بقلم : محمد نجم
بعد أن انقلب هارون الرشيد على البرامكة.. وانهى نفوذهم فى دولة الخلافة.. قتل منهم الكثير واستولى على قصورهم.. وعلق رؤوس بعضهم فى الميادين، واختار الفضل بين الربيع وزير أول له، حاول أبو نواس التود للأخير إلا أن الفضل لم يكن فى كرم البرامكة ولا كثرة عطاياهم، فيسارع أبو نواس يتذكر «آل الربيع» بأن الأيام دول، وأنه لو حفظ الدهر حق البرامكة فسوف يحفظ حقهم :
مارعى الدهر آل برمك لما
أن رمى ملكهم بأمر فظيع
إن دهرا لم يرع حقا ليحيى
غير راع دمام آل الربيع
وعندما لاحظ أبو نواس بعد نكبة البرامكة أن هارون الرشيد أصبح صاحب الأمر والمطلق اليد فى خزائن الدولة والمتحكم الأول فى البلاد والعباد.. سارع بتحسين الفرص لمدحه.. سواء فى انتصارات جيوش الخليفة فى آسيا الصغرى على جيوش الروم، أو عندما أخذ الرشيد البيعة بولاية العهد لأولاده الثلاثة: الأمين والمأمون والمؤتمن، كل واحد بعد الآخر.. وفى تلك يقول أبو نواس:
تبارك من ساس الأمور بعلمه
وفضل هارونا على الخلفاء
نزال بخير ما أنطوينا على التقى
دما ساسا دنيانا أبو الأمناء
إلا أنه لم يقل ما كان يتوقعه.. فعزم على الخروج إلى مصر، والتى كانت فى ذلك الوقت تنعم بوفرة الخيرات وكانت تعد أغنى ولايات الخلافة، وكان خراجها يمثل الركن الأكبر فى خزانة الدولة.
وفى تلك الأثناء اختار الرشيد اختار ولاه جدد غير الذين كانوا يعملون مع البرامكة، فاختار الحسين بن جميل على ولاية مصر، وفصل تحصين خراجها لأمير آخر هو أبا النصر الخصيب بن عبد الحميد والذى تنسب إليه «منية بنى خصيب» بمحافظة المنيا حاليا، وقد كان الخصيب من محبى شعر أبو نواس، فأرسل إليه بدعوة للزيارة وسارع أبو نواس بالاستجابة، فالظروف فى بغداد لم تكن فى صالحه، حتى أنه عاتب جارته عندما حاولت تنهيه عن السفر إلى مصر:
تقول التى من بينها خف مركبى
عزيز علينا أن تراك تسير
أما دون مصر للغنى مطلب
بلى.. إن أسباب الغنى لكثير
فقلت لها- واستعجلتها بوادر
جرت، فجرى فى جريهن عبير
ذرينى- أكثر حاسديك- برحلة
إلى بلد فيها (الخصيب) أمير
والطريف أنه عندما حضر أبو نواس إلى مصر فى عهد أمير خراجها الخصيب، والذى مدحه بأكثر من قصيدة.. منها:
أنت الخصيب وهذه مصـــــــــر فتدفقا فكلاكما بحــــر
لا تقعد إلى عن مـــدى أملـــى شيئا فما لكما به عـــــذر
ويحق لى إذا صــــرت بينكما أن لا يحمل بساحتى فقـــر
النيل ينعش ماؤه مصــــــــــرا ونداك ينعش أهله الغمـــر
فبعد هذا المديح لمصر وأميرها.. نجده قد هجا المصريين واتهمهم بالبخل وسفح الدماء! فيلهم ملئ بالتماسيح:
دم المكارم بالفسطاط مفـــوح والجود قد ضاع فيها وهو مطروح
يأهل مصر لقد غيتم بأجمعكم لما حوى قصب السيف المساميح
أموالكم جمة، والبخل عارضها والنيل مع جوده فيه التماسيح
وله قصيدة أخرى فى أهل مصر. يقول فيها:
محضتكم يا أهل مصر نصحينى
ألا فخذوا من ناصح بنصيب
فان يك قاب إنك فرعون فيكم
فإن عصا موسى بكف خصيب
وبعد أن عاد إلى بغداد اضطر الخليفة هارون الرشيد أن يضع شاعرنا أبو نواس فى السجن بعد زاد بكره ومجونه وانتشار أشعاره التى يتغزل فيها فى الغلمان:
ثـمرفــــا ستحييك أن اتكلما ويثنيك زهو الحسن أن تسلما
بحسبـــــك أن الجسم قد نفه الصنى وأن جفوفى فيك قد زرفت دمـا
وعندما تولى الأمين الحكم بعد وفاة والده احتضن أبو نواس وجعله شاعر البلاط وأغدق عليه الكثير من الأموال، ولكنه اضطر أيضا لحبسه فى السجن بعد أن ساءت سمعته وجهرة يشرب الخمر:
آلاف تعنى خمرا وقل لى هى الخمــر ولا تسقنى سرا إذا أمكن الجهر
لا ئمى فى المدام- غير نصــــــوح- لا تلمنى على شقيقه روحى
والطريف أنه بعد أن أدرك الموت أبو نواس، وانتهى أصدقاءه من دفنه عادوا إلى منزله يبحثوا عما ترك.. فوجدوا تحت وسادته رقعة من القماش مكتوب فيها:
يارب أن غطيت ذنوبى كثـــرة فلقد علمت بأن عفوك أعظم
مالى إليك وسيلة إلا الرجـــــــا وجميل عفوك، ثم إنى مسلم



