الأربعاء 17 يونيو 2026
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
أحمد إمبابي
بقلم : محمد عبد السلام

ممر طويل مُظلم، وضوء خافت يُصارع لإختراق سواده الحالك، صمت قاتل مٌطبق، ودقات بعيدة تجاهد لإقتحام هذا الجمود، رؤوس من خلف أبواب الزنازين مشرئبة، لا تري منها إلا العيون، لا تسمع لهم صوتاً، فقط في الظلام يحملقون، في تلك الغرفة البعيدة جلس ذلك الاشعث، يرتدي زي إعدامه الأحمر، جالس القرفصاء دافنا رأسة بين ركبتين أحاطت بهما ذراعية، ينصت إلي تلك الدقات ساخرا، هلموا فأنا أنتظر لقاء مولانا وانتم لا تعلمون.

 

"حزيفة القُرشي".. هكذا عُرف بين أقرنانه، أسمة في البطاقة فولان الفولاني، إنسان بائس، عاش حياته مُنقاد لأفكار وجد فيها ضالته، مارس معها لأول مرة ما كان يعتقدُ إنها سطوه القوة، رغم صغر سنه الذي لم يتجاوز الثلاثون ربيعا، يظن من يراه أنه كهل عجوز، أخفي شاربه ولحيته معالم وجه الشاحب، حفر القهر تجاويف عينية الغائرتين، خط الفقر شروخ دامية حول فمة الواسع، انتحي ركناً أشد ظُلمة، عله يختبئ من عدو مجهول، يسترق السمع لخطوات أقدام منتظمة، يعلو صوتها فتزداد إقتراباً، إنتفض فجأة فزعاً فقد توقف الاقدام علي بابه.

 

عاد الصمت يفرض سيطرتة من جديد، توارت عيون الرؤوس المشرئبة خلف أبواب الزنازين، ملئوا صدورهم هواءً، كانوا قد حرموا رئاتهم ظناً ان يومهم قريب، تهاوت أجسادهم أرضاً، فأصحاب الأقدام عنهم وقفت بعيد، وداخل زنزانة "القُرشي" رفع "حزيفة" رأساً يعلم أنها ستتدلي بعد قليل، رسم علي وجهة ابتسامة غامضة مردداً، هلموا إن شوقي للإمام  يزيد، هوي الباب علي مصراعيه مُلبياً، هيا للقاءه حظ سعيد، فإنقضوا علية يحملونه فأظهر مرحاً قائلاً هل من مزيد.

 

كاد لا يخطو "القُرشي" خطوة واحدة علي قدميه، راح الجنود يجرونه جراً نحو نهاية الممر، يسبقهم ضابط يقودهم إلي تلك الغرفة، بين الفينة والأخري يلقي "القُرشي" نظرة علي حذائة، ود لو عاد به إلي زنزانته، تعجب كيف لا يجرؤ علي السير منتصباً، فلا جُرم إرتكب ولا هو بإرهابي، من خلف النوافذ أطلت رؤوس السجناء مهلله، هذا فتي يُزف إلي عُرسة، فرماهم بعين ساخرة، خسئتم ورب الكعبة ستندمون.

 

توقف ركب "القُرشي" أمام غرفة الإعدام صامتاً، فرفع "حزيفة" رأسة إلي الجميع باسماً، لمح في الغرفة إناسٌ يصطفون لإستقباله، ألقي إليهم تحية كانه زعيماً، هاله أن رأي حبلاً متدلياً، فجحظت عينيه إلتفت حلقته حول جيده اتساعاً، تذكر الإمام ولقائه فتمتم مستغفراً عذرا سيدي، لم أجد في الدنيا متاعاً، راح عشماوي يوثق وثاقة، وتلي عليه شيخهم قرأناً، وراح كبيرهم يتلوا حُكمة، فردد لبيك سيدي، إني أتْ، أجابه جلاده بضربة من يده، فهوي جسده مودعاً روحه، وقبل أن يصعد إلي السماء ألقي عليهم نظر ساخرة، سأتتركم للضلال تنعمون فإني راحل للإمام.

 

المشهد الثاني

 

إنطلقت روح "القُرشي" إلي السماء مرحاً، فقد حان وقت اللقاء، غادرت الأرض البائسة لتنعم وسط الأنهار والجنان، ترجو أن يسعد بها الإمام، ويكافئها بسبعون ألف جارية، لاح في السماء باباً فرفرف بجناحية طرباً ها قد حان وقت النعيم، فسعي إلية صائحا لبيك إمامي وعدت فأوفيت، إقترب "القُرشي" من الباب الذي بدت معالمة في كبد السماء، وعلي بابها يقف الملاك الحارث يشير إليه ملوحاً، فإنطلق مسرعاً يمني النفس بالحظ السعيد.

 

رويداً رويداً يقترب "القُرشي" من باب السماء، شعوراً بإرتفاع درجات الحرارة إنتابه، إحساسٌ بإختناق رئتيه إجتاح كيانه، تعجب كونه روحاً تحس بتلك التأثيرات، فجأة تسلل القلق إلي نفسه، إضطرب قلبه رعباً، جحظت عيناه هلعاً، فما يراه ليس ما وعد به الإمام، لم تكن الجنة ولكنها أشبه بالجحيم، ومن يقف علي بابها شيطان رجيم، يداه الممدودتان، عيناه المشتعلتان، أنياب فكه الهائله، أنبأته بذلك، أما خلف الباب فأمواج من النيران المشتعلة، فإلتفت محاولاً الفرار من شيطان يطلق ضحكاته، ومن يد نارية عملاقه تنطلق خلفه، إنقضت علية لتنتزعة إنتزاعاً وتلقي به في غياهب الجحيم المُحرقة.

 

داخل الجحيم وجد "القُرشي" نفسه يندفع كالبرق صوب بقعة هي الأشد إشتعالاً، جحيم لا يمكن وصفه، نار سوداء مظلمه لا ينطفئ لهيبها ولا جمرها، حرها شديد، قعرها بعيد، حليها حديد، شرابها الحميم والصديد، ثيابها مقطعات النيران، ولها سبعه من الابواب، كل باب أشد حرا من الذي يليه، هنا وهناك أجساد الظالمين مشتعلة، ونسوه ورجال سلسلهم زبانية جهنم مع شياطينهم، لم يبالي "القُرشي" بهم، فما يعانية من عذاب لا يُطاق، فقد ذاب لحم جسده وعظامه ألف مرة في الثانية الواحدة، كانت في كل مرة كالدهر من شدة الألم.

 

"كأنك يا هذا إرتكبت فعل أثيم.. فجاءوا بك إلي أحر مواقع الجحيم".. خُيل لـ"القُرشي" أن أحدهم يتحدث إليه، إنتبه إلي أنه يجلس علي مقعد قُد من نار داخل غرفة واسعة، إلي جواره عدد من المقاعد لا يُعد ولا يُحصي، يجلس عليها رجال ونساء، لم يتبين وجوههم، فقط هياكل عظمية مشتعلة، تارة سوداء، وتارة حمراء، بين الفينة والأخري تكتسي العظام لحم، وتعود إليهم هيئتهم البشريه، فأشار إلية أحدهم قائلاً، ماذا فعلت، فأجابه بصوت باكٍ، لم أفعل سوي ما امرني به الإمام، فأطلق صاحب الصوت ضحكة ملتاعة، أوضحك عليك ذاك الإمام، مشيت خلفة مُنقاداً ولم تتعلم من سير الأولين، من جاء بي يا فتي إماماً كالذي جاء بك إلي الجحيم.

 

"أشجع الأصمعي".. ذاك أسمي يا "قُرشي"، نعتوني بـ"الأصمعي" لأن سيفي كان بتاراً للرقاب، بإسم الإمام سلبت أجساد العباد رؤوسهم، بإسم الإله جعلته يقودني إلي هنا، عشت سنيناً أنتمي لجماعة الحشاشين، ناصبت الأيوبي صلاح الدين عداءاً لم أكنه للصليبيين، لم أري خطراً علي الدولة الإسلامية من الملسلمين أنفسهم، فعملت سيفي في رقابهم وتركت المغول ينعمون، ضحكوا علي بجنتهم المزعومة بحور العيون، وها أنا اليوم أتجرع كأس ما فعلته ظناً إنه بإسم الرسول.

 

المشهد الثالث

 

"سيدي المحقق العام أحضرنا المذنبون".. رفع المُحقق "توماس دي توركيمادا" الجالس علي عرشة رأسة إلي مساعده "برنارد كازاس"، لم يتفوه بكلمه واحده، فقط أشار إليه بالإنتظار، إلتفت إلي أوراقة وملفاته وراح يخط بيده القرار، وقف "كازاس" ملتزماً الصمت، فقد كان رغم قرابته يخشاه، يعلم أن ضرب عنقه عقاب مخالفة أمرة، أو في غرف التعذيب سيُلقي به مع المُذنبين والهراطقه.

 

وقف "كازاس" يتفرس ملامح "توركيمادا" دون أن يتفوه بكلمه واحدة، ضخم الجثة أبيض البشرة، عريض المنكبين قوي الشكيمة، رغم تخطية الستون، صنع الشعر من رأسة الأقرع طوقاً كأنه تاج المُلك، وجنتان منتفختان، وعينان ضيقتان كعيني صقر، وأنف طويل معقوف، وجبهة عريضة تنبئ عن قسوة صاحبها، يرتدي زي الرهبان الأسود، أحاط عنقة صليب ذهبي.

 

تنحنح "كازاس" فقد مل الإنتظار، نحي "توركيمادا" أوراقة جانباً، الأن محاكمة الاشرار، ألتقت معطفة وعصاته وكتابه المقدس، وأشار لمساعدة ليقوده إلي قبو الكنيس، وفي الأسفل توجه إلي منصة القضاه، علي يمينه ويساره جلسا مساعديه يتلون عليه أسماء المُذنبين، في حين إنشغل جنودة في إخراجهم من الزنازين، شبه عراه مُكبيلين، لم يفرقوا بين الرجال والنساء والشيوخ والأطفال، إصطفوا جميعاً لينصتوا إلي حكم القاضي فيما أجرموه.

 

"باسم راعيا الصليب إيزابيلا وفردناند.. أحكم عليكم انا الراهب توركيمادا حامل سيف الرب.. بحرق وذبح الهراطقة من الرجال، أما النساء فستُنزع أثدائهم ويُلقي بهم داخل تابوت العذراء، والعجائز سيجلسون علي الكرسي الخازوق، والاطفال خذوهم لعجلة كاثرين، إطحنوا عظامهم والقوها للطيور.. يا جنود الرب وحماة الصليب.. لا جدال ولا نقاش.. نفذو حكم الرب وكفي.. اغرسوا في أحشاء الرجل ودفعوه بقدر ما يمكن أن يخرق"

 

وقف "كازاس" خلف سيده يردد ما يقول، نفذوا إرادة الرب، طهروا ارواحهم بالدماء، لا تأخذنكم بهم شفقة، أقتلوا بإسم الإله، كالذئاب الضارية إنقض الجنود علي السجناء البؤساء، إنتزعت مخالبهم الأطفال من أحضان أمهاتهم غير عابئين بصراخهم، ساقوا الرجال إلي المحارق وألهبوا بالسياط ظهورهم، نزعوا ثياب النساء فلاحت لمقالعهم أثدائهم، بين صراخ وعويل تناثرت الدماء، مات البعض صدمة، وسقط الأخرون مُغشياً علية، وعلي المنصة إسترخي "توركيمادا" ومساعدية وكانهم يستمتعون بموسيقي هاينريش شوتز الجنائزي.

 

"عشرون عاماً يا "قُرشي" عشتها خلف الإمام "توركيمادا" تبعته كالأعمي والأصم.. وها أنا أفوز بما وعده لي".. إنشقت السماء السوداء فجأة عن سيف ناري ضخم، هوي علي رأس "برنارد كازاس" ليشقة نصفين من قمة رأسة إلي ما بين ساقيه، صراخ "كازاس" الهادرة أيقظت "حزيفة" من شرودة، اعادت إلية صوابه، ألهذا المسيحي إماماً يطالبة بالذبح بإسم الرب، "يا عزيزي لكل منا إمام يدفعه نحو الجحيم دفع"، إلتفت "القُرشي" إلي الصوت فهاله أن رأي ذلك الكهل.

 

المشهد الرابع

 

في تلك القرية الفلسطينية البعيدة، هرول الصغير خلف كرته مرحاً قبل ان تختبئ بين أغصان الزيتون، إنطلق متحمساً غير عابئ بصخور التلال، لم يبالي بالثلوج التي ابتلعت أقدامة الصغيرة، أراد أن يلتقط كرتة ليلحق بأهل قريته، فاليوم ليلة الميلاد، تهللت آساريره فرحا فقد وجد كرتة أسفل الغصون، فأسرع يلتقطها بيدية الصغيرتين، طلقات رصاص وصراخ نساء أفزعته، أسرع إلي التبة ليري أبشع ما يمكن لطفل أن تراه عيناه.. ميلاد نكبة أمة العرب.

 

بعيون باكية راقب الطفل قتلة عصابتي "شتيرن" و"آرجون"، تواري بجسده الضئل خلف الصخور كاتماً انفاسة، فكان بإمكانة أن يري ويسمع بوضوح ما يحدث في لأهل قريتة، "إدفنوا الجثث لا أريد جرحي لا أريد شاهداً واحداً علي قيد الحياة"، هكذا سمع "الأعور" يصرخ في رجاله، إنطلقت أيديهم تقتل الجميع بلا توقف، بلا تمييز، الشيوخ والشباب والنساء، وحتي الأطفال حطموا رؤوسهم بالهراوات، إغتصبوا الأمهات، أخرجوا أحشائهن من بطونهن.

 

أربعة ساعات قضاها الصغير بين أغصان الزيتون، لم ينطق بشيء حتي لا يسمعون، أصم صوت المذبحة أذنية، فأضحي لا يسمع سوي صوت السكون، حتي هدأت القرية وشاهد الأعور ورحالة يرحلون، لم يجرؤ علي ترك مكمنة، فقد خي أن يروه، لم يبقي من القريه سوي نيران هنا وهناك، ورائحة شواء تذكم الأنوف، لم يكن ذلك الشواء المعتاد لليلة عيد ميلاد عام جديد، ولكنه شواء بشري.

 

تشجع الطفل وقرر أخيراً أن ينزل الي القرية ليطمئن علي أمة وأبية وأخية الرضيع، بأقدام مرتعدة، وقلب مرتجف سمع دقاتة، تقدم من القرية، رويداً، رويداً، كانت تقترب، وصورة المجزرة تتسع، ما هذا الذي يراه، لقد أطلقوا النار علي طفل يرضع من صدر أمه فاخترقت الرصاصة رأسه وصدر أمه فقتلتهما والطفل يلثم الثدي، وبقايا الحليب تسيل على جانبي فمه، لقد جردوا النساء من ملابسهن، هشموا رؤوس جميع الأطفال، حتي رأس أخية رأه يتدلي علي عتبات منزله.

 

"أنت هناك".. انتفض الصغير فزعاً، فأمامة أحد رجال الأعور، يصوب إليه سلاحاً، لم يتحرك من مكانه، لم تزرف عيناه الدمع، ترك العنان لأوصالة لترتعد، أطرافة لترتجف، شفتاه لترتعش، إقترب منه الرجل قائلاً بصوت وحش يستعد لإفتراس ضحيته وهو يشير بمسدسه، أتخشي هذا يا صغيري، إطمئن لم تعد به قيمه، ليشهد إني أنفذ وصيته الإله، "إسحاق بن عاموس" ينحر الصغير كما أوصي الإمام.

 

"كما سمعت يا "قُرشي" فنحن أيضاً نتبع الإمام".. زلزلت أرض جهنم من تحت أقدامهم زلزالها، وأخرجت أثقال الجحيم من جوفها، انقضت علي "بن عاموس"، فإنتزعت عظامة من جوفه انتزاعاً، انتفض "القُرشي" صارخاً، لم نتبع سوي شيطاناً، فأتاه صوتاً هادراً، ما كان لي عليكم من سلطان إلا أن دعوتكم فاستجبتم، فلا تلوموني ولوموا أنفسكم، فجحظت عيناه رعباً، لقد وجد نفسه في حضره شيطانه.

تم نسخ الرابط