بقلم : محمد نجم
لعل الكثير من الشباب لا يعلمون أن الشاعر التونسى أبى القاسم الشابى صاحب قصيدة «إرادة الحياة» والتى تحولت الأبيات الأولى منها إلى ما يشبه «النشيد الوطنى» يردده الكبار والصغار فى المناسبات المختلفة وكأنه «حكمة» من مأثورات الأولين، هو ذاته الشاعر مرهف الحس رقيق المشاعر صاحب قصيدة «صلوات فى هيكل الحب» والتى تعد من أشهر قصائد الحب فى الشعر العربى الحديث.
ويصف شاعرنا الكبير فاروق شوشة أبو القاسم الشابى الذى ولد عام 1909 وتوفى عام 1934، بأنه عبر سماء الشعر العربى، شهابا مباغتا، لم يكد نوره يشع ويسطع حتى اختطفه الموت فى ريعان شبابه، وهو لم يتجاوز من العمر خمسة وعشرين عاما، فانطفأ الشهاب الساطع وسكت الوتر الجديد المتفرد.
فمن منا لا يردد من آن لآخر بعض أبياته ليحفز بها نفسه أو يدفع عنها يأسا أو يعلقها بأمل حتى لو كان بعيدا.. حيث يقول الشابى :
إذا الشعب يوما أراد الحيــــاة فلابــد أن يستجيب القدر
ولابد لليــــــــل أن ينجلى ولابد للقيد أن ينكســـر
ومن لم يعانقه شوق الحيـــاة تبخر فى جوهــــــا وأندثر
ومن لا يحب صعود الجبـال يعش أبد الدهـر بين الحفر
فهذا الشاعر الذى قال تلك الكلمات الخالدة والتى رددها من بعده بسنوات عديدة قادة ثورات التحرير فى الوطن العربى والعالم أجمع، كما أنها مازالت بمثابة أناشيد الصباح لتلاميذ المرحلة الابتدائية، هو ذاته الذى عبر عن رقة مشاعره وحسه المرهف فى قصيدته الشهيرة (صلوات فى هيكل الحب)، والتى نشرت فى مجلة (أبولو) التى كان يصدرها الأديب المصرى أحمد زكى أبو شادى عام 1934.
وقد بدأ أبى القاسم فيها بوصف محبوبته:
عذبه أنت، كالطفولة كالأحـ ـلام، كاللحن، كالصبح الجديد
كالسماء الضحوك، كالليلة القمـ ـراء، كالورد، كابتسام الوليد
ويتولى الوصف فى أبياته التالية من الوداعة والجمال والشباب الناعم والطهارة التى تبعث التقديس، ثم يسألها مندهشا:
أى شىء تراك؟.. هل أنت «فينو سـ ــى» تهادت بين الورى من جديد
لتعيد الشباب والفرح المعــــد سـوا للعالم التعيس العهيد
أم ملاك الفردوس جاء إلى لأرض ليحى روح الســلام العهيد
نعم.. من أنت أيتها الحسناء الرقيقة؟.. هل أنت «فينوس» إله الجمال فى الأساطير اليونانية جاءت تبعث روح الشباب والفرح فى هذا العالم المضنى التعيس؟ أم أنك ملاك من الفردوس أرسله الخالق سبحانه إلى الأرض ليعيد إليها روح السلام المفقود؟
ثم يجيب الشاعر على أسألته السابقة فى سلاسة واقتدار، بأنك أنت رسم جميل عبقرى رسمه الوجود، بكل ما فيه من غموض وجمال، أنت الفجر الساحر الذى تجلى لقلبى العاشق فكشف له خفايا الخلود، وأوضح له مظاهر الحسن فى تلك الحياة.. حيث يقول:
أنت.. ما أنت؟.. رسم جميـــــل عبقرى من فن هذا الوجود
فيك ما فيه من غموض وعمق وجمـــــال مقدس معبود
أنت.. ما أنت؟.. أنت فجر من السحـ ــر تجلــــــــى لقلبى المعهد
فأراه الحياة فى مونق الحسـ سـن وجلىّ له خفـايا الوجود
ويستمر الشاعر فى وصف مهمته فى أبيات عديدة من أنها روح الربيع، وأنشودة الأناشيد، وقوام يكاد ينطق بالألحان إذا وقف أو قعد.. إلى أن يصل لهذا الوصف الجامع المانع:
أنت فوق الخيال والشعــر والفن وفوق النهى وفـــوق الحدود
أنت قدسى ومعبدى وصبــاحى وربيعى، ونشـوتى ووجودى
وماذا أيضا يا أبى القاسم؟.. ماذا تريد؟.. يجيب الشاعر الرقيق:
يا ابنة النور إننى أنا وحــــدى من رأى فيك روعة المعبــود
فد يعنى أعيش فى ظلك العذ ب وفى قرب حسنك المشهــــود
عيشة للجمال وللفن والإلـــ ــله مهام والطهر والسنا والسجود
عيشة الناسك البتول يناحى الر ب فى نشـوة الذهول الشديد
ثم ينهى شاعرنا الرقيق قصيدته بمخاطبة ملهمته بألا تهدم معبد الحسن والجمال الذى شيده فى خياله، لأن هذا إسحاق لنفس تحاول العيش الرغيد:
حـــرام عليك أن تهــدمى ما شاده الحســن فى الفؤاد العميد
وحرام عليك أن تستحقى أمـال نفس تصبو لعيش رغيد



