بقلم : محمد نجم
وقد لا يعلم البعض أن الصندوق يمنح قروضه للدول الأعضاء بأقل فائدة على المستوى الدولى.. حيث لا يتجاوز 1.1% سنويا.. هذا بينما يعلم البعض.. علم اليقين أنها ليست المرة الأولى التى تدخل فيها مصر فى مفاوضات بعقد اتفاق مساندة مع الصندوق.. فقد حدث ذلك مرتين من قبل: الأولى عام 1993.. والثانية عام 1998 وفى كلا المرتين لم تستنفد مصر كافة المبالغ التى خصصت لها.. ففى المرة الأولى خصص الصندوق مبلغ أربعة مليارات دولار لم تسحب مصر فيها سوى 1.5 مليار دولار فقط، والبرنامج الثانى لم تسحب مصر أية مبالغ مما كان مخصصا لذلك.
لست أدرى لماذا ينزعج البعض من حصول مصر على قرض من صندوق النقد الدولى؟.. فمصر عضو بالصندوق.. بل من مؤسسيه فى عام 1945.. ومن حقها أن تحصل على هذا القرض مادام هى فى حاجة ملحة إليه، مادامت منتظمة فى دفع حصتها السنوية والبالغة 1.5 مليار دولار.. كما أن قواعد الصندوق تتيح لأية دولة عضو الحصول على قرض يعادل 300% من حصتها فيه.. ثم لسنا وحدنا فى هذا الأمر.. فهناك 20 دولة عضو فى الصندوق طلبت الحصول على قروض منه.. منها ثلاث دول عربية هى: تونس، والأردن، واليمن.والمعنى أن العلاقة بين مصر والصندوق تتميز بالجدية والانضباط وتنفيذ كل طرف لالتزاماته التى يرتبها الاتفاق الموقع فى هذا المجال.
والأهم من كل ذلك.. ليست المشكلة فى الأموال التى ستحصل عليها مصر من الصندوق.. فقد حصلت على أكثر منها من بعض الدول العربية الشقيقة.. ويمكنها الحصول على المزيد من مؤسسات التمويل فى الأسواق الدولية.
ولكن أهمية الاتفاق مع الصندوق تعود لاعتباره "بيت خبرة" دولى، ومن ثم فالاتفاق معه على برنامج إصلاح اقتصادى معين لأية دولة.. يعنى.. على الفور "شهادة صلاحية" وليست شهادة فقر.. كما وصفها بعض المقرضين- بأن هذا الاقتصاد لديه القدرة على التعافى والنمو الذاتى وأنه مستعد لاستقبال الاستثمارات الأجنبية، فضلا عن قدرته على سداد كافة الالتزامات الحالية والمستقبلية.
والطريف فى الموضوع أن المؤسسات الأجنبية والجهات الدولية المانحة.. والمستثمرين الأجانب.. كلهم يعتمدون على الصندوق ومناقشاته مع الدولة المعنية.. ومن ثم عندما ينتهى الطرفان بالتوقيع على ما يسمى "باتفاق المساندة" يبدأ الكل فى التحرك.. سواء يمنح هذه الدولة قروض أو مساعدات فى صورة منح لا ترد.. فضلا عن تحرك الاستثمار الأجنبى المباشر وغير المباشر نحو هذه الدولة.
لأن الأمر ببساطة شديدة.. عندما تتقدم الدولة بطلب للحصول على قرض.. يطلب منها الصندوق التقدم ببرنامج تحدد فيه أوجه صرف هذا القرض.. وأن يتضمن مجموعة من الإصلاحات فى المجالات الاقتصادية المختلفة، فالدولة ذاتها هى التى تضع البرنامج وتتقدم به للصندوق.. بعدها يقوم خبراء الصندوق بمناقشة الوزراء المعنيين عن كيفية التنفيذ وتوقيعه.. ومدى تأثر الفئات الفقيرة بذلك.. وهل هذه الإجراءات سوف تسمع فى أنشطة أخرى من عدمه؟.. فمثلا إذا تعهدت الدولة بخفض عجز الموازنة من 11.5 حاليا إلى 9.5 خلال عامين، فلابد من توضيح تفاصيل هذا الإجراء.. هل سيكون بزيادة الموارد أم بترشيد النفقات؟.. وإذا كانت الأخيرة.. فكيف ستتم؟.. وهل على مرحلة واحدة؟.. أم بالتدريب؟.. فمثلا فى حالة مصر.. هناك إجماع على أن الدعم لا يذهب إلى مستحقيه، فمثلا 66% من دعم الطاقة يصل إلى 20% فقط من مستحقيه، كما أن 7% من أفقر المواطنين فى مصر يحصلون على 7% فقط من الدعم الحالى.
والكل يعلم أن هذا الدعم يمثل ضغطا كبيرا على الموازنة العامة للدولة.. ويكاد يكون سبب العجز المزمن فيها والذى بلغ هذا العام- بنهاية يونيو القادم- حوالى 200 مليار جيه..
فهل يمكن أن يستمر الوضع على ما هو عليه؟.. هل نظل كالنعامة ندفن رؤوسنا فى الرمال عند مواجهة المشاكل؟.. أم آن الأوان لمواجهتها والعمل على حلها.. وهل يضيرنا شىء إذا استعنا بـ "بيت الخبرة" الدولى فى هذا المجال.. وهو صندوق النقد الدولى؟
فالإصلاح مطلوب فى كل الأحوال.. ومدى علمى أن الصندوق لم يطلب من الحكومة والوزراء سوى توضيحات حول: كيفية خفض عجز الموازنة.. وأن يتم إصلاح الخلل فى موضوع الدعم وأن يتم ذلك بالتدريج، وأن تزال العوائق أمام التجارة الخارجية وأن يتم مصارحة الشعب قبل اتخاذ أى جراء.. أى أن يتم التنفيذ بشفافية كاملة.
هذا مع الاتفاق على "المراجعة" كل ثلاثة شهور، وأن يتم إفراز شرائح القرض طبقا للاحتياجات المصرية، مع الوعد بمنح مصر حوالى ثلث القرض فى أول شريحة.. والتى سوف تصرف مباشرة بعد توقيع الاتفاق والمقرر أن يتم خلال خمسة أسابيع فقط من الآن.
تبقى مسألة وجود ممثل مقيم للصندوق فى مصر.. وهى ليست جديدة على مصر وليست بدعة دولية.. فقد شهدت مصر خلال فترة التسعينيات من القرن الماضى وبدابة الألفية الحالية وجود أربعة ممثلين للصندوق.. أولهم كان بريطانيا والثانى هنديا والثالث إيطاليا والأخير كان باكستانيا.. وهو نظام يتم العمل به فى كافة الدول التى توقع اتفاقات مع الصندوق والهدف منه سهولة الاتصال والمتابعة.. وتقديم المساعدات الفنية التى تحتاجها الدولة العضو طوال تنفيذ الاتفاق الذى غالبا ما يستغرق ثلاث سنوات.



