بقلم : محمد نجم
إنى امرؤ مولع الحسن اتبعه
لا حظ لى فيه إلا لذة النظر
هكذا وصف نفسه.. فتى قريش المدلل والشاعر الغزلى الشهير عمر بن أبى ربيعة.. الشاب المترف الملول.. الذى كان ينقل فؤاده كما شاء من الهوى، فتعددت النساء اللاتى أعجب بهن وكتب فيهن وعنهن، ومنهن: هند.. ونُعم.. والرباب.. وغيرهن كثيرات، وقد ولد عمر عام 23 هجرية يوم وفاة الخليفة عمر بن الخطاب.. فأسماه أبوه - وكان من سادة قريش - على اسمه.. ولكن نظرًا لثراء الأسرة وشباب عمر وماله.
فقد نشأ مترفا مدللا.. يطارد الحسنوات ويشبب بهن، مع حفاظه على القيم العربية السائدة وقتها.. بمعنى أنه كان كثير الكلام قليل الفعل.. كعادة الشعراء حيث يقولون ما لا يفعلون.. وإنما هو الخيال الخصب والقدرة والموهبة على تصوير الأحداث والأماكن وكأنها حقائق تاريخية، كما أنه تخصص فى لون واحد من الشعر ويكاد يكون باعث نهضته بعد أستاذه أمرئ القيس، وهو الشعر الغزلى، فلم يهجُ عمر ولم يمدح، أما الفخر.. فقد خص نفسه به وقومه فقط.
حيث قال:
ونعلم أننا سنبيد يوما
كما قد باد من عدد الشعوب
فنجتنب المقازع حيث كانت
ونكتسب الغلاء مع الكسوب
ولو سئلت بنا البطحاء قالت
هم أهل الفواضل والسيوب
فها هو يعلن عن إيمانه وتمسكه بالقيم العربية واجتناب الفحش والإساءة للغير، ولو سئلت مكة عنا لقالت أننا من أهل الفضل والعطايا.
ومع هذه المسحة الإيمانية.. إلا أنه كان معجبا بنفسه أشد الإعجاب.. وكثيرا ما صور نفسه مطاردا من النساء الراغبات فى الوصل، وها هو يصور ثلاث فتيات شقيقات يتحدثن عنه فى غيابه من كثرة شهرته، وعندما يظهر لهن.. يعرفنه.. كما يعرفن القمر!
قلن: يسترضينها.. منيتنا
لو أتانا اليوم فى سّرِ عمر
وبينما يذكرننى.. أبصرننى
دون قيد الميل يعدو بى الأغر
قالت الكبرى: أتعرفن الفتى؟
قالت الوسطى: نعم، هذا عمر
قالت الصغرى وقد تيمتها
قد عرفناه، وهل يخفى القمر!
ليس ذلك فقط.. بل كثيرا ما صور نفسه محور حياة البعض منهن.. فالدموع تذرف من أجله، ولا تفكير إلا فيه.. ولا أمل لهن إلا أن يسترضينه فيرضى!
حيث يقول:
تقول وعينها تذرى دموعا
لها نسق على الخدين تجرى
ألست أقر من يمشى بعينى
وأنت الهم فى الدنيا وذكرى
أمالك حاجة فيما لدينا
تكن لك عندنا حقا فأدرى!
نعم كان شاعرا غزليا.. إلا أنه كان شاعرا مؤسسا مجددا تعبيراته قوية.. ألفاظه موجبه.. معاتبة ناعمة جميلة.
واقرأ كيف عبر عن عتاب إحدى معجباته:
قالت وأبثثتها سرى وبحت به
قد كنت عندى تحت الستر فاستتر
ألست تبصر من حولى، فقلت لها:
غطى هواك وما ألقى على بصرى
وفى أبيات أخرى.. يقول منها:
لقد دب الهوى لك فى فؤادى
دبيب دم الحياة إلى العروق
فهو الشاعر المدلل المولع بالحسناوات.. يتبعهن أينما كانوا، ولكن أهم ما يقال عنه إنه أول من أدخل الشعر القصصى، من خلال قصة أو موقف.. مصور بالشعر.. فقد أبدع فيه وتفوق به، وله قصيدة شهيرة فى إحدى محبوباته «نُعم» يصور فيها كيف ذهب إليها والناس نيام والتقى بها وأطفئ نار الوجد منها.. وفاجأهم الصبح.. فساعدتها شقيقتها على تهريبه.. حتى لا يفتضح أمره!
فقالت لأختيها: أعينا على فتى
أتى زائرا، والأمر للأمر يقدر
فأقبلتا، فارتاعتا، ثم قالتا:
أقلى عليك اللوم، فالخطب أيسر
فقالت لها الصغرى: سأعطيه مطرفى
ودرعى وهذا البُرد إن كان يحذر
يقوم فيمشى بيننا متنكرا
فلا سرنا يفشو ولا هو يظهر
فكان مجنىَّ دون من كنت أتقى
ثلاث شخوص: كأعبان ومعصر
فلما أجزنا ساحة الحى قلن لى:
ألم تتق الأعداء والليل مقمر؟
إذا جئت فامنح طرف عينك غيرنا
لكى يحسبوا أن الهوى حيث تنظر
والقصيدة طويلة تتكون من 60 بيتا.. وكلها تصوير للمغامرة التى قام بها لزيارة محبوبته بعد أن غاب القمر ورحل الرعيان ونام السمار، وبعد أن قضى غرضه.. هرب فى لبس النساء يسير مع شقيقتيها.. فنجا مما كان يتقى!
وهو ما عايره به بعد مئات السنوات الأمير الشاعر أبو فراس الحمدانى حين قال:
ولا خير فى دفع الردى بمذلة
كما ردها يوما بسوءته عمرو!



