بقلم : محمد نجم
أعتقد أنه لا يذكر الشعر العربى إلا يتبادر إلى الزهن مباشرة هذا الشاعر العملاق أبو الطيب أحمد بن الحسين الجعفي المشهور بالمتنبى، فهو شاعر من أخمص قدمية حتىشعر رأسه، ويتميز شعره بالفخر الشخصى والحكمة والمدح فى الأمراء، وقد ولد أبو الطيب فى الكوفه بالعراق وعرف من صغره برجاحة العقل وشدة الذكاء، وكان سريع التعلم ممن سبقوة قوى الملاحظة واسع الأستيعاب، حتى أنه فى صباه لم يكن يسأل عن شئ ألا استشهد له بكلام العرب من النظم والنثر.
وقد سمى أبو الطيب بالمتنبى لأنه أدعى النبوة فى منطقة السماوة بالكوفة، ولما ذاع أمره وفشا سره خرج إليه لؤلؤ أمير حمص نائب الأخشيد، فأسره وتحفظ عليه ولم يفك أعتقاله إلا بعد أن أستتاب ورجع عن أدعاءه الكاذب.
ويقع ديوان المتنبى فى أكثر من 575 صفحة من القطع الكبير، وسوف نتناوله على ثلاث حلقات، كل منها تمثل مرحلة عمرية وفنية، الأولى للبدايات، والثانية عندما ألتحق بالأمير سيف الدولة الحمدانى.. وتفرغ له مادحا ومسجلا لأنتصاراته وحياته بصفة عامة، والثالثة عندما خرج مغاضبا إلى مصر ليلحق بحاكمها كافور الأخشيدى.. والذى لم ينل منه ما كان يتوقعه، فهاجمه بهجاء لاذع، ثم وفاته مقتولا نتيجة لغرورة وأدعاءه البطولة على غير الحقيقة!
فمشكلة المتنبى أنه كان شديد الأعتزار بنفسه.. ومما قاله فى هذا:
أى محل أرتقــــــــى أى عظيم أتقـــــــى
وكل ما قد خلق اللـ ـه ومالم يخلــــــــق
محتقر فى همتـــــى كشعرة فى مفرقى
فهو لا يحسب حساب لا أحد مهما كان قدره، ولا يطمع فى الوصول إلى منصب، لأن كل ما خلق الله أو سيخلق ليس إلا مجرد شعرة فى رأسه!
ويقول إيضا فى موضوع أخر:
لا بقومى شــــرفت بل شــــــرفوا بى وبنفسى فخـــــرت لا بجدودى
ثم نجده فى قصيدة أخرى يقول:
أنا أبن اللقاء أنا أبن السخــــــــــــاء أنا ابن الضراب أنا أبن الطعــــان
أنا أبن الفيافـــى أنا أبن القوافــــى أنا أبن الســروج أنا أبن الرعـــان
يسابق سيفــــــى منايا العبــــاد إليهـــم كأنهمـــا فى رهـــــــان
وهناك إيضا الأبيات الشهيرة والتى كانت سببا فى مقتله كما سنوضح فى الحلقات التالية.. حيث يقول:
سيعلم الجمع ممن ضم مجلسنــــا بأننى خير من تسعى به قــــدم
أنا الذى نظر الأعمى إلى أدبـــــى وأسمعت كلماتى من به صمـــم
الخيل والليل والبيداء تعرفنـــى والسيف والرمح والقرطاس والقلـم
ولم يكن المتنبى يكتف بالأدعاء فقط.. بل كان يصل تهوره إلى درجة التحدى.. وها هو يقول لأحد لا ئميه على أدعاءاته:
أمثلى تأخذ النكبات منه ويجزع من ملاقــاة الحمــام
ولو برز الزمـان إلى شخصــا لخضب شعر مفرقه حسامى
وما بلغت مشيئتهــا الليالـى ولا سارت وفى يدها زمامــى
إذا أمتلأت عيون الخيل منى فويل فى التيقظ والمنامـــى
كان ما تقدم عن أبو الطيب الإنسان المتعالى الذى يعتد بنفسه.. أما أبو الطيب الشاعر فحدث ولا حرج.. فما أكثر الابيات التى لا تملك إذاءها سوى الأندهاش على تلك القدرة والصنعة وجمال الألفاظ وجمال المعانى، أقرأ معى تلك الأبيات:
أرق علـــى أرق ومثلــى يــأرق وجوى يزيد وعبره تترقرق
جهد الصبابه أن تكون كما أرى عين مسهده وقلب يخفق
جربت من نار الهوى ما تنطفى نار الغضا وتكل عما يحرق
وعزلت أهل العشق حتى ذقته فعجبت كيف يموت من لا يعشق
وعذرتهم وعرفت ذنبــى أننــى عيرتهم فلقيت منهم مالقــــوا
فهو يصف نفسه عندما يهوى: النوم يخاصمه وشوقة يزيد ودمعه يسيل، وعينه لا تغمض وقلبه يخفق، ونار الهوى أشد من نار شجر الغضا الذى يبقى جمره زمنا طويلا لا ينطفئ وقد كان يلوم أهل العشق، والآن وبعد أن جرب فأنه يتساءل: كيف يموت من لا يجرب الحب وينكوى بنارالعشق؟!
ثم أقرأ هذه الصورة الجميلة عن كتمان الحب والذى لم يستوعبه جسده فزاد وفاض وتسبب فى علته!
كتمت حبك حتى منك تكرمــة ثم أستوى فيه إسرارى وإعلانــى
كأنه زاد حتى فاض عن جســـدى فصار سقمى به فى جسم كتمانـى
أو عندما قبل حبيته..وجد ماء رضا بها يحيى الميت.. بينما هى تمسح دموعها على خدها الوردى بأطراف أناملها الناعمة:
قبلتهــا ودموعـــى مــز ج أدمعهـــا وقبلتنــى علــى خــوف فما لفــم
قــد ذقــت ماء حيــاة من مقبلهـــا لو صـــاب تربا لأحيا سالف الأمم
ترنوا إلى بعين الظبــى مجهشـــة وتمســح الطل فـــوق الورد بالعنم
أما المدح فلا أعتقد أن أحد استطاع أن يجارية فى ذلك:
لو كنت بحرا لم يكن لك ساحــل أو كنت غيثا ضاق عنك اللــوحُ
وخشيت منك على البــلاد وأهلهـــا ما كـــان أنـــذر قـــوم نوحٍ نوحُ
أنت كالطوفان الذى أنذر نوح به قومة،لأنك لو بحر فليس لك ساحل، ولو مطر لا ضاق بك الجو!
وفى قصيدة أخرى يمدح بها أحد الأمراء يصف قواته بالأسد التى فرائسها الأسود، أما الأمير فهو كالبدر والبحر والشمس:
أســد فرائسهـــا الأســـود يقودهـــا أســـد تصيــر له الأســود ثعالبــا
كالبدر من حيث ألتفـــت رأيتــه يهـــدى إلى يمينـــك نورا ثاقبـــا
كالبحر يقـذف للغريب جواهــرا جـــودا ويبعـــث للبعيــد سحائبا
كالشمس فى كبد السماء وضوؤهــا يغشـــى البلاد مشارقـا ومغاربــا



