بقلم : محمد نجم
جمع الحب المتبادل بين الشاعر أبو الطيب المتنبى والأمير سيف الدولة الحمدانى، وعلى كثرة قراءتى لسير الشعراء القدامى ودواوينهم لم أجد شاعرا يلتصق بخليفه أو أمير كما فعل المتنبى الذى تحول إلى مؤرخ لسيف الدولة يسجل حركاته وسكناته.. وانتصاراته وهزائمه طوال حروبه مع الروم، فلم تحل مناسبة وأيا كانت إلا سجلها المتنبى ليس ببيت أو اثنان كما كان يفعل الشعراء فى عصره أو فيما قبله، ولكن بقصيدة طويلة تمتد أبياتها أحيانا إلى أكثر من ستين بيتا.
وليس ذلك ذما فى المتنبى.. فهو أحد أعمدة الشعر العربى كماأنه ليس عيبا فى سيف الدولة.. فقد كان هذا حال الخلفاء والأمراء وقتها، كما أنه تحمل و عائلته وحدهم عبء الدفاع عن تخوم وولايات الخلافة الإسلامية فى العصر العباسى.
ولكنى أسجل انطباعى بعد قراءتى المتأنية لديوان هذا الشاعر ذو القامة العالية فى الشعر.. والتى تحولت أبياته إلى حكم وأمثال يرددها الجميع منذ أن قالها وحتى الآن!
وقد وقفت كثيرا عند أحد الأبيات الذى يصف فيها حالة جنود الروم بعد أن هزمهم جيش سيف الدولة الحمدانى.. حيث يقول:
وضاقت الأرض حتى كان هاربهم
إذا رأى غير شىء ظنه رجلا
أما سيف الدولة نفسه.. فقد قال فيه:
حلو خلائقه شوس حقائقه
تحصى الحصى قبل أن تحصى مأثره
تضيق عن جيشه الدنيا ولو رحبت
كصدره لم تبن فيها عساكره
كما وصفه بأنه العين الحارسة للخلافة، وهو درة التاج وختم الخلافة.. وهالك الأعداء.. وجامع الغنائم:
إن الخليفة لم يسمك سيفها
حتى بلاك فكنت عين الصارم
فإذا تتوج كنت درة تاجه
وإذا تختم كنت فص الخاتم
وإذا انتضاك على العدى فى معرك
هلكوا وضاقت كفه بالقائم
على قدر أهل العزم تأتى العزائم
وتأتى على قدر الكرام المكارم
وتعظم فى عين الصغير صغارها
وتصغر فى عين العظيم العظائم
وعلى الرغم من عمق الصداقة بين الشاعر والأمير والتى كان يعلم بها الجميع، إلا أنه كثيرا ما تعرض المتنبى للوشاية لدى الأمير.. وعندما كان يعلم بذلك.. كان يسارع بالتوضيح!
أأنطق فيك هجرا بعد علمى
إنك خير من تحت السماء
وهبنى قلت: هذا الصبح ليل
أيعمى العالمون عن الضياء؟
ولم يكن شاعرنا يكتفى بالرد والتوضيح واستغلال المناسبة لمدح الأمير، ولكنه كان أيضا يلقن من تجرأ عليه درسا لا ينساه!
مازلت أعرفه قردا بلا ذنب
خلوا من البأس مملوء من النزق
كريشة فى مهب الريح ساقطة
لا تستقر على حال من القلق
أو يعيد الكرة مرة أخرى.. لدفع الظلم عن نفسه والإشادة بالأمير:
وإذا أتتك مذمتى من ناقص
فهى الشهادة لى بأنى كامل
وأما وحقك وهو غاية مقسم
للحق أنت وما سواك الباطل
وبالطبع لم يكن المدح مقصورا على الأمير وحده.. بل كان يمتد لأشقائه وشقيقاته.. وهذه بعض أبيات من قصيدة طويلة يرثى فيها والدته بعد دفنها:
ولو كان النساء كمن فقدنا
لفضلت النساء على الرجال
وما التأنيث لاسم الشمس عيبا
ولا التذكير فخر للهلال
وأحيانا كان ينتصر الروم على جيوش الأمير، فيبادر المتنبى بالتهوين من هذا الانتصار.. وها هو ذا يخاطب قائد الروم معللا أسباب الهزيمة:
قل للدمستق إن المسلمين لكم
خانوا الأمير فجازاهم بما صنعوا
لا تحسبوا من أسرتم كان ذا رمق
فليس يأكل إلا الميتة الضبع
وقد مرض سيف الدولة.. وذهب المتنبى لزيارته.. فارتجل الأبيات التالية:
إذا اعتل سيف الدولة اعتلت الأرض
ومن فوقها والبأس والكرم المحض
شفاك الذى يشفى بجودك خلقه
فإنك بحر كل بحر له بعض
وفى زيارة أخرى استغرب المتنبى أن يمرض الأمير فهو الذى يداوى العلل وهو المغيث لكل مصاب:
وكيف تعلك الدنيا بشىء
وأنت لعلة الدنيا طبيب
وكيف تنوبك الشكوى بداء
وأنت المستغاث لما ينوب
وبعد ما شفى الأمير واستعاد عافيته.. قال المتنبى:
المجد عوفى إذ عوفيت والكرم
وزال عنك إلى أعدائك الألم
وما أخصك فى برء بتهنئة
إذا سلمت فكل الناس قد سلموا
ولكن ألطف ما قيل فى هذا المجال عندما أذن المؤذن وكان الأمير بيده كأس من الخمر.. فوضعه جانبا احتراما.. فارتجل المتنبى الأبيات التالية:
ألا أذن فما ذكرت ناسى
ولا لينت قلبا وهو قاس
ولا شغل الأمير عن المعالى
ولا عن حق خالقه بكاس



