بقلم : د. داليا مجدى عبدالغنى
استرعى انتباهـي بشدة مسلسل "هي ودافنشي" الذي يُعرض حاليًا على شاشات التليفزيـون والفضائيـات ، فقد جذبتني أحداثه التي تحكي عن شبح يدعى "دافنشي" ظهر لامرأة تعمل محامية ؛ لكي يدلها على الطريق الصحيح ويحذرها من الانغماس في طريق الضلال . فهذا الشبح بمثابة الضمير الحي الذي يحمي صاحبه ، ويظهر له عند الخطر ؛ لكي يقول له : "قف ، نقطة نظام" . والواقع أننا جميعًا مثل بطلة المسلسل نحتاج دائمًا إلى صوت يأتي لنا من الباطن يحذرنا ألا نتمادى في أخطائنا ، وألا ننغمس في طريقٍ قد تكون في نهايته نهايتنا ، وهذا الصوت قد يأتي من الداخل أو ربما من الخارج ، فليس لكل إنسان صوت داخلي يحركه ، فأحيانًا صوت صخب الحياة ، كالصديق المخلص ، أو الرفيق الوفي ، لكي يكون له كالمرايا التي تُظهر له ما تخبئه المظاهر الخادعة ، والزينة الزائفة . فمن منا مهما شعر بالنجاح ، وبأنه مرغوب من الدنيا والمجتمع والناس ، وأنه وصل إلى أعلى درجـات الرقي ، لا يحتـاج إلى من يُزيل عن عينيه الغمام ، ويُجلي أمامه السلبيات ، ويُوقظ فيه الضمير ، فنحن دائمًا في حالة احتيـاج مستمـر إلى صحوة ضمير ؛ حتى نصحح أخطاءنا ، ونسمو فوق رغباتنا ، ونتحرر من قيود ملذاتنا .
ففي أحداث المسلسل السالف ظهرت بطلته محامية في قمة نجاحها ومجدها ، والكل يشهد لها بالتميز ويحسدها على ما وصلت إليه في فترة قصيرة ، إلا أن هذا الشبح فتت كل هذا النجاح على صخرة الضمير ، وأظهر لها مخاطر نجاحها المبني على التلاعب بثغرات القانون ، والوصول على حساب راحة البال ، وقتل الحق ، وإعلاء الباطل ، وهنا انهار أمامها نجاحها ، وعلمت أنه نجاح زائف أساسه فاسد ، وحاولت أن تُصلح ما أفسدته .
وهذا هو ما نحتاج إليه حقًا ، فيجب علينا ألا ننبهر بما وصلنا إليه من مجد أو شهرة أو ثروة أو مناصب وسلطة ، فعلينا أن نحاسب أنفسنا عن مدى نقاء ما وصلنا إليه وطهارته ، فالإنسان يحتاج إلى مرآة لا ليرى فيه حُسْنه وزينته فقط ، وإنما ليكشف من خلالها مواطن ضعفه وزلاته ، ويحاول تقويمها والعلو فوقها ، فالخطأ طبيعة بشرية لا يمكن نزعها كليةً ، أو الترفع عنها تمامًا ، فالخطيئة وُلِدَتْ مع البشر ، ولا أبالغ لو قلت أنها جزء من تكوينهم ، ولكن يمكن تحديها ، ومحاولة إصلاحها ، والوقوف أمامها ، ولكي يحدث هذا لابد أن ندرب أنفسنـا على حساب النفس ونقدها ومعاقبتهـا ، وهذا لن يتأتى إلا بوجـود صوت داخلـي أو خارجـي صادق نسمعه وقت اللزوم .
فيا سادة ، لو ركزنا وأمعنا التفكير سنكتشف أن كل منا يحتاج إلى شبح دافنشي في حياته ؛ ينير له طريقه ، ويوقظ فيه ضميره ، فيا ليت الحياة تمنح مع كل هباتها دافنشي لكل مواطن .



