بقلم : محمد نجم
إنه «الحسن بن هانى» الشهير بأبو نواس.. الذى عاش حياته «كما شاء» أو بالطول والعرض، كما يقول المثل الشعبى ولد عام 141 هجرية لأب يمنى وأم فارسية فى مدينة الأهواز بالعراق فى فترة صعود نجم الدولة العباسية، تنقل كثيرا بين المدن العراقية البصرة، والكوفة، وبغداد، ثم مصر وبعض البلاد العربية الأخرى، تتلمذ على أشهر شعراء عصره ومنهم واليه بن الحباب الذى عوده على شرب الخمر وخلط الفنون بالمجنون، ثم الشاعر «خلف الأحمر» الذى علمه أصول الشعر وكيفية إجادته وأجبره على حفظ «ألف مأثور للعرب، ما بين أرجوز وقصيدة ومقطوعة، ولم يسمح له بقول الشعر إلا بعد أن ينس ما حفظه من قبل!
لقد مات أبوه وهو صغيرا وتولت أمه رعايته وأرسلته إلى بعض مجالس الدرس والعلوم الدينية والأدبية فى الدواوين والمساجد،ولكنها كانت امرأة لاهية لاعوب فانصرف عنها وعمل فى العطارة بمدينة البصرة، ثم انتقل إلى الكوفة وأتلقى بأستاذه الأل بن الحباب وبعض الشعراءالآخرين مثل حمادة عجرد ومطبع ابن أياس ويحيى بن زياد والذين تعلم منهم كيفية نظم الشعر، وضبط القوافى.. وكان أول ما أنشده من غزل:
حامل الهوى تعب
يستخفه الطرب
أن يكن يحق له
ليس ما به لعب
ولكن أشعاره نضجت وتنوعت بعد أن ألتحق بأستاذه الثانى خلف الأحمر الذى طلب منه أن يسمعه كيف يرثيه بعد موته.. فقال أبو نواس:
أودى جماع العلم إذا أودى خلف
يعد العلم إلا ما عرف
فكما نشاء منه نعترف
رواية لا تجتنى من الصحف
يقف الأحمر بقوله: يا بنى إن شعرك فوق سنك، ولئن عشت لتكونن رئيسا فى الشعر!
ولكن مشكلة أبو نواس أنه كان هوائيا متقلبا وكان بكره التعصب العربى، خاصة أنه أمه فارسية، وقد صعد نجم الموالى من الفرس فى عهد الخلفاء العباسيين ومن ثم كان يقارن بين العرب والفرس.. ومما قاله:
ثرات أنو شروان كسرى، ولم تكن
مواريث ما أبقتتميم ولا بكر
بل كثيرا ما كان يهزأ بالشعراء العرب القدامى الذين كانوا يبدأو قصائدهم بالبكاء على الأطلال:
دع الرسم الدى دثرا
يقاسى الريح والمطر
ألم نرى ما بنى كسرى
وسابور لمن غبرا
أو يقول فى مقطوعة أخرى:
عاج الشقى على رسم يسائله
وعجت أسأل عن خماره البلد
يبكى طلل الماضيين من أسد
لاد درك! قل لى من بنو أسد!
ومن تميم؟ ومن قيس ولفهما؟ ليس الأعاريب عند الله من أحد.
ولم يكتف أبو نواس بمهاجمة العرب وأعرافهم وتقاليدهم بل ساير ما انتشر فى عصره من الخوارج والتكاكين والدهريون والنصرانية والزنادقة.. والذين تصدوا لهم المتكملين والمعتزلة، وقد دخل أبو نواس تلك المعارك من الجدل الفكرى.. ومما قاله فى ذلك:
يا ناظر الدين ما الأمر
لا قدر صح ولا جبر
ما صح عندى جميع الذى
يذكر إلا الموت والقبر
بل أحيانا كثيرة كان يفرط فى التراب ويزداد بجونه ويدفعه ذلك إلى الاستهتار وأفكار الثوابت بن الدين:
وملحة باللوم تحسب أننى
بالجهل أو ترجمته الشطار
بكرت على تلونى فأجبتها
«إنى لأعرف مذهب الأبرار»
فدعى الملام فقد اطعت غوايتى
وصرفت معرفتى إلى الإنكار
أحرى وأحزم من تنظر أجل
علمى به رجم من الأخبار
ما جاءنا أحد يخبر أنه
فى جنة من مات أو فى نار!
وقد تصادف أن رأى أبو نواس جارية حسناء.. فوق القصيرة والطويلة فوقها، دون السمين ودونها المهزول.. فوقع فى حبها ولكنه كان حبا من طرف واحد.. فانتهى بالفشل ولكنه ترك فى حلقه غصة وفى قلبه حسرة، ولكن أطرف ما يحكى فى هذا المجال أنه علم أن الجارية «جنان» سوف تذهب للحج مع مولاها قفبعها حتى وهى تطوف بالكعبة. وزاحمها وهى تلثم الحجر الأسود وألصق خده بخدها، ولم يراع حرمة المكان وجلال الموقف:
وعاشقين ألتف خداهما
عند التثام الحجر الأسود
فاشتقيا من غير أن يأثما
كأنما كان على موعد
لولا دفاع الناس إياها
لما استفاقا آخر المسند
ظلنا كلانا سائر وجهة
-مما يلى جانبه- باليد
نفعل فى المسجد مالم يكن
يفعله الأبرار فى المسجد
وكان أبو نواس هجاءا شتاما.. تقرب من الخلفاء والأمراء واتصل بالبرامكة فى عهد هارون الرشيد فمدح من أعطاه وهجا من منعه:
وممن أحسنوا إليه منهم.. يحيى بن خالد البرامكى الوزير الأول لهارون الرشيد،وقد قال فيه:
سألت الندى: «هل أنت حر»؟ فقال: لا
ولكننى عبد ليحيى بن خالد
فقلت «شراء» قال «لا» لا، بل ورائه
ثوارثنى عن والد بعد والد
هذا بينما هاجم ابنه جعفر ابن يحيى وزير البلاط والذى كان مقربا للخليفة، فحاول تقبيح صورته وتعجب من أبناء هارون له.. فوصفه بأنه شكل الذئب وقفاه طويل:
عجبت لهاون الإمام وما الذى
يود ويرجو فيك ياخلقه السلق
قفا خلف وجه قد أطيل كأنه
قفا مالك يقضى الهموم على ثبق
والطريف أنه عندما حضر أبو نواس إلى مصر فى عهد أمير خراجها الخصيب، والذى مدحه بأكثر من قصيدة.. منها:
أنت الخصيب وهذه مصر
فتدفقا فكلاكما بحر
لا تقعد إلى عن مدى أملى
شيئا فما لكما به عذر
ويحق لى إذا صرت بينكما
أن لا يحمل بساحتى فقر
النيل ينعش ماؤه مصرا
ونداك ينعش أهله الغمر
فبعد هذا المديح لمصر وأميرها.. نجده قد هجا المصريين واتهمهم بالبخل وسفح الدماء! فيلهم ملئ بالتماسيح:
دم المكارم بالفسطاط مفوح
والجود قد ضاع فيها وهو مطروح
يأهل مصر لقد غيتم بأجمعكم
لما حوى قصب السيف المساميح
أموالكم جمة، والبخل عارضها
والنيل مع جوده فيه التماسيح
وقد اضطر الخليفة هارون الرشيد أن يضع شاعرنا أبو نواس فى السجن بعد زاد بكره ومجونه وانتشار أشعاره التى يتغزل فيها فى الغلمان:
ثمرفا ستحييك أن اتكلما
ويثنيك زهو الحسن أن تسلما
بحسبك أن الجسم قد نفه الصنى
وأن جفوفى فيك قد زرفت دما
وعندما تولى الأمين الحكم بعد وفاة والده احتضن أبو نواس وجعله شاعر البلاط وأغدق عليه الكثير من الأموال، ولكنه اضطر أيضا لحبسه فى السجن بعد أن ساءت سمعته وجهرة يشرب الخمر:
آلاف تعنى خمرا وقل لى هى الخمر
ولا تسقنى سرا إذا أمكن الجهر
لا ئمى فى المدام- غير نصوح-
لا تلمنى على شقيقه روحى
والطريف أنه بعد أن أدرك الموت أبو نواس، وانتهى أصدقاءه من دفنه عادوا إلى منزله يبحثوا عما ترك.. فوجدوا تحت وسادته رقعة من القماش مكتوب فيها:
يارب أن غطيت ذنوبى كثرة
فلقد علمت بأن عفوك أعظم
مالى إليك وسيلة إلا الرجا
وجميل عفوك، ثم إنى مسلم



