بقلم : رشا بكر
عزيزي.. اتصلتَ بي أمس وأنا عائدة من حفل أقامها أحدهم، كنت ثَمِلة حينها، طائرةً من السعادة، وما كنت أريد أن أسمع صوتك المستفز البكَّاء، نبراتك تتهدَّج مستجديًا عطفًا، تشتاق لتشتمَّ رائحة عرقي، ملمس شعري المسترسل بتموجاتٍ ناعمة، فرائي الثمين، متوسِّلًا: "لا تتركيني"..
أنت حقًّا مثيرٌ للاشمئزاز صغيرس.. فهل شعرتَ الآن بمقدار حجمك؟ هل أدركتَ الفارق بيني وبينك؟ ألم تكفَّ عن ممارسة البلاهة؟ أنا لا أملك روح التسامح السلبي.. لن أمنح أحدًا فرصة لاستغلالي، فكل فاتورة ولها ثمن، والرصيد ينبغي أن يكون مدفوعًا مقدمًا.
إنك تذكرني بأهلِ حيِّك، حينما أطلق الحارس عيارًا في الهواء اخترق سماء المشاجرة، فسكتَ الجميع، وقام بعدها بسحل شاب بريئ وضربه وجره، ولم يفعل أهل الحي ذوو المروءة شيئًا، فقط تركوه.. إنهم يتظاهرون بالقوة، بل يحبون الإذلال، الذي يُشعِرهم بالاستقرار.
فبراير... كم هو شهر نحس، كئيب، موتور؛ مرة مهووس بحرارة، فاتر ومتلبِّد مرات أخرى، مزعج في كل الأحوال، يعجُّ بالفضول، والأحداث الدرامية المتتابعة الخيبات، منبعجٌ في الأصل، واستطال حديثًا، لا أعلم ماذا أقول عن هذا الشهر الداعر فضلا عما ذكرت، ولكن لديَّ الكثير لتوبيخه على أيه حال.. فقد كمَّم الذكريات، ومحا الأفواه.
لم يبقَ في عيون الناس سوى الخوف، مثلك تمامًا الإذلال يجعلك تشعر بالأمان منذ الصغر، قصص أبو رِجل مسلوخة وأمنا الغولة والشاويش، والسمواتي الذي يخطف الأولاد ويذبحهم ويصنع من دمائهم فطائر يشق بها ريقه كل صباح، إنها حكايات كانت تجعلك ترتمي في حضن أمك السلطوي المتجبِّر، "العو جاي العو جاي"، "اعمل نفسك ميت"، واستسلم ودعني احرِّكك كيفما أشاء.
كم مرة أردتَ اللعبَ بالكرة، ولكن الكرة طاحت وجاءت في زجاج عربة الرجل ذي الملامح الجامدة، عيناه خرزتان من الحجر، جرى وراءك وقال لك: "يا ابن الكلب العب بعيد"! ذهبتَ يومًا إلى حديقة فوجدتَ يافطة تبصق في وجهِك قائلة: "ممنوع اللعب"، وجرَّبتَ اللعب في المنزل فأصبتَ وجه أبيك المعلق في الصورة، فنزل أبوك من الصورة وأمسكك من قفاك وظل يضربك بكل قسوة، حتى أدمى وجهك، وزعق: "العب بعيد يا ابن الكلب"... ذهبتَ للصلاة فضحكتَ أثناء الصلاة، فشدَّك أحد المصلين من ذراعكَ وطردكَ من المسجد، رمى بك خارجًا، قائلا بصوت ضفضعي: "اجرِ ياض يا ابن الكلب العب بعيد"، حاولتَ اللعبَ مع بنت الجيران لعبة السيما، فرآك أخوها تحت السلَّم وأنت تقبِّلها، وضربك ولمَّ عليكَ الشارع ليشاهدوا سفالتك وقلة تربيتك، وقال أبوها في تجبُّر: "امشى يا ابن الكلب العب بعيد"، ولما كبرتَ حاولتَ تصوير أحد الأماكن الشهيرة، فداهمك الحارس الأمين وقال: "بطاقتك يا ع..."، وأخذ منك الكاميرا وقال: "ها.. روح العب بعيد يا ابن الكلب وإلا ..."، فابتعدتَ خوفًا، وأخذ هو يقلِّب في الغنيمة ويضحك على خيبتك!
إنك لن تلعب أبدًا، هل تشعر الآن بأن الدقائق الأولى من مولدك هي الدقائق التي حظيت فيها بحريتك؟ بل هي دقائق الحرية الأولى، وربما كانت الأخيرة بالنسبة لك، وقت لم يكن لك فيه اسم، لا تعرف شيئا.. من أبوك؟ من أمك؟ من أي بلد أنت؟ وإلى أي دين تنتمي؟! أنت الأن تعيش على أمل الموت، ثم دخول الجنة، ربما كان باستطاعتك حينها ممارسة اللعب بكل حرية.
عقلك اللاواعي مفازة تلجأ إليها، ربما حظيتَ أثناء سيرك ببعض الكمأ من هنا أو هناك، غارق حتى أذنيك في بحر من البارافيليا والمجون المنحرف، متخفٍّ وراء وجهك الوَرِع، متشقِّق في قلقك، غاضب في خوفك، مرتبك في وحدتك، نرجسي في رجولتك، تبرر من أجل ذكورية قبلية، مشوَّش لا تستطيع تحمل مسؤولية عقلة إصبع تائه، لا تعرف بأي مكيال تعاير، وفي الجنس إياك حتى أن تتذكر امتلاكك لأعضاء جنسية، ممنوع اللمس، محكوم عليك بالحبس والكبت، محظور عليك الشعور باللذة، أو حتى بما يشبهها، إلا أن تتسمَّع من وراء الجدران، أو تنظر من صير باب.
صغيري.. أنت متهم وتقضي فترة عقوبتك، أن تعيش حياة كحياتك هذه، لقد تعجبت من مشفى تعالَج فيه أنت وذويك، مكان للداء يُدعى دار الدواء، لا أريد الحديث عن هذا الآن، فبالأمس كنت أنا شيطانة الحفل، الأسود الفاحم أحاط بعيوني والتفَّ حول جسدي الأحمر القاني، ولونتُ به شعري، وصبغتُ شفتاي، مات ضعفي منذ أمدٍ بعيد، تحولتُ لآلةٍ تحركها المادة والتمرد، غموضٌ تامٌّ ساد الحفل، الصخب، الكؤوس، العطور، رائحة الأدخنة الفاخرة، العيون شرهة تأكل في نهم صامت، الموسيقى تتخلل كل خلية في الأجساد، فتتلاحم، تتباعد قليلا، وتعود لتتلاحم، الصهد يصعد من الصدور، يهتزُّ اللحم الطافح، تبرُق الأعين ثم تغيب، أحضان مجانية، قبلات، تتلألأ المجوهرات، الكلمات، صفقات ناطحات السحاب، تتشابك اللغات الأجنبية، الكلام هنا أوامر، نحن نأمر، وأنت تطيع، نسخرُ منكَ فتُضحكنا أكثر وأكثر، طوعُا أو كرهًا، فلجامك بيد الكرامة الكبرياء لنا، ونحن أسيادك.. أنا أقول وأنت تسمع.. لا تنطق إلا بالأمر، أرسل لك فتقرأ، أدغدغ أحاسيسك.. فتجمعها لي باقةً من ورد.. في تثاقل آخدها ثم أضعها فى مكانها المناسب بصندوق القمامة.
ولكن.. دعني الآن أتذكر.. فأنا لا أجيد ترتيب التفاصيل كما ينبغي ان تُرسل، أنظر إلى صورتك المطبوعة في مخيلتي، شارد.. مرتبك.. هش.. أنا لا أريدك متعلقًا بي أكثر من رغبتي في رؤيتك عابدًا في محرابي، وأحكم رتاج سطوتي عليك.. ألملمك.. أبعثرك.. أسكب في طريقك كلاما زائفا معسولا.. وحين تلتصق قدمك بالأرض وتقع.. سأفرشك رملًا لأخطو عليه.
اهتمام!! بل هو مجرد فخ أنصبه لك، وأحكم إغلاق سيطرتي عليك؛ لأذيقك ألوان المهانة والاستعباد فتنصاع..
اعلم أنه عندما تنقطع أخباري عنك.. فأنا بالتأكيد مع رجل آخر يستطيع أن يلبي جميع احتياجاتي.. فكم أحب المال.. وكم أحب السلطة بقدر كرهي للوعود... فلا وعود.



