الإثنين 15 يونيو 2026
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
أحمد إمبابي
بقلم : رشا بكر

كان كلما امتطاه وربت بقدميه على بطنه، كان الحمار يحرن ويرفض السير خطوة واحدة، إلا بعد أن أسير أنا أمامه، كانت رأسه كبيرة كرأس حماره، عريض قفاه، معمَّم، لكنه كان طيب القلب، حينما يمضي الحمار كنت أسير أنا خلفهما، وأره يهتز وعمامته أيضا تهتز، وقفاه يصعد وينزل، ونتجه نحو الغيط، يخلع جلبابه ويكشف عن ساقيه العجفاوين.

أقف والهواء يضربني فتطربني أغانيه...

كانت يداي صغيرتان، كنت أشمِّر أنا الآخر، وأنهض لأساعده، فكان يرفض، وحينما يستريح نجلس معًا تحت الجميزة، كان يقول لي: «العلام حلو يا رضا.. ما عاوزاكش تطلع حمار زي عمك خلف».

كنت أحبه رغم غبائه واستغلاق فهمه وجهله العميق، كان حانوتيًّا يدفن الموتى ويحرث قيراط الأرض ملك زوجته، كان يقول لي دائما إن المرأة حية تغويك، ملساء، تدعوك فتصدك، ثم تغويك، وهكذا... وتلتف حول جسدك فيضيع عمرك.

وكان يحذرني من المدينة، قال لي إن بها غولا كبيرا أرجله مفلطحة وكبيرة، يدهس من الناس كل من يقابله، فكنت أسير في الظهيرة بجوار السكة الحديدية، وأشاهد القطبان، أسير بجوارها وعيني عليها، قطار يسير، تتقاطع ثم تتوازى، تبتعد ثم تلتقي، كم أتمنى أن أذهب وأعيش في المدينة، وكانت أشعر بذلك الغول اللعين يدب بقدميه، فأخاف وأهرب إلى البيت، أدس رأسي في حجر أمي فتحملني إلى الفراش وتدثرني، كان حضنها ملاذي.

كان خلف يأخذني معه في الدفنات التى يختمها بصوت جهوري قائلا: "الفاااتحة".. سواء كان المتوفى مسلمًا أو مسيحيًّا، فهو لا يعي، كان ساذجا، لكنه حنون، وكان يتمتع بحسٍّ إنسانيٍّ شفيف.

وفي إحدى ليالي رمضان، اقترحتُ عليه أن نصلي في الزاوية القريبة صلاة التراويح، فوافق بعد إلحاح، كانت الصلاة طويلة كعادتها ولكن خلف لم يعتد الوقوف طويلا للصلاة، حتى أنه لم يتحمل البقاء لأداء صلاة الشفع والوتر، عندما سأل أحد المصلين: "هو الشيخ كان بيقرأ سورة ايه؟" التفت إليه: "كان بيقرأ سورة النملة يا خلف"؛ أي النمل، وأخبره بأن الشيخ سيختم إن شاء الله بسورة الفيل، فما كان منه إلا أن سحب بعضه وأخذ حذاءه، وهرع خارجا، وأنا أنادي عليه: "يا خلف يا خلف على فين".. فوقف وقال ساخطا: "أما الشيخ قعد يقرأ فى سورة النملة ده كله.. أمال هيقعد في سورة الفيل قد إيه يا عمه".. فاختلجت في دوامات من الضحك.

كان بسيطا.. وكانت له زوجة ملعونة، وكانت تكرهني وتكره أمي...

في يوم عدت من المدرسة وكانت أمي مريضة، فوجدتهم غطوها من أولها إلى آخرها بملاءة، ووجدت زوجة عمي الحية تولول، وما إن انسل الجميع من الغرفة الواحدة تلو الأخرى، حتى فتحت الدولاب وأخرجت صندوق ذهب أمي كله وأفرغته في "عبَّها"، وحينما سألتها ماذا تفعلين لطمتني على فمي.. وأمسكت بياقتي تجذبني.. فانجذبت.. برقت عينيها ورجَّتني.. فارتعشت.. شدتني فانشددت معها تاركا نفسي، ولما غادرت دخلت كي أدس رأسي في حضن أمي لتدثرني، فوجدتها باردة كالثلج.

دُفنت أمي في مقبرة كالموتى الذين كان يدفنهم عمي خلف، لا أعلم هل دُفنت أنا الآخر مع حضنها! لا.. لا.. إنها ستعود.. ولكنها لم تعُد.. رغم أنني كنت أعيش على هذا الأمل، ولم أكن أبكي.. لكن خلف لما رآني بكى واستمات عليَّ.

عشت حياتي مع تلك الحية زوجة عمي.. كانت رائحة سخريتها مني لاذعة لا تعجبني، تتشدق اللادن وتسخر (هيه.. والنبى ما أنت نافع).

صرت شابا أمشي أمام الترعة، وفي الجهة الأخرى قضبان القطار.. أمشي بحذائها.. أرقبها.. تلتقي.. تتعانق.. ثم تتوازى.. وتبتعد...

كم أتمنى أن أذهب للمدينة متى سأذهب وأرحل بعيدا عن هذا الجحيم، ولكن يخرج خلف من رأسي يوشوشني في أذني ويذكرني بالغول ذي القدمين المفلطحتين.. فأترك قضبان القطار وأسير بمحاذاة الترعة متمعنا في حركة المياه القذرة الراكدة، أتنهد...

تتراءى لي على سطح الماء صورة الحية زوجة عمي وهي تسخر مني وتسمني بكلامها الرصاص (هيه.. تعالى قابلني لو نفعت)، فألتقط حجرا مناسبا أقذف به وجهها، لكنه لم يكن يصيب وجهها...

عندما أعود للمنزل كانت تشدني فأنشد.. ترجني فأرتج.. تجذبني وتأخذ كل الحلوى من جيبي.. فأترك نفسي مستسلما لا أبكي.. أنتظر أمي وحضن أمي لأبكي فتدثرني.

كبرت وركبت حياتي أرجوحة.. تشدني ذكريات انتهت.. وتدفعني آمال مستقبل مجهول، وما بين هذا التأرجح بين التقاليد والرغبات كانت تتولد لدي طاقة الانتشاء، فضول اكتشاف عالم آخر...

صرت طبيبًا واتجهت للمدينة أخيرا.. أحمل ما أحمل من انغلاقي وتقاليدي وكبتي وخلف والحية زوجته ما زالت تلدغني وتفح في أذني وتخنقني، تسير القضبان تتشابك وتتوازى، تبتعد فيقفز الغول إلى مخيلتي، أبعده عن مخيلتي وأنام وأحلم بالغول يجري ورائي في شوارع المدينة يدهس كل من يصادفه بقدميه، أستيقظ.. نظر من نافذة القطار بعينين تتلجلجان، فأجده يتلوَّى يترنَّح، وأفكاري تترنح، عجلات القطار تصفع القضبان في لسعات متوالية فأتنفس بارتياح.

أصل إلى عملي مبكرا، الطبيبات محتشمات ملتزمات كلهن، يستندن إلي.. فمنهن أصبحت.. كن يشعرنني بأنني منهن، كلهن يتحدثن إلى يضحكن معي، لكن لا واحدة.. لا واحدة.. شعرت بي.. كن يتمنَّعن عني.. كنت أظن ذلك حينا، وأشك في نفسي أحيانا.

وكان صديقي عاطف يؤنسني كان شقيا متحررا وكان دائما يسخر من التزامي وعاداتي البائدة، وفي أحد الأيام دعاني للخروج معه إلى وسط المدينة، كنت في المعتاد أرفض، ففي أعماقي يكمن الخوف من ذلك الغول الذي يطاردني.

مات خلف وبقي الخوف من ذاك الكائن العملاق.. ولكن ماذا لو جربت مرة.. مرة واحدة وكفى.. ربما أفلت منه ومن قدميه.
 

نزلنا معا قابلنا المعلم رمضان صاحب القهوة، رمقنا بنصف عينه الواحدة مزدريًا، ذهبت له يوما لأستدين منه، نقودًا ولم يعطني كان رجلا كتوما حاقدا، لا يسعى إلى إنسان ولا يقضي حاجة محتاج، ولا يسلم أحد من أذى لسانه، ربما كان يتعمد أذى الناس على أنه الشكل الأسمى لعدم المساعدة.

سرنا على الكورنيش تراءى إلى وجه الولية الحية ابتلعت ريقي، وتجاهلتها، دخلنا إلى ملهى كوستا ماربيا، كان صورة كبيرة ملتصقة بأحد جدران الملهى لشاطئ مربيا الساحر حقًّا متسعا ومتحررا، يعج بالشباب، لكنه يسع الجميع، لفحتني رياح النشوة ضحكات غمزات كلمات جريئة، ودخان شيشة ذا رائحة شهية يعبق به الهواء فيصير مضببًّا كزجاجات البيرة الباردة المتراصة في كل مكان.. فتيات جعلنني أدرك تماما أنه ليست كل أنثى متمنِّعة تمتلك حيلة الإغواء، فالمتمنعة لا تثير في الرجل إلا الفضول وليس تمنُّعها دليلًا على كفاءتها وموهبتها في فنون الإغواء والمراوغة، فمن هنا يحب الرجال كنت مبهورًا، وكانوا يسخرون مني كسخرية "الولية" زوجة عمي، كانت رائحة السخرية لاذعة، ولكنها تعجبني، الهروب في أحضان ما تخافه هو الاستسلام المنتصر.

وكانت هي تجلس في آخر المقهى وبجوارها شابان يتوددان إلى ضحكاتها وهي تتغنج، تمنيت أن أذهب هناك لأي حجة، ولحسن الحظ كانت هي والشابان أصدقاء لصديقي عاطف، ذهب إليهم فذهبت معه متطفلًا، نظرت بنصف عين مستهينة بي، وأشاحت بوجهها بعيدا، ثم نظرت مرة أخرى وابتسمت دعتني للرقص، فوقفت مسمَّرًا، وكان قلبي ينبض، وكان عرقي من شدة الارتباك غزيرا، وكانت عروقي من الخوف تجأر، رجتني فرقصت بانفعال فوقعت، فضحك الجميع فلم أبالِ وضحكت، حينما نظرت لهم من الأسفل أيقنت أن ما بين الرقص والوقوع تكمن ألف حكمة.

تنادي.. أذهب.. فتضحك وتدعوني.. أقترب تصدني.. فتسود الدنيا في وجهي وأشعر بدبيب الغول يقترب.. وأتوه وتغيم عيناي وتتخدر في عينيها اللوزيتين، تطل منهما الحياة.. يعجبها البريق الساطع، وكان كلامها بعيدا عن المباشرة والخطاب الصريح، ألتقط لها صورًا وأنسجها نصوصا، في نسق عارٍ.. يفيض مني الشوق فأعطيها كل ما أحمل في جيوبي من حلوى طوعا.. ذات ليلة دعتني على العشاء في منزلها.. الملابس قطع صغيرة مترامية هنا وهناك.. يا لوعتي.. فقد كان ما كان.. وحدث ما حدث.

صرت أخطب ودها.. تحدثني وقتما أرادت وتختفي وتتبدد ريثما يحلو لها، ثم تعود...

ملمسها ناعم.. فراؤها مخملي.. دقات كعب حذائها تفتح أبواب السحاب المقفلة برتاج محكم.. تلتف حولي تعتصرني.. أترك لها نفسي.. فتجذبني فأنجذب.. تشدني فأنشد.. ترجني فأرتج.. ثم ترمح في البعيد فألهث.

تضع الساق على الساق تلمعان، تجلس وتقرأ والبلوزة القصيرة تظهر حسنة على بطنها، أعشق تلك الحسنة، في ملهى كوستا ماربيا شعرت بأمواج شاطئ ماربيا.. زرقاء تفيض متدفقة.. تحملني فأطير.. تتراءى لي صورتها على البحر فتبسم وأبتسم.. وألقى نفسي في أحضانه.. لم تكن مياهه كمياه الترعة التي تتراءى على سطحها صورة زوجة عمي فألقيها بحجر.. لم تعد القضبان تتقاطع.. بل لم يعد لها أثر.. لم يعد خلف يطلع لى من خلف رأسي يوشوشني محذرًا.. فكنت بالكاد أسمع صوت قدمي الغول تدب في البعيد.. وأنا أقف أمام مقهى كوستا ماربيا.

والحية حولي تلتف.. تجذبي فأنجذب.. تشدني فأنشد تاركا لها نفسي طوعا.. مستمتعا.. تفعل بى ما تفعل..

في لحظة آمنت فيها بأن أمي قد ماتت ولن تعود ولم يعد حضنها من جديد يدثرني فأقلعت عن انتظاره.

تم نسخ الرابط