بقلم : رشا بكر
لو أننا تأملنا شخصية الشيخ حسني فى رواية مالك الحزين، للكاتب إبراهيم أصلان، والتي جسدت في فيلم الكيت كات، فقد كان الشيخ حسني رجلا ضريرا يعيش في منطقة عشوائية، تكمن عقدته في أنه يعاني من الاغتراب كونه عاجزا، وكانت أشد رغباته وأسماها أن يقود "موتوسيكيل"، منطلقًا بأقصى سرعة، غير آبه بالخطر.
إن مشهد الشيخ حسني يقود دراجة بخارية لم يضعه الكاتب فقط كموقف للترفيه والضحك، بل إنه مشهد يمثل عوامل أخرى تندرج تحت بنود قيود العقل، ألا وهي العقدة، الفعل، المبرر، الحقيقة.
والواقع أن الإنسان يخضع لظروف خارجية وداخلية تشكل عقده، ذلك ما يدفعه للفعل، يعمل ثم يفكر، فهو يندفع نحو شيء ثم يفكر به بعدئذ، ويخلق المبرر، ومن خلال ذلك نستطيع التفرقة بين الحقيقة والواقع، فالحقيقة هي كل ما يرى الإنسان أنه حقيقة، مؤمن به، فهي حقيقة ثابتة في عينه لا تتغير، ذلك ما يجعل المجرم لا يرتدع عن جريمته مع علمه بضراوة العقوبة، فهو عندما يقترف الجريمة كثيرًا ما يكون مسوقًا بعوامل غير واعية، لا صلة لها ببراهين الفكر أو المنطق بل هي حقيقة خاصة بعقله.
إن العقل ليس فقط مباءة للرغبات المكبوتة، بل إنه مكان لله والشيطان، فهو يدفع الإنسان في سبيل الخير والإبداع، وأحيانا يدفعه في سبيل الشر والاعتداء، والفرد العاقل فقط هو من استطاع أن يفرق قليلًا أو كثيرًا بين ما هو ضار وما هو نافع، ويمتلك القدرة على كبح جماح ما حوى عقله من عقد ورغبات مكبوتة.
فالشيخ حسني "عقدته" شعوره بالاغتراب والعجز، لذا تحدى ذلك راكبا الموتوسيكيل، يغدو به في سرعة جنونية، مصطدما بكل من وما أمامه؛ أي أنه "فعل" ثم "برر" خطأه متهمًا الناس هم بالعمي، إن الشيخ حسني فى نظر "الواقع" رجل أعمى البصر، لكن "الحقيقة" في نظره أنه رجل بصير، كما ذكر "أنا أشوف في النور والضلمة كمان"، إنه لا يؤمن بفكرة كونه أعمى، وشتان بين الحقيقة والواقع.
العقل مالك صاحبه، وكل العقول قصور، وكل قصر أحاط نفسه بسياج، وعين على بوابته حرسا (قيود نفسية - قيود اجتماعية - قيود حضارية)، وفينا من يترك بوابته مفتوحة بكل كرم، فهو لا يدع الشاردة ولا الواردة إلا ودعاها للدخول إلى عقله، ثم أبقى ما أبقى وطرد ما طرد، ويوجد من أغلق البوابة من الداخل على قدر صغير جدًّا من العرفة، واكتفى بذلك راميا مفتاح بوابته في جب سحيق، ضمانة ألا يدخل على عقله أي جديد غير ما تعود عليه.
أما من ترك بوابات عقله مفتوحة فلن يكون ذلك ضمانة لرجاحة رأيه، فربما تقبل فكرة وفي حلقه غصة من داخله لا يقبلها يتظاهر فقط بقبولها.
لقد أشرت في مقالي السابق عن العامل النفسي في كونه ممثلا قيدا من أهم قيود العقل، والآن نسنكمل الحديث عن قيد آخر من قيود العقل البشري..
القيد الاجتماعي:
الفكر مقيد بقيود اجتماعية، علاوة على القيود النفسية فالفرد ينتمي لجماعة أو قبيلة أو بلد أو طبقة أو طائفة أو ما الى ذلك لذا تجده يتعصب لجماعته في الحق والباطل.
فإذا تأملت كل فئة من المجتمع فستجد مثلا من كانوا ينتمون للعصر العثماني يمجدون فيه وفي حكامه، وكذلك من انتموا لطبقات اجتماعية مرفهة في عهود سابقة أو تلت ذلك، فلا عجب في أن هؤلاء قد ينظرون للأمور بصورة تختلف عن الواقع اختلافا بيِّنًا، والسبب راجع هنا إلى تكوين إطارهم الفكري .. فهم يتحمسون إلى العهد الذي قد نالوا فيه من الامتيازات وأنواع الترف والتعالي، ما جعلهم يعتبرونه أسعد عهد مر في التاريخ، وهم بنظرتهم هذه قد ينظرون من زاوية معاكسة للزواية التي ينظر بها أبناء الشعب إليه، وهذا خير دليل على أنه لا يوجد عصر ذهبي وعصر فحمي، بل إن العصور كلها ذهبية على بعض الناس فحمية على آخرين.
وإذا حاولت مثلا أن تجتمع بمن يجادل متعصبًا لفئته، ربما لن يجدي الجدال معه إلا اثارة غضبه وتحفيز أعصابه، لقد تكون إطاره الفكري على هذا الطراز، فهو لا يملك من ذلك مناصًا، إنه ينظر إلى فئته بنظرة تختلف عما ينظر به البعض إليها، وطالما أن العامة لا ينتمون إلى الطبقة التي ينتمي هو إليها.. الخلاصة أنك ستجد أن لكل من هذه الفئات إطارها أو منظارها الخاص الذي تنظر به إلى الأمور.
وستجد أيضا في كل الفئات شخصًا يبدو مثاليا لفئته، يطالب صاحبنا المثالي من خصمه بأن يفكر على أساس المنطق، لا لكي يصل إلى الحقيقة، بل هو يقصد حقيقته الخاصة بالطبع التي تنفعه هو، ومعنى هذا أنه يريد من خصمه أن ينحاز إلى جانبه، ويكون عونا له أمام خصمه، فيدور ويراوغ لأنه هو نفسه يحمل حقيقة خاصة به، ويريد الانتصار لها، وهكذا تنشأ النزاعات وتثور الفتن بين الناس.
إن المشكلة آتية من كون الإنسان أناني بطبعه، فهو مهما ادعى وتظاهر وتحذلق، يحب أن يجر النار إلى قرصه، وهو حين يفعل ذلك يعتقد اعتقادًا جازمًا بأنه إنما يقصد الخير العام ويريد مصلحة الجماهير.
إن معضلة العقل أنه ميال إلى جعل مصلحة صاحبه الخاصة والمصلحة العامة شيئا واحدا، فكل شيء ينفع صاحبه يصبح في نظره حقًّا مطلقًا يجب أن يتبعه الناس جميعا.
إن هذا ما يدعونا للشك في نزاهة بعض القوى السياسية أو الحزبية أو الطائفية، أو أي فرد يدعونا إلى اتباع الحق المطلق أو العدل المطلق، فلا يوجد حق أو عدل مطلقين، أو ما أشبه ذلك من مثل عليا لا وجود لها.
ويذكر في هذا السياق، أن كل حركة اجتماعية تحوي بذرة انشقاقها في صميم تكوينها، فهي لا تنجح حتى تنقسم، فما دامت هناك فئة تنتفع من هذا النصر فلا بد أن تظهر فئة مقابلة لها تنافسها.
وفي التاريخ الإسلامي نجد أن الانشقاق قد ظهر في هذا الدين أسرع مما ظهر في غيره من الأديان، وكان ذلك ناشئا عن السرعة الهائلة التي نجحت بها دعوة الإسلام، فالخلافة في أول أمرها ما كانت إلا زهدا وتقوى وخشونة وتقشف، فكان الخلاف عليها ضعيفا جدا، يكاد لا يشعر به أحد، أما حين بدأ الترف يأخذ مأخذه فيها، وحفت بها الأبهة، وشاعت بها شتى الملذات، تحرقت النفوس نحوها، وأخذت العقول تنشئ المذاهب الفكرية والفرق الدينية في سبيل الظفر بها.



