الأربعاء 17 يونيو 2026
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
أحمد إمبابي
بقلم : محمد عبد السلام

في ركني البعيد الهادئ، وبإسترخاء عجيب، جلست على أريكتي الأثيرة، أرتشف من قهوتي الساخنة اللذيذة، وبين رشفة وأخرى، ألقي نظرة علي شاشة التلفاز، أتابع كعموم المصريين طوابير ابناء العم سام، أتساءل أي من المرشحين سيُحقق المفاجأة، وأي منهم سيكون الأفضل لنا، فأنا للأسف أنتمي لإقليم تربي علي أن يدور في فُلك تلك الإدارة الإستعمارية، رغم إنني عشت سنيناً عددا أرفع شعار التصدي للإمبريالية الأمريكية.

 

"هيلاري ولا ترامب؟.. ترامب ولا هيلاري؟".. من المحيط إلي الخليج كان هذا لسان حال أمة العرب، تراهم عشية الإنتخابات الغربية، وعلي رأسها بالطبع إنتخابات ابناء العام سام، جالسون هائمون يتابعون، بحماسة مشجعي فريقي دربي عالمي يتنافس في نهائيات الساحرة المستديرة، يرتدي زياً رياضيا لم يرتديه من قبل، تحمل قسمات وجوههم تعابير مختلفة، ما بين متحمس وما بين مؤيد لطرف، يقف بينهم حاسد لأمة تعيش لحظة لم ولن يعيشها علي أرضة قط.

 

"أنا اللي بالأمر المحال اغتوى.. شفت القمر نطيت لفوق في الهوا.. طلته مطلتوش - إيه أنا يهمني؟.. وليه ما دام بالنشوى قلبي ارتوى".. رباعية قد تبدو للبعض غير معبرة عن مضمون مقاله كُتبت عن الديمقراطية، ولكنها في واقع الأمر، وكما يقول مخرجي السينما، جاءت في سياق الدراما التي نعيشها، فإن كنت أعترف بجهلي للأسباب الحقيقية التي دعت العم صلاح جاهين ليلقي رباعيته، إلا أنني أجدها تتسق مع الحالة التي نعيشها، فالديمقراطية في أرض العرب أمر مُحال يعتبره عموم الناس ضلال مبين، وفي بلاد العم سام تُعد قمراً نحلم بالقفز في الهواء لنراه ولو لبعض حين، قد لا نطول هذا القمر أو نفشل في صناعة قمراً لأنفسنا، ولكننا شعرنا لوهلة بنشوي تخفف عنا عطش السنين.

 

كُفر الحرية

 

"لن يرضي عنا الله حتي نعود إلي رشدنا ونتبع سنه حبيبنا ورسولنا الكريم".. هكذا استقبلني الحاج أحمد صاحب واحد من أشهر معارض بيع الاثاث المكتبي في الجيزة، أوقعني حظي العاثر او ربما الحسن أثناء بحثي عن أفضل العروض لتجهيز مكتبي في طريقه، كهل عظيم الجثة، طويل القامة عريض المنكبين، قمحي البشرة، مغطي الرأس بشال أبيض كث اللحية، لا تري جبهته من أثر ضخامة زبيبتة، تشعر للوهلة الأول أن ما يُلقية علي أذنيك ليس مجرد عظة دينية، وإنما طلقات رصاص عدائية تكاد تقتلك إن لم تتفق معه فيما يقول.

 

"الديمقراطية كُفر بالله العظيم وشرك برب السماوات والأرضين ومناقضةٌ لملة التوحيد ودين المرسلين".. لم يمهلني الرجل مهلة لألتقط أنفاسي، أو لأفهم مقصدة، ولكنه سارع بطرق الحديد وهو ساخن، وكأنه يسعي لتجنيدي لأصبح أثير منهجة، كعادتي تركت الرجل يُسهب في الحديث علني أخرج بقصة تعيد لي قراءة المشهد من جديد، فأرباب هذا الرجل كانوا في يوم من الأيام في سده الحكم، ولصمتي إعتقد أنني قد أتفق معه، فأرخي جسده علي كرسية قائلاً: "الديمقراطية كفر جعلت السيادة للشعب بدلا من أن تكون لله عز وجل، وفي ظل الديمقراطية، الشعب سيقوم بالتشريع لنفسه لما هو حلال أو حرام، وهذا شرك أثيم".

 

جلست مذهولاً أمام رجل يتأرجح علي كرسية في زهو وفخر، كان ينظر إلي نظرة المنتصر لعقيدته وفكرته، لم أعلم من أين أتي بتلك الأفكار التي لا تنتمي إلي عصرنا هذا، خُيل إلي بمظهره هذا وكأنه سقط سهوا من بوابة التاريخ، إنسان بدائي ينتمي بالتأكيد علي عصور ما قبل التاريخ، إنه يكفر الديمقراطية، يقول ان من يؤمن بها كافر، فهل أصبح الإيمان بالديمقراطية والعمل بها مخرج من الملة؟، ومن زرع في عقلة أن الديمقراطية تتطلب تشريعاً لكل ما هو حرام؟، واذا كانت الديمقراطية منافية للإسلام هل الفاشية والديكتاتورية من الإسلام؟.

 

"الديمقراطية والانتخابات والأحزاب حرام فى حرام.. الديمقراطية والبرلمان والانتخابات مخالفة للمنهج السلفى.. يجب على المسلمين، وفوراً، أن يعودوا إلى الإسلام، وأن يكفروا بجميع قوانين البشر، من ديمقراطية و... و.. إلى آخر هذه القوانين الكافرة التى نحت شرع الله عز وجل".. عقب ثورة الخامس والعشرين من يناير ملئت الحرية صدورنا، واعتقدنا جميعاً أنه آن الأون لنرتوي من نبع الممارسة الديمقراطية، أن الآوان لنشرع قوانين تساهم في تحقيق العدالة بين فئات مجتمع عاني طويلاً تحت نير الإستبداد، ولكننا استيقظنا من أحلام اليقظة تلك علي كابوس أكثر قسوة من الديكتاتورية، فتباري أنصار الحكم الثيوقراطي ليطلقوا مثل تلك العبارات علي شعب يعاني أكثرة أمية دينية، فبثوا سموم الديمقراطية الحرام، وأولوا القرأن تأويلاً ليحقق لهم هذا الهدف.

 

لقد تناسي هؤلاء القوم أنه لن يتمكن أي مجتمع من إقامة الشريعة كقانون حاكم للأرض، ما لم يكن هناك إجماع أن هذا هو ما يريدونه، تناسوا كيف وافق أهل يثرب بشكل جماعي على دعوة رسول الله صلي الله علية وسلم لحكمهم، ما يعني أن الموافقة الديمقراطية للحكم حتمية عملية في المجتمع البشري، والشعب يجب أن يوافق علي ذلك، فهل تُعد تلك الموافقة كُفر؟ وإذا رفض الناس ذلك، هل يخرجهم هذا عن ملة الإسلام؟، هل يجعلهم في نظر أهل الدين قوم أصابهم الكُفر؟، وهل ارتضي محمد صلي الله علية وسلم ذلك.

 

[وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلآةَ وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ].. اتفق أغلب المفسرين أن الآية رقم 38 والتي جاءت في سورة الشوري، توصي المسلمين بالتشاور قبل إتخاذ أي قرارات ما لم تتعلق بأحكام الشريعة، ولم تحدد الآية شروطا للمشاركين في المشورة، إلا أنها أمرت بها كطريقة لصنع القرار، وذكرت الشورى في آيات أخرى تحض محمدا صلي الله عليه وسلم أن يشاور أصحابه، وفي سورة آل عمران الآية 159 قال عز وجل [فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَأوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ]، ما يعني أن الإسلام لا يعادي الديمقراطية علي الإطلاق

 

خيانة الثوابت

 

"أنا يا صديقي مع الثوابت الوطنية.. مع الحفاظ علي المؤسسات.. وضد كل التحالفات الصهيو- أنجلو- ماسونية.. وما نراه اليوم من أبواق مفوهة لا تنتمي إلا للطابور الخامس الذي يسعي لتدمير أمتنا بيد قتله الأنبياء".. لم يكن هذا مقطعاً من إحدي مسرحيات الفنان محمد صبحي، ولكنه عرض أكثر مسرحية سمعتة من أحد زملاء المهنة، كنا جالسون في قاعة الإنتظار بمطار القاهرة الدولي، نتأهب للذهاب في رحلة ماكوكية لمدينة أسوان، حيث يستعد الجراح المصري السير مجدي يعقوب لافتتاح أحد أهم مراكز البحث العلمي لأمراض القلب.

 

نظرت لزميلي الصحفي وأنا أكتم ضحكة ساخرة مما يقول، وفي نفس الوقت أتساءل، هل خرجنا من بوطقة عالم التكفير لنقع في كهف عالم التخوين هذا، لم ينطق لساني أي عبارة أخري، فقط أطلقت لضحكاتي العنان وأنا أتذكر ما قاله لي الأديب والروائي الكبير بهاء طاهر "يا بني أنصار "التكفير" و"التخوين" في مصر رافضون للديمقراطية مؤيدون للآيديولوجية التي يتبعونها".

 

كدارس للتاريخ أعي جيداً تلك الحالة المزدوجة التي جعلت المواطن المصري بل والعربي يتعامل مع قضاياه بتلك الإزدواجية الفجة، فالثقافة التاريخية العربية كثيراً ما حملت معاني كثيرة لمفردة التخوين المشتقة من الخيانة وما يرافقها من تعبيرات أخري كالتآمر مثلا، فتلك المفرادات كانت أسهل الطرق التي يلجأ إليها الخصم في السياسة العربية، رسمية كانت أم حزبية أو حتي شعبية، فما أسهل إلصاق تهمة الخيانة بالرأي المعارض أو المخالف، ومع التطور الطبيعي لثقافة التخوين خلال العقود الأخيرة تجلت الصورة المختلفة، فظهر خائن لكل أيديولوجية، للقومية والاشتراكية والدينية وحتى الليبرالية، والأكثر دهشة أن تلك الثقافة خرجت من جعبه عالم السياسيين والمثقفين لتضغي علي عقول العامة من الشعب المصري، وبكل الوسائل المُهينة والمُنحطة.

 

كنا نعتقد أن تلك الفلسفة التخوينية التآمراتية ستختفي من مشهدنا السياسي والاجتماعي، خاصة بعد أن تحالفت كل القوي في الخامس والعشرين من يناير، ولكنها للاسف توحشت بشكل جعلها أشبة بأخطبوط يحاصر بأذرعته كل ما يعارض أو يقول كلمة واحدة يراها أنصار مؤيدي تلك الأيديولوجية ضد الثوابت التي لُقنوا إياها، فأصبحنا نعيش في معادلات تأتي ضمن "نظرية المؤامرة"، فهناك حكومة تخون المعارضة، وهناك معارضة تتعامل مع الحكومة بعدم ثقة، يقابلهم نخبة تتعامل مع البسطاء من الشعب المصري وكأنهم يعيشون في "برج عالي"، في حين بادلهم البسطاء النظر إليهم كأنهم "فلاسفة لا يعون ما يقولون".

 

"الشعب المصرى.. ما يزال غير مؤهل للديمقراطية".. عبارة قالها اللواء عمر سليمان منذ 6 سنوات، وآن الآوان لتدارك معناها، رغم أنني مازلت علي يقين كامل من أن دعاه التكفير والتخوين لا يمثلون جموع الشارع المصري، فكل من يُظهر تلك الدعاوي ويفرضها علي الرأي العام يريد أن يحقق انتصاراً لأيديولوجيته، حتي لو كانت رأياً يخص الـ5% من جموع الشعب المصري، فكل من يعتلي سدة الحكم يتحدث بلسان الشعب المصري، وبمطالب الشعب المصري، وفي النهاية لا يجتمعون ولا يلتقون سوي بشعب يتفق مع أهوائهم.

 

عودة للواقع

 

"عاجل: وفاة 4 وإصابة 18 في اصطدام أتوبيس مدرسي.. ودماء الأطفال تخضب صحراء السويس".. خبر عاجل أخرجني من شغف متابعة إنتخابات العم سام، خبرا إعتدناه منذ أن وجدت علي هذه الارض الطيبة، فطيلة الأعوام والعقود السابقة لا يمر عام بل لا يمر شهر حتي يأتي هذا الخبر العاجل، وكأن دماء أطفالنا لا قيمة لها علي الإطلاق.

 

"الدرس انتهي لموا الكراريس.. بالدم اللي علي ورقهم سال.. في قصر الأمم المتحدة.. مسابقة لرسوم الأطفال.. ايه رأيك في البقع الحمرا.. يا ضمير العالم يا عزيزي.. دي طفلة مصرية وسمرا.. كانت من أشطر تلاميذي".

 

منذ أكثر من آربعون عام مضت خرجت كلمات صلاح جاهين كالرصاص تنعي 30 طفلا مصريا، بنيران الغدر الاسرائيلي، عندما تجرد المحتل من كل مشاعر الانسانية وراح يقصف بوحشية في صباح الثامن من ابريل 1970 مدرسة بحر البقر الابتدائية بمحافظة الشرقية، لتؤدي بحياتهم دون اي ذنب جنوه، غير انهم حلموا بين جدران مدرستهم المتهالكة بالحياة، التي من وجهة نظرهم البريئة ستكون افضل مما هم فيه.

 

شريط طويل من الذكريات مضي، والحال هو الحال، واتغير الزمان واتبدل المكان، وظلت كلمات صلاح جاهين المأساوية عن اطفال بحر البقر عنوان لعشرات ومئات المذابح التي يتعرض لها اطفال مصر، صحيح لم يعد هناك اسرائيل ولم يعد هناك احتلال للارض، ولكن ظل العدو بوجهة القبيح، وجه الفاسد، وجه الاهمال يحصد أطفالنا رويداً رويداً، ودون رحمة.

 

انظروا جيدا الي ما تبقي من جثث أطفال مدارسنا، هل ترون فرقا بينهم وبين اشلاء أطفال بحر البقر، نفس الآسي، نفس الحرمان، نفس المصير، نفس القصيدة المبكية، نفس العدو وان كان بقناع غير القناع، فما الفرق بين عدو صهيوني وعدو من بني جنسي يعيث في قلبة الفساد، فالمصير في كلا الحالتين واحد، مجرد اشلاء.

 

"اية رأي رجال الفكر الحر.. في الفكرادي المنقوشة بالدم.. من طفل فقير مولود في المر.. لكن كان حلو ضحوك الفم.. دم الطفل الفلاح.. راسم شمس الصباح.. راسم شجرة تفاح.. في جنانين الاصلاح.. راسم تمساح.. بالف جناح.. في دنيا مليانة بالاشباح.. لكنها قلبها مرتاح.. وساكتة علي فعل الأباليس.. الدرس انتهي لموا الكراريس"

 

هل ترون.. لم يعد صلاح جاهين في هذا الجزء من القصيدة يخاطب المجتمع الدولي لما ارتكبته اسرائيل في حق اطفال بحر البقر، ولكنه هنا يخاطب ضمائر ماتت هنا وهناك، ضمائر عشش في قلوبها الفساد، فتحولت إلي اباليس، تقتل حتي الأحلام وتحولها إلي كوابيس.

 

اية يعني مات؟!.. سؤال سخيف لكننا لو فكرنا هنلاقي إنه مريح، أو لم يكن يعيش بيننا بلا روح، هل تخيلتم ان هذا الطفل الفقير المولود في المر كان بالفعل حلو ضحوك الفم، هل نما إلي عقولكم المريضة أن الطفل الفلاح راسم شمس الصباح، هل اعتقدتم خطأ انه حينما يرسم يخط بيده الصغيرة شجر التفاح، ابحثوا وسط كراريسهم ستعلمون ماذا رسم هذا المسكين وبماذا حلم.

 

وجه اسمر برئ، فيه عينين مليانين أمل، وكف ضعيف صغير، بصوابعة يتلمس الطريق، وقلب نابض حزين، حانق علي حال البلد، حلم كتير الولد انه يكون انسان مش مجرد رقم، "لما اكبر هبقي ظابط احمي أهل بلدي.. وانا لما اكبر هبقي دكتورة تعالج ولاد بلدي"، مجرد احلام تولد وتموت داخل عقولهم قبل ان يقتلها الإهمال.

 

يبقي السؤال يا ساده.. من القاتل؟ ومن سيدفع الثمن؟، واذا كنا ثأرنا من قتلة أطفالنا في بحر البقر، ممن سنقتص لاطفالنا في السويس، العدو واحد مهما اختلفت الوشوش، والدم واحد مهما اختلف الزمن، صرخة الأم وحرقة قلبها متغيرش، من ابن مات علي الحدود، وابن مات بأيد إبن البلد، يا تري هتجيبوا حقه من اللي زرع الإهمال، ولا هتلاقوا كالعادة غلبان يشيل شيلة المتهم، تقدموا كبش الفدا لاهل المرحوم، ويضيع من تاني حق الولد، حرقة قلبي عليك يا إبني.

تم نسخ الرابط