بقلم : محمد نجم
فى مباريات كرة القدم.. وغيرها من الألعاب الجماعية.. يستوجب القانون أخذ فترة "استراحة" بين شوطى المباراة.. يستغلها اللاعبون للراحة وتجديد النشاط.. ويستخدمها المدرب للتقييم وإعادة النظر فى طريقة لعب فريقه مع الفريق المنافس.
والمعنى.. أن المسألة ليست حرب بين طرفين وإنما هى منافسة شريفة تجرى طبقا لقواعد معينة.. بهدف تحقيق مكاسب مشروعة..
فماذا لو طلبنا من أطراف الصراع السياسى فى مصر حاليا.. "هدنة" مؤقتة.. يلتقط فيها المجتمع أنفاسه ويعيد تقييم الأحداث والأفعال.. من أجل الاتفاق على ما يجمعنا.. بغرض وقف التدهور الجارى فى الاقتصاد القومى.
فالمجتمع لن يعيش بالسياسة فقط وما تشهده من مليونيات واحتجاجات واعتصامات.. بل يحتاج أبناءه أيضا إلى أن يأكلوا ويلبسوا ويعالجوا.. إلى آخر ضروريات الحياة اليومية.. وهو ما لن يتحقق إلا إذا عادت عجلة الاقتصاد إلى الدوران مرة أخرى.
ألا يعلم السادة المتصارعون على كراسى الحكم أن العجز فى الموازنة العامة للدولة قارب المائتان مليون جنيه.. وأننا نحتاج لحوالى 15 مليار دولار – طبقا لتصريحات وزير المالية- لاستكمال متطلبات العام المالى الحالى والذى ينتهى فى شهر يونيو القادم؟!..
وألم يلاحظ الأخوة المتنافسون أن احتياطى النقد الأجنبى للبلاد قد انخفض فى نهاية 2010 من 36 مليار دولار إلى 15 مليار فقط فى نهاية 2012؟..
لن أطرح المزيد من الأسئلة على الذين يحاربون "طواحين الهواء".. ولكننى سأكتفى بما ورد فى بيان البنك المركزى حيث أشار إلى "تراجع الدخل من قطاع السياحة بنحو 30%"، وانحسار الاستثمارات الخارجية المباشرة كليا خلال العامين الماضيين، فضلا عن الخروج الكامل لاستثمارات الأجانب فى أوراق الدين نتيجة لارتفاع المخاطر المحيطة بالاقتصاد المصرى وتخفيض التصنيف الائتمانى لمصر بخمس درجات.. وهذه العوامل مجتمعة أدت إلى تحول ميزان المدفوعات من تحقيق فائض بلغ نحو 1.3 مليار دولار أمريكى فى نهاية 2010 إلى تحقيق عجز يزيد عن 21.6 مليار دولار على مدى الفترة الماضية..
والمعنى – مرة أخرى – أننا وصلنا إلى وضع حرج.. ولولا ستر من الله واستمرار بعض الموارد الأخرى من النقد الأجنبى والمتمثلة فى تحويلات المصريين فى الخارج ورسوم المرور بقناة السويس.. لحدث مالا يحمد عقباه!..
أى ما تمكّنا من تغطية الاستخدامات الحتمية للنقد الأجنبى ومنها الاستمرار فى سداد أعباء المديونية الخارجية (الأقساط والفوائد) – وهو ما كان سيؤثر على سمعة مصر فى الأسواق المالية العالمية، وأيضاً تغطية تكلفة الواردات من السلع الأساسية والمواد التموينية.. وبعض المنتجات البترولية..
ومن ثم لابد من "هدنة" يعود فيها الأمن إلى السيطرة على الأوضاع وضبط ما يسمى بالانفلات الأمنى الذى يعانى منه الجميع والذى وصل إلى حد الخطف والقتل فى "عز الظهر" كما يقولون..!
فلماذا لا نلتقى جميعا إلى كلمة سواء.. ونتحاور بشكل متحضر ونتوقف عن قطع الطرق واحتلال الميادين وإغلاق مداخلها ومخارجها..
فلابد أن نعمل جميعا على عودة "الثقة" المفقودة وأن يطمئن المواطنون وغيرهم من المستثمرين على حياتهم وأموالهم.. ومن ثم يبادروا باستثمارها وتوفير فرص عمل.. وإنتاج جديد يلبى الاحتياجات المحلية.. وتصدير ما يزيد عليها إلى الخارج فضلاً عن الإسراع فى العمل على عودة التدفقات السياحية الخارجية إلى سابق معدلاتها قبل الثورة..
إن ما أدعو إليه من ضرورة التهدئة وأخذ ما يسمى "باستراحة المحارب" للأخوة المتنافسين على كراسى الحكم.. وغيرهم من أصحاب المطالب الفئوية التى يمكن تأجيلها إلى حين.. ليس مجرد وطنية.. ولكنها ضرورة لاستمرار جريان المياه فى مجاريها الطبيعية والتى أغلقت بفعل فاعل.. قد يصل وصفه إلى درجة المؤامرة على مصر وشعبها..
فهل نعطى من يتربص بنا الفرصة.. أم نُحكِّم عقولنا ونعود إلى صوابنا.. ونترفق بمصرنا العزيزة التى هى وطن يعيش فينا وليست مجرد بلد نعيش فيه كما كان يصفها الراحل العظيم الأنبا شنودة..
وقد سبق أن ناشد الشاعر القدير بيرم التونسى أهل المغنى.. (دمغنا وجعنا.. دقيقة سكون لله)..
وسيرا على دربه أقول يا أهل السياسة.. ارحمونا واعطونا "هدنة" ليلتقط فيها الاقتصاد أنفاسه فمن لا يملك قوت يومه.. لا يملك حريته!
محمد نجم
الأمين العام للمجلس الأعلى للصحافة




