلقت السيارة بالكاد، وسقطت من طولي.

استيقظت لأجد نفسي بمكان قذر، كان مشفى عام لعلاج الفقراء، فيها لا يوجد موضع قدم لممارسة الذهول!

سأستعد لاستقبال ضيوفي الآن، وسأتركك إذًا لأن لدي الأهم.. أعلم أن الفضول سيلتهمك، ربما كي أكمل لك ما حدث لي.. ليس مهمًّا على أية حال، ربما تجد ما سوف يشد انتباهك أكثر في رسالة مقبلة.

 

تم نسخ الرابط