الإثنين 15 يونيو 2026
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
أحمد إمبابي
بقلم : رشا بكر
ليس من العجيب أن يختلف الناس في أذواقهم وميولهم ولكن العجيب أن يتخاصموا من أجل هذا الاختلاف.. فكل فرد ينظر من زاويته الخاصة ثم يريد من الغير أن يراه مثل ما يرى هو، وهكذا يتنازع الناس في أغلب أمورهم
إن العقل البشري أشبه بجبل الجليد الطافي في البحار القطبية؛ لا يظهر منه إلا جزء صغير فوق سطح الماء، أما الجزء الأكبر فقد انغمس في الماء لا يُرى منه شيء.

إن أغلب حركات الإنسان وسكناته يسيرها ذلك الجزء المنغمس من العقل، وليس العقل الظاهر إذن إلا أخدوعة الغرض منها التضليل والتمويه وطلاء الحقائق وزخرفتها.

كان القدماء يعتقدون بأن الإنسان حيوان عاقل، والواقع أنه حيوان متحذلق .. فهو متعاقل لا عاقل؛ يتظاهر بالتعقل وهو في الحقيقة مجنون -على وجه من الوجوه-
إن كل فرد ينظر إلى الكون من خلال إطار فكري يحدد نظره، وإنه يستغرب أو ينكر أي شيء لا يراه من خلال ذلك الإطار..

إنه إطار لاشعوري، والإنسان لا يملك التحكم في شيء لا يشعر به.

الآن سنتعرف إلى ما يقيد عقل الفرد ويحدد نظره وربما يعرقل طريقه، إنها عناصر ثلاثة: (نفسية – اجتماعية – حضارية) يتألف منها ذلك الإطار الفكري لكل إنسان:

القيود النفسية: فنفس الإنسان معقدة تحوي الكثير من الرغبات المكبوتة والمشاعر المتضاربة، ففكره إذن مقيد بهذه القيود النفسية التي لا يجد عنها محيصًا إلا نادرا، وقد يدعي أنه يفكر تفكيرًا حرًّا لا تحيز فيه ولا تعصب، ربما كان صادقًا، ربما لم يصدق، فهو على أي حال لا يعلم ماذا كمن في عقله الباطن من عقد ونزوات خفية وعواطف مشبوبة،

فقد يقرأ صديقك رواية ويعجب بها ويتحمس في مدحها ثم تأخدها أنت لتقرأها فلا تجد فيها ما يستدعي تلك الحماسة وذلك المديح، ولعلك قد تجد فيها عكس ذلك منتهى التفاهة والسخف، وقد تكون هذه الرواية سببًا من أسباب الخصام بينك وبين صديقك.

إن السبب في هذا الاختلاف بينكما ناشىء أغلبه من الاختلاف بين وجهتي نظركما حين قرأ كل منكما الرواية على حدة، فربما كان صديقك قد اعتاد على تذوق الجزالة في اللفظ والرنين فى الأسلوب وأنت لا تتذوق هذه الناحية من الرواية، إنما تبحث عن المعاني السامية الخلجات النفسية والأفكار الجديدة، لذا كانت الرواية جيدة في نظر أحدكما وسيئة في نظر الآخر ..

وقد تسأل أحدهم مثلا: لماذا تحب شخصية (فيتو كورليوني) بطل رواية (الأب الروحي) .. فيجيبك بأنه يحبه لعظمته ونزاهته وإخلاصه وعبقريته فهو يخلق الحجج والبراهين لكي يثبت لك أنه يطلب الحقيقة في حبه ل"زعيم عصابة" والواقع أنه أحب (فيتو كورليوني) لأن قصة هذا الرجل قد أشبعت بعض رغباته المكبوتة من حيث حب القوة أو الأعتداء و تحقيق علاقات قوية بشخصيات هامة منحته النفوذ و الفخار.

إن صاحبنا يشعر بنقص في نفسه، فقد وجد في (كورليوني) لا شعوريا ما يسد هذا النقص فهام به إعجابًا

فكم للنفس البشرية من أعماق تستقر تحتها دفائن صنعت عوامل كامنة أشبه بالتروس المخفية في قلب آلة.. إنها المحفزات التي تدفعنا للسير.

هكذا يحركنا العقل الباطن أولا ثم يأتي العقل الظاهر أخيرا لكي يخلق المبرر لما يفعل ويزخرفه ويطليه فيظهر أمام الناس بمظهر مقبول
ويجوز لنا القول أن الإنسان يفعل ثم يفكر، أو يفعل ثم يبرر.

إنه يندفع اندفاعًا نحو شيء يفعله ثم يبحث عن المبرر: لماذا فعلت، سيكون هذا مدخلنا إلى القيود (الاجتماعية والحضارية) على العقل البشري.
تم نسخ الرابط