rosa
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
أحمد إمبابي
بقلم : محمد نجم

فى بداية مسرحية «حواء الساعة 12» ظهر بطلها الفنان فؤاد المهندس ليقول «وظل تُودرى يفكر.. ويفكر.. وبعد طول التفكير.. قرر إعادة التفكير فيما كان يفكر»! وهذا ما كنا نخشاه من أعضاء الحكومة الحالية، وخاصة «المجموعة الاقتصادية» منها، فكلهم من الخبرات المحلية والدولية المشهود لها بالكفاءة ولكنهم ظلوا لفترة طويلة يتداولون فى الغرف المغلقة عما يجب عمله فى تلك المرحلة الانتقالية.. وقد مضى على تشكيل الحكومة حوالى 60 يوما ولم تظهر لها أية «كرامات» حتى الآن.. وبدا الأمر وكأن الأمور فى البلاد تتحرك بالقصور الذاتى!

 

وصحيح أن أعضاء المجموعة من «النخبة» المترفة أصحاب الياقات البيضاء، ولكن أغلبهم تولى مناصب تنفيذية عديدة.. كما أنهم جزء من المجتمع ويعيشون فيه ويعلمون مشاكله وهمومه وبعضهم له دراسات قيمة ومنشورة لكيفية الخروج مما نحن فيه من تباطؤ اقتصادى وتراجع فى معدلات النمو.

ومن ثم فالتوقعات مرتفعة من حكومة «الكفاءات» لسرعة الخروج من المأزق الحالى.. وهو ما يبدو أنه على وشك الحدوث.. إلا إذا.

ورغبة من الحكومة.. والمجموعة الاقتصادية فى التعرف على آراء القوى السياسية المختلة فى خطتها العاجلة لتنشيط الاقتصاد، دعا وزير المالية د.أحمد جلال مجموعة من كبار الكتاب المتخصصين إلى لقاء خاص للحوار، وقد كنت أحد أعضاء المجموعة والتى ضمت كلا من الأساتذة الأفاضل مكرم محمد أحمد، وصلاح منتصر، وحسن عامر، وأميمة كمال، وحازم شريف، ومحمد فتح الله، وبعض الزملاء الآخرين، حيث كشف الوزير عن الأوضاع الاقتصادية فى نهاية يونيو الماضى.. والتى تمثلت فى عجز الموازنة العامة بحوالى 240 مليار جنيه، ودين عام بلغ 1.6 تريليون جنيه وبما يمثل 92% من الدخل القومى، ومعدل نمو فى الناتج المحلى لا يتجاوز 2.4%، ومعدل بطالة يزيد على 13% وارتفاع نسبة الفقر فى المجتمع إلى 25% من السكان.

هذا بالإضافة إلى ما يحدث دائما فى كل الاقتصاديات فى المراحل الانتقالية ومنها التباطؤ الاقتصادى، وتخوف المستثمرين وتراجع النشاط السياحى وانخفاض الصادرات الخارجية.

وأوضح الوزير أنه فى مثل هذه الحالات يحدث أمران، الأول: ترشيد الإنفاق مع فرض ضرائب جديدة.. لتخفيض عجز الموازنة، والثانى: اللجوء إلى ما يسمى بالسياسات الاقتصادية التوسعية.. من خلال ضخ استثمارات إضافية لتنشيط ما يسمى بالطلب الاقتصادى.. من خلال الاعتماد على سياسة التشغيل وزيادة الإنتاج.. أى تحريك الطاقات المعطلة فى المجتمع وتحسين المناخ الاستثمارى.. وتنشيط الإجراءات وتيسيرها على المستثمرين.

وبالطبع قررت الحكومة اتباع التوجه الثانى.. فالمواطنون لن يتحملوا أية أعباء إضافية.. ومن حسن الحظ أن تحركت الدول العربية الشقيقة وعلى رأسها السعودية والإمارات والكويت وقررت دعم مصر بحوالى 12 مليار دولار وهو ما يعادل حوالى 84 مليار جنيه مصرى، كانت عبارة عن 6 مليارات وديعة بدون فوائد فى البنك المركزى المصرى، و3 مليارات منح لا ترد، والباقى فى صورة مواد بترولية لدعم احتياجات السوق المصرى.

وقد أوضح الوزير أن تلك الإجراءات وهذا الدعم سوف يساعد على تخفيض سعر الفائدة على الاقتراض، مع استقرار سعر الصرف للجنيه مقابل العملات الأجنية، وتخفيض العبء على الموازنة العامة، وتقليل الحاجة إلى الاقتراض الداخلى أو الخارجى، مع عدم مزاحمة القطاع الخاص فى ذلك.

كل هذا ومع تركيز الحكومة على حُسن استخدام الاستثمارات العامة سوف تزيد قدرة الاقتصاد المصرى على التعافى فى وقت قصير نسبيا، خاصة أن لديه القدرة على الارتفاع بمعدلات النمو إلى حوالى 4% بسبب الطاقات المتاحة فيه، وكذلك تنوع أنشطته الرئيسية.

ومن جهة أخرى تعمل الحكومة حاليا على مبادرة جديدة للتعامل مع القطاع غير الرسمى (غير المسجل) والذى يضم حاليا حوالى 40% من قوى العمل فى مصر، وذلك من خلال مجموعة من الحوافز الجديدة منها الإعفاء من الضرائب لعدة سنوات وتخفيض رسوم التسجيل وتبسيط إجراءاتها.

كما ستعمل الحكومة على محور ثالث وهو ترشيد الدعم وخاصة الموجه منه إلى الطاقة والذى يبلغ حاليا حوالى 120 مليار جنيه سنويا.

وقد أوضح الوزير أن هذا الترشيد للدعم المخصص للطاقة سوف يتم وفق برنامج زمنى على عدة مراحل، الأولى: تعمد على محاصرة التسرب والسرقة.. وتقليل مراحل تداول المنتجات البترولية، وهذه الإجراءات يتوقع أن توفر نمو 35 مليار جنيه سنويا.

والمرحلة الثانية: سوف تركز على التعامل مع كبار المستهلكين للطاقة من خلال منظومة التقريب بين الأسعار المحلية والعالمية.. وهذه المرحلة قد تستغرق عامين.

أما المرحلة الثالثة: فسوف تركز على المستهلك العادى.. من خلال جهود وزارة البترول فى إعادة تغيير تركيبة استخدام الطاقة محليا، مثل استبدال أنابيب البوتاجاز بالغاز الطبيعى، وكذلك التوسع فى استخدام الطاقة الشمسية أو الفحم.

وفيما يتعلق بالعدالة الاجتماعية.. وهو هدف أساسى للحكومة الحالية، أوضح د.جلال أن ذلك سوف يتم من خلال عدة محاور..منها أولا الاهتمام بالتشغيل وزيادة الإنتاج لخلق فرص عمل جديدة، من إصلاح التعليم والصحة وتنمية القدرات البشرية، وأيضًا تحسين الأحوال المعيشية للمواطنين من خلال برنامجا للتحفيز الاقتصادى يعتمد على حزمة جديدة من الإجراءات.. على رأسها ضخ حوالى 22 مليار جنيه بوجه عاجل.. لمشروعات البنية الأساسية ومنها مجالات مياه الشرب والصرف الصحى، والكهرباء والنقل والإسكان.. ومساندة المتعثرين.

وقد أعلن وزير التخطيط أشرف العربى أن هناك 16 برنامجًا فى الحزمة الأولى لتنشيط الاقتصاد، سواء بالاعتماد على الاستثمارات العامة، أو الهيئات الاقتصادية منها سداد مستحقات المقاولين والموردين، وبناء 50 ألف وحدة سكنية جديدة، واستكمال 17 مشروعا للطرق والكبارى وإنهاء حوالى 131 مشروعا لمياه الشرب والصرف الصحى، وتدعيم شبكات الكهرباء فى المحافظات، وتطوير مزلقانات السكة الحديد، وتوصيل الغاز الطبيعى للمنازل، وشراء 1600 أتوبيس جديد لنقل الركاب بالقاهرة الكبرى.. إلخ.

وكانت بداية التعليقات مع الأستاذ مكرم محمد أحمد الذى طالب الحكومة أن تبين «أمارة» للحصول على ثقة المواطنين مثل الاهتمام بالمشاكل المجتمعية الملحة مثل النظافة والمرور وانضباط الأداء الحكومى.. وكذلك الاهتمام بالصناعات الحرفية.. والزراعة إلى جانب العمل على توفير وجبة أساسية متكاملة بأسعار منخفضة لمحدودى الدخل والفقراء فى المجتمع.

بينما طالب أ. صلاح منتصر باستفادة الحكومة من هذا الحماس الوطنى وعدم وجود ضغوط انتخابية عليها، ومن ثم عليها اتخاذ العديد من الإجراءات الجريئة العاجلة، وتحدث عن مبادرة لبعض رجال الأعمال لتعويض ما كانت تحصل عليه مصر من معونات اقتصادية من أمريكا.

وتحدث كاتب هذا التقرير عما يسمى بـ «الاستهداف الجغرافى» أى التركيز على أكثر المناطق فقرا فى مصر وسرعة النهوض بكافة الخدمات الأساسية فيها، فضلا عن الجدية فى تحصيل المتأخرات الضريبية على كبار رجال الأعمال ومكافحة التهرب الجمركى والتهريب من الخارج.

وفى ذات الإطار تقريبا تحدث بقية الزملاء حسن عامر وحازم شريف ومحمد فتح الله وأميمة كمال، وقد اتفق الجميع على أن «الأفكار» جيدة ولكن العبرة دائما بالنزول إلى الشارع والقدرة على التنفيذ بالجدية والانضباط الذى يحقق نتائج عاجلة.

ولم يتوقف الجميع كثيرا عند المعونات الاقتصادية الأمريكية والتى لا تمثل سوى نسبة 1% من الدخل القومى المصرى، فقد عوضتها المعونات العربية بأضعاف كبيرة، كما أن العلاقات مع العالم الخارجى وخاصة أوروبا وأمريكا لها قنوات مختلفة، فهناك حركة رؤوس الأموال، والسياحة والصادرات، والتعاون الاقتصادى والفنى والتبادل التجارى.

والمهم ماذا نريد.. وماذا نحن فاعلون لتحقيق ما نريده، وقد انتهى «اللقاء»   بالاتفاق العام على الخطوط العريضة، أما التفاصيل فقد تركت للتطبيق.. وما سوف يسفر عنه!.

تم نسخ الرابط