بقلم : محمد نجم
آثار حكما المحكمة الدستورية حول مجلس الشورى والجمعية التأسيسية بعض "اللبس" والكثير من التساؤلات لدى العامة من الشعب غير المتخصصين فى القانون، وسبب ذلك.. أن هناك قاعدة قانونية تقول "إن ما بنى على باطل.. فهو باطل" ومن ثم كان التساؤل: إذا كان قانون انتخاب أعضاء الشورى باطل (غير دستورى).. فكيف يستمر المجلس دون أن يلحقه البطلان؟!
وذات الأمر أيضاً بالنسبة للدستور الجديد (الحالى): إذا كان قانون معايير انتخاب أعضاء الجمعية التأسيسية التى وضعت الدستور باطل (غير دستورى)، فكيف يكون الدستور صحيحا ولا يطاله البطلان أيضاً؟!وفى رأيى أن السؤالين مشروعان، لأن البعض من غير المتخصصين والذين علقوا على الحكمين فى بعض الصحف والقنوات الفضائية أثاروا البلبلة لدى الرأى العام.
فى حين أن الأمر فى غاية البساطة لو أحسن البعض من هؤلاء قراءة الحكمين اللذان أصدرتهما المحكمة الدستورية، فقد اتسقت المحكمة مع نفسها– كما يقولون– ولم تخالف قضاءها السابق بشأن بطلان مجلس الشعب السابق لبطلان قانون انتخابه، لإخلاله بمبدأ المساواة وتكافؤ الفرص بين المرشحين، حيث سمح لمرشحى الأحزاب والذين خصص لهم ثلثا مقاعد المجلس.. بمزاحمة المستقلين والترشيح على مقاعد الثلث الفردى.ومن جهة أخرى.. لم يختلف قانون انتخاب مجلس الشورى الحالى عن قانون انتخاب أعضاء مجلس الشعب، حيث سمح أيضاً لمرشحى الأحزاب بمزاحمة المستقلين على المقاعد المخصصه للثلث الفردى.
ونظراً لأن الانتخابات للمجلسين أجريت فى ظل إعلانات دستورية واحدة وقبل سريان الدستور الحالى– فالحكم بشأنها والقوانين التى تنظمها يجب ألا يختلفا، ومن ثم قضت المحكمة ببطلان قانون انتخابات مجلس الشورى، كما قضت من قبل ببطلان قانون انتخابات مجلس الشعب.
ولكن الفارق بين المجلسين أن حكم حل مجلس الشعب صدر قبل نفاذ الدستور الحالى، والذى تم انتخاب أعضائة على أساسه، حيث نص الدستور فى مادته رقم 230 على أن يتولى مجلس الشورى القائم بتشكيله الحالى سلطة التشريع كاملة من تاريخ العمل بالدستور حتى انعقاد مجلس النواب الجديد (الشعب سابقاً)، وتنتقل إلى مجلس النواب، فور انتخابه السلطة التشريعية كاملة لحين انتخاب مجلس الشورى الجديد، على أن يتم ذلك خلال سنة من تاريخ انعقاد مجلس النواب.
وإذا كان رجال القانون علمونا أنه "لااجتهاد من النص" فالمعنى واضح وضوح الشمس.. بأن مجلس الشورى بتشكيله الحالى– وبصرف النظر عما جرى فى انتخاب أعضائة– مستمر وبكامل سلطته فى التشريع لحين انتخاب مجلس النواب الجديد وعندها يحل مجلس الشورى نفسه بمجرد انعقاد الجلسة الأولى لمجلس النواب، وتنتقل السلطة التشريعية كاملة إليه لحين انتخاب مجلس شورى جديد خلال سنة من قرار الحل، بمعنى أنه يجوز إعادة تشكيل مجلس الشورى الجديد– بالانتخابات– خلال ثلاثة شهور أو ستة أو تسعة، المهم ألا يتعدى الحد الأقصى لغيابه عن الساحة التشريعية أكثر من سنة.
هذا هو التفسير الصحيح لحكم الدستورية والذى يتفق تماما مع نصوص الدستور الذى وافق عليه الشعب.. وهو مصدر كل السلطات فى الدولة، ومن ثم لا مجال للالتفات، كما قال البعض إن حكم الدستورية.. سياسى.. بإبقائها على مجلس الشورى.. فهذا كلام أيضاً سياسى.. ولا موقع ولا اعتبار له فى الدستور أو القانون!
فالمحكمة الدستورية التزمت بما أنتجته الإرادة الشعبية– وهى النصوص الدستورية التى وافقت عليها فى استفتاء عام– ولم تكتف بذلك بل وصفت الدستور بأنه فوق الرقابة والهامات.. وأضافت "أنه يتعين الأخذ بأحكام الدستور بعد العمل به، أعمالا لنتيجة الاستفتاء الذى أجرى على مواده" فالدستور مظهر الإرادة الشعبية ونتاجها، وأنه يظل دائما فوق كل مهمة معتليا القمة فى مدارج تنظيم القانون!.
أما فيما يتعلق بالجمعية التأسيسية وبطلان قانون معايير انتخاب أعضائها، فقد أوضحت المحكمة بجلاء أن الجمعية التأسيسية بمجرد انتخاب أعضائها تصبح سيدة نفسها وقرارها، فهى التى تملك وحدها وضع الضوابط والمعايير التى تنظم كيفية أدائها للمهمة المكلفة بها.. وهى وضع الدستور الجديد للبلاد، وما كان يصح أن يقرر مجلس الشعب السابق أن تعرض الأعمال الصادرة عن الاجتماع المشترك لمجلسى الشعب والشورى على الجهة المنوط بها الرقابة السابقة على دستورية القوانين والقرارات البرلمانية، لأن مهمة الأعضاء غير المعينين فى مجلسى الشعب والشورى (المنتخبين) هو انتخاب أعضاء الجمعية التأسيسية فقط.. ومن بعدها ستكون تلك الجمعية سيدة قرارها لأن ما سوف ينتج عنها من أعمال.. وهو الدستور- منشأة كافة السلطات فى الدولة– سوف يعرض على الشعب مصدر السلطات.
وأوضحت المحكمة بكلمات لا تقبل التأويل.. "أن الجمعية التأسيسية- المنتخبة من ممثلى الشعب– والتى تختص بوضع الوثيقة الدستورية، تعلو على جميع سلطات الدولة ومنها السلطة التشريعية التى تعد من نتاج عملها، فالجمعية التأسيسية.. هى السلطة المنشئة لغيرها من السلطات، ولا يتصور أن تخضع هذه السلطة فى تكوينها أو مباشرة عملها لرقابة أى سلطة من السلطات الأخرى.
والخلاصة.. أن مجلس الشورى برىء من البطلان.. حيث حصنة الدستور الجديد من الحل، وأن الدستور الجديد (الحالى) صحيح ويتمتع بكامل المشروعية لأنه صدر بإرادة شعبية، بعد أن وافق عليه الشعب.. وهو مصدر كل السلطات فى الدولة.



