الأربعاء 17 يونيو 2026
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
أحمد إمبابي
بقلم : محمد عبد السلام

"إستني في الطابور يا ست.. كلنا مستعجلين وعاوزين نعدي.. وخلي بالك حمولة الطماطم دي هتدفعي عليها خمس أنفار.. كل قفص بنفر".. امتثلت الحاجة "مديحه" لأمر ناظر محطة مرسي دمنهور النيلي المطل علي مدينة المؤسسة بمنطقة شبرا انتظارا لقدوم "الموت العائم" كما يطلق علية أهالي الجزيرة لينقلها إما إلى منزلها أو إلي الرفيق الأعلى.

 

الحاجة مديحه سيدة مصرية ولكنها ليست ككل نساء مصر، في منتصف الأربعينيات، ممتلئة الجسد، قصيرة القامة بشكل ملفت، تري علي وجهها الأسمر قسمات دهر حفرته قسوة الجزيرة المنعزلة جعلته يبدوا وكأنها عجوز طاعنة في السن، وجهها الشاحب يظهر مدي الأهوال التي تعيشها كل يوم ذهابا وإيابا علي معديات الجزيرة.


جزيرة الوراق لمن لا يعلم واحدة من بين 144 جزيرة نيلية، ولكنها أكثرهم انعزالا عن شطي النهر، يعيش علي أرضها أكثر من 150 ألف مصري، لا يمتلكون كوبري واحد يربطهم بالشاطئ، وسيلتهم الوحيدة للعبور إلي الجهة الأخرى زوارق متهالكة انتهي عمرها الإفتراضي منذ أكثر من عشرين عاماً، ورغم أن مسئولينا صنفوها جغرافيا تحت بند محمية طبيعية، إلا أن مشهد طفوها وسط النيل يثير الكثير من الاشمئزاز والشفقة على سكانها، فالجزيرة ليست كما يبدو تعوم فوق سطح النيل ولكنها تعوم فوق طبقة ضخمة من مياه الصرف الصحي.


اقتربت من الحاجة مديحه، فهي ربة منزل بسيطة، خرجت كالعادة في يومها هذا للحصول علي حصتها من بائع الجملة من أقفاص الخضار قبل أن تعود إلي جزيرتها المنكوبة على ظهر "الموت العائم" كما تطلق عليه، سألتها: "هنستني كده كتير يا حجة.. لماذا خرجتِ من تلك الجزيرة في تلك الساعة"، كان ردها التلقائي مفحم إلى حد جعلني أشعر بمدى معاناتها، عندما أخبرتني أنها تضطر لخوض مخاطر ركوب الزورق المتهالك يوميا حتى لا يموت أبناؤها الأربعة، لأنهم مصابون جميعا بالتهاب كبدي حاد، ولإنقاذهم ترتاد يوميا هذا "الموت العائم" لشراء كل شيء حتي المياه النظيفة ليشربوا، رغم علمها أن حياتهم قصيرة، فكل أهالي الجزيرة مرضى ويموتون في سن صغير.

 

هنا قررت أن أخوض تلك التجربة، سأركب معهم هذا "الموت العائم" كي أقترب من الصورة بشكل أوضح، لم يكن الانتظار طويلا فيبدو أن المركب "الغزال" رغم تهالكه يحمل الجميع بلا استثناء، ركبنا الزورق وسط حشد من تلاميذ المدارس، وبعض من النساء التي تحمل مشنات من العيش وأواني الجبن وأقفاص من الدجاج والبط، وكثير من الرجال التي تسحب خلفها الماشية، وعربة "كاروا" محملة بالبرسيم... كل هذا ذهب إلي سطح هذا القارب المنتهي الصلاحية.

 

جلست الحاجة مديحه على الأريكة المتهالكة بمركب الغزال ووضعت بجوارها ما كانت تحمله من أقفاص، كانت تتنفس بصعوبة وذات نظرات ذائغة متوترة وكأنها تنتظر حادثًاً أليماً، وعندما سألتها عن اضطرابها أخبرتني أنه جرت العادة أن يموت أحد ركاب الزورق غريقًا، ولا يجد من ينقذه من الموت، هذا ما يجعلها تضطرب كلما ركبت "الموت العائم"، فهي لا تزال تذكر منظر الشاب الذي غرق منذ خمسة أيام، ولا يمكنها نسيان صوته الهالك مستنجدا بلا جدوى، ولا مشهد شقيقته الصغرى التي أرادت أن تلقي نفسها خلفه.

 

إقترب في هذه الأثناء أحد أصحاب القارب الغزال ليُحصل ثمن الرحلة التي قد لا تنتهي، فأخرجت الحاجة مديحه جنيها ونصف، حاولت كثيرا أن تقنعه إنها دفعت قيمة ما تحمله، ولكنه أصر علي دفع أجرة خمسة أفراد إضافية، وبين شد وجذب اضطرت لدفع ما أمر به.

 

من يراقب وجوه الركاب جيداً سيكتشف أن جميعهم يعانون نفس الاضطرابات التي تعانيها السيدة مديحه، تراهم جميعهم يتشبثون بقوة بأي شيء في القارب، الأمر الذي جعلني أتشبث تلقائياً بأقرب بروز وجدته أمامي، لاحظت الحاجة مديحه تأملاتي وردة فعلي تلك، حانت منها ابتسامة مريرة قائلة: "كنت أتمني أننا نلاقي رده فعلك دي عند الناس الكبار اللي بيسموا نفسهم مسئولين يا بني.. بس أظاهر محدش حاسس بينا وكأننا مش موجودين علي وش الدنيا".

 

عبارة الحاجة مديحه الأخيرة جعلتني أسألها عن سبب عدم وجود كوبري يربط الجزيرة بالعالم الخارجي بدلًا من كل هذه المخاطر، ويبدو أن سؤالي كان غريبا على الجميع، فقد ضحك كل من سمع تساؤلي وتداولوه فيما بينهم بسخرية يائسة، وعلمت أن هذا الكوبري مجرد جزء من مآسي الجزيرة، وحلم يائس لم ويبدو انه لن يتحقق، فكثيرا ما طالبوا الحكومة بإنشائه رحمة بالأطفال والشباب والشيوخ ولكن لا حياة لمن تنادي.

 

كابوس الجزيرة:

 

الرائحة البشعة والمنفرة كانت أول ما استقبلتنا حينما اقتربنا من الجزيرة، لم يكن النسيم الذي وصل إلى أنوفنا يبشر برحلة طيبة داخل جزيرة في وسط نهر النيل، حتي لون المياه بدأ يميل إلى لون الأخضر، كان "القارب المتهالك" في ذلك الوقت يرسو في مرسي الصغير على شط كادت ملامحه تختفي خلف أكوام من القمامة، تلك المياه العفنة والقمامة البشعة لم تمنع طابور من الفتيات يقمن بغسل الملابس وأواني الطعام على الشط.

 

"الكوبري حلمنا لحياة غير منعزلة".. تلك كانت أول عبارة رأيتها بمجرد نزولي إلى الجزيرة، لقد علق الأهالي حلمهم على لافتة كبيرة معلقة علي مدخلها، كان الطابع الأولي الذي وصل لي بعد رؤية بشاعة مياه النيل ومنظر القمامة جعلني أرى هذا الحلم قاصر جدا، فتلك الجزيرة ينقصها الحياة، أضحت أقرب إلي الموت البطيء.

 

كان كلامي الموجه للحاجة مديحه هذه المرة اتهام صريح لكل أهالي الجزيرة، بأنهم يستحقون الموت لما فعلوه بأكبر جزر النيل وبالمياه، كان من الطبيعي أن تدافع عن نفسها، بل وعرضت أن تصطحبني في جولة داخل الجزيرة لأشاهد عن قرب مشكلاتهم المزمنة، الملاحظة الأولى التي لفتت انتباهي الشوارع الضيقة التي تكاد تشكل ممرات طويلة، ويزيد من ضيقها أكوام القمامة ومياه الصرف الصحي التي ضربت كل أركان الجزيرة، فكان من الصعب السير بسهولة علي الأحجار التي وضعها الأهالي ليتحركوا عليها.

 

فجأة إرتفع صوت الحاجة مديحه قائلة دون أن تلتفت لي: "محدش هنا قادر ينزح الطرنشات غير مرتين في الشهر.. مين بس هيقدر يدفع 300 جنية لعربية الكسح كل مرة.. ده حالنا كلنا هنا".. الحقيقة التي يجب أن اعترف بها إنني لم أكن استمع إلي حديث السيدة، فقد تحولت فجأة من مجرد صحفي يبحث عن الحقيقة إلي لاعب أكروبات في السيرك القومي، كنت اهتم بموضع قدمي أكثر مما أهتم بحديثها.

 

خرجنا من الممرات الضيقة وتوجهنا إلى شاطئ آخر للجزيرة، لا يختلف كثيرا عن الأول، فالقمامة تملؤه عن آخره وتعلو المياه فطريات خضراء اللون، وعلى بعد 100 متر تقريبا ينمو خوص أخضر يسمونه "العفش"، إلتفت حوله العديد من السيدات تغسلن ملابسهن وأواني طعامهن، الكارثة أن كل ما تجمع حولهن من فطريات لم يكن نتاج غسيلهن على شط النيل، وإنما بفعل الصرف الصحي المنزوح من "ترنشات" الجزيرة، فعربة "الكسح" التي تعبر إلى الجزيرة في "الموت العائم" لا يرغب صاحبها المجازفة بالخروج والعودة إلى الجزيرة أكثر من مرة، لذلك يتخلص من مياه الصرف بإلقائها في النيل.

 

كان من الطبيعي أن يستسلم أهالي الجزيرة لتحكمات وتجاوزات أصحاب عربات "الكسح"، سواء في السعر المبالغ فيه والتي يدفعونها مضطرين، أو في رمي الصرف الصحي في النيل، لأنهم على حد قولهم عانوا الأمرين على يد كل الأنظمة السابقة، فالحكومات المصرية المتعاقبة لا تنظر إليهم علي إنهم من بني البشر ولهم حقوق مثل كل المصريين، ولا تعطيهم أبسط الحقوق الإنسانية في حياة كريمة نظيفة، فعدم وجود صرف صحي دمر حياة كاملة على سطح الجزيرة، وقضى على صحة أهلها.

 

"خيالات تمشي على الأرض".. التعبير الوحيد الذي يمكن أن نصف به أهالي الجزيرة، فالنحافة والذبول والملامح التي تدل على أعمار أكبر من حقيقتها السمة العامة لسكان الجزيرة، أوقفتنا فجأة سيدة بدينة نوعا ما، بيضاء البشرة، ترتدي جلباب أسود وحجاب أزرق اللون، تبدو كأنها في الخمسين من عمرها، رغم إنها لم تتجاوز الثلاثينات بعد، كلمات اليأس التي تفوهت بها عن أن التصوير ومحاولات التواصل مع المسئولين لن تفيد جعلتني أشعر بمدى ما عانته في حياتها، تركتنا وهي تردد بأنه لا فائدة مما نفعل، وأن الموت قادم بخطى سريعة.

 

"معلش يا بني... دي مريضة كبد مستنيه الموت في أي لحظة" كانت هذه العبارة الوحيدة التي اعتذرت بها الحاجة مديحه عن تصرف السيدة التي اقتحمت جولتنا دون ذكر اسمها، وعندما شعرت بوقع الصدمة على وجهي أخبرتني أن هذا واقع أهل الجزيرة، الكل يشعر بالألم، فالكل لهم أحباب توفوا بعد معاناة طويلة مع المرض، وأن معظم الشباب يتوفون في الثلاثينات من عمرهم، فعدم وجود شبكة صرف صحي ومياه نظيفة جعل الجزيرة مقبرة جماعية "لأحياء موتى" بالفشل الكلوي والالتهاب الكبدي.

 

وصلنا في تلك الأثناء إلى المرسي الجديد التي بنته الحكومة والزغاريد ترن في الأجواء، والسيدات ملتفة حول عجوز ترتدي ثوبا أبيض في طريقها إلى مكة، استقبلنا رجل طويل نحيف أسمر الوجه، إنه هشام عبده، يطلق عليه رجال الحي بمشاكس الجزيرة، فدائما ما يلتقي بالمحافظين والمسئولين ويحدثهم عن حال الجزيرة المشوه ويدعوهم لمحاولة تفهم مشكلاتهم، "هنا مرسى المخدرات والشمامين والمبرشمين" هكذا أطلق عليها "هشام"، فالمخدرات تباع في هذا المكان علنا، بل وينادون عليها كما ينادون علي طماطم في أي وقت سواء بالنهار أو بالليل.

 

ونحن في طريقنا للخروج من الجزيرة التقينا برجل مشوه قليلا فأشارت إليه الحاجة مديحه قائله: "هذا نتاج عدم وجود وسيلة لإطفاء الحرائق، فأي حريق يشب تكون هذا نتيجته، عدت إلي "الموت العائم"، وعقلي مشحون بحالة الجزيرة المؤسفة، جزيرة يعاملها مسئولي المحروسة معاملة المحمية الطبيعية، ولكنها في الحقيقة تعاني حالة حرجة عزلتها عن العالم وجعلتها طريحة فراش "غرفة الإنعاش".

 

تم نسخ الرابط