rosa
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
أحمد إمبابي
بقلم : محمد نجم

فى مسيرة كل إنسان الشخصية والمهنية.. مجموعة من الأشخاص يمثلون محطات فى حياته.. بعضهم قد يؤثر بالسلب.. وبعضهم قد يؤثر بالإيجاب.. فكل واحد وحظه! وقد.. التقيت العديد من النوعية الأولى ومنهم من حاول تهميشى وإقصائى، ولكن ومن رضا الله علىّ ومن بعده الوالدين – رحمة الله عليهما– كان عدد النوعية الثانية أكثر وبصماتهم أوضح.. ومنهم د. عبد الملك عودة عميد الإعلام الأسبق وأستاذى أنيس منصور, وأمين مينكيس محافظ الشرقية الأسبق والمستشار وجدى عبد الصمد رئيس محكمة النقض الأسبق، ود. جمال العطيفى وزير الإعلام الأسبق وعلى نجم محافظ البنك المركزى الأسبق وأستاذى د. أحمد فتحى سرور رئيس مجلس الشعب الأسبق.. وأخيرًا حبيبى ورائدى عمنا محمود السعدنى الذى تأخرت معرفتى الشخصية والمباشرة به إلى بداية التسعينيات من القرن الماضى.. وذلك مع بداية تأسيس نادى الصحفيين بالجيزة واختياره لى عضوا بمجلس الإدارة.. والذى مازلت أشغله حتى الآن.

وقد لمت نفسى كثيرا على التأخير فى الاقتراب من هذا الرجل الذى يعد مؤسسة علاقات عامة قائمة بذاتها من حجم علاقاته المتشعبة بداية من الغفير.. نهاية بالأمير، ومدرسة خاصة مميزة فى فنون الصحافة والكلام والإدارة السلسة.. والتعامل مع البشر بمختلف فئاتهم وثقافتهم، المهم أنه بعد شهور قليلة من التعامل المباشر وبعد اختيارات متكررة من قبله.. شعرت أنه يثق بى ويبادلنى حبا بحب فبدأت اصطنع المناسبات للقائه وأبحث عن موضوعات لمواصلة الحوار معه.. وكان يشاركنى فى ذلك صديقى وزميلى المرحوم سيد زكى.. ولم يبخل علينا عم محمود بذكرياته ولا نصائحه وكان دائمًا ما يردد علينا.. أنه لا يأخذ الروح.. غير خالقها.. فأسمع يا ولد أنت وهو.. لا تدع أحدا يلوى ذراعك أو يكسر عينك فلا تفعل غير الصح.. وترفع عن الصغائر.. واكبح جماح نفسك.. فالنفس أمارة بالسوء.

كما تعلمنا منه معنى "الكرامة".. وأهمية الجود والكرم.. فالأموال تأتى وتذهب.. ولا يبقى سوى فعل الخير.. خاصة عندما يكون الشخص فى ضيقة أو محتاج.. وقد كان فى ذلك رائدا.. ولكن فى الخفاء.. ولم تكن شماله تعلم ما تنفق يمينه.

ولكن أهم ما كان فى شخصية عم محمود هى "القاعدة" الحلوة الممتعة.. بذكرياته التى لا ينضب معونها.. وقفشاته اللاذعة.. وتعليقاته الساخرة.. وكان كل ذلك يبدأ بالشتيمة التى تصل للأم والأب.. وكنا نعتبرها إحدى علامات الرضا والقبول والمحبة من جانبه لمحدثه.

وأذكر مرة أن اصطحب أحد زملائنا صديقا له إلى النادى وكنا نستعد لالتهام إحدى ولائم عم محمود المتكررة، خاصة من وجبة "الكوارع" وبعد السلام والتحية.. عزم عمنا على الضيف بسيجارة.. فاعتذر الضيف أنه لا يدخن، فعزم عليه بفنجان قهوة.. فأجابه الضيف أنه لا يشربها، فقال له: خلاص تتعشى معانا.. فاعتذر الضيف أيضًا بأنه قليل الأكل.. ومابيتعشاش!، عند هذا الحد فوجئنا بعم محمود يشخط فيه: بابن الـ...... لا بتدخن ولا بتشرب ولا بتاكل.. أمال عايش على الدنيا ليه بابن الـ....! وبالطبع انفجرنا فى ضحك متواصل.. مع الإشفاق على الضيف والزميل الذى أحضره!

ومرة أخرى.. ذهبت إلى النادى ووجدته يشاهد مباراة فى الدورى الإنجليزى.. ومجاملة له بدأت أشجع أحد الفريقين وهو يلتفت إلىّ من آن لآخر بنظرة لم أفهم معناها فى حينها وفى استراحة ما بين الشوطين.. سألنى: بتشجع مين يا وله؟ فأجبت توتنهام يا عم محمود.. وكان تعقيبه: يابن دين.. توتنهام اللى لابس أبيض.. وأنت عمال تشجع الفريق الأحمر يا غبى.. هو أنت يا بنى لما مابتفهمش فى الكورة.. بتشجع ليه يابن.. وانخرطنا فى كريزة ضحك متواصل.. حتى أدمعت أعيننا من طرافة الموقف الذى وضعت نفسى فيه!

وقد كانت المرة الوحيدة التى غضبت منه فى بداية التعارف عندما فوجئت به يشتم ويسبنى بأمى وأبى وبدون مبرر وبدون مقدمات.. سوى أننى حاولت الاختلاف معه حول موضوع ما.. وذهبت وشكوته للصديق والزميل إبراهيم حجازى.. وكنت مصمم على الاستقالة من مجلس إدارة النادى.. ونصحنى إبراهيم حجازى بالتريث والصبر.. وألا أزعل من عم محمود لأنه لا يضمر شرًا لأحد.. واصطحبنى له ليطيب خاطرى.. فوجئت بعم محمود يصالحنى بقوله: أنت زعلان منى ليه يابن.... هو أنا شتمتك يابن دين...... واستمر على ذلك ونحن جميعًا غارقون فى الضحك.. فتوطدت العلاقة.. وتبادلنا بالحب والاحترام ولكنى تعلمت أصول "القاعدة" ومنها ألا تقاطعه وهو يحكى.. واتركه يسترسل حتى يتوقف.. وألا تبدى وجهة نظر مخالفة بشكل صريح أو فيه صورة التحدى.. وألا تفصح عن معلومة إلا إذا كنت متأكدا منها.. وألا ترفض له عزومة على مشروب أو دعوة للأكل.. وإلا ستنال وابلا من الشتائم وقد يصل الأمر إلى الغضب والخصام معك!

رحم الله عم محمود السعدنى.. وندعو الله أن يعوضنا خيرًا فى نجله الزميل والصديق أكرم السعدنى نائب رئيس تحرير مجلة صباح الخير والذى يكتب مقالا أسبوعيا بالأخبار تحت عنوان (سعد نيات) والذى يحرص سنويا على الاحتفال بذكرى وفاة والده بنادى الصحفيين.. حيث يجتمع أصدقاء وتلاميذ ومريدو عم محمود.. ومهم مسئولون سابقون ومنهم فنانون.. وصحفيون.. ودبلوماسيون.. ومن جميع الفئات يجمعهم حب عم محمود والترحم عليه فى ذكراه.

ومرة أخرى.. رحمة الله على عم محمود السعدنى.. وصديقه ورفيق عمره الحاج إبراهيم نافع.. والذى كان يتبارى مع عم محمود فى الجود والكرم.. وجعل الله من أنجالهما خير خلف لخير سلف.

 

 

تم نسخ الرابط