بقلم : محمد نجم
يبدو أن الأصدقاء الأمريكان قد حولوا المساعدات التى يقدمونها إلى مصر لما يشبه «عفريت العلبة» الذى يخرجونه فى وجهنا كلما توترت العلاقات بين البلدين، هذا مع أن تلك المساعدات الاقتصادية التى ينوون تجميدها فى الوقت الحالى لا تمثل رقما يذكر بالنسبة للاقتصاد المصرى.. فهى لا تتعدى حوالى 250 مليون دولار سنويا، فى حين أن الأشقاء العرب قدموا لمصر مساعدات تنوعت بين المنح والقروض بحوالى 12 مليار دولار فى أقل من شهرين.
فالقضية ليست المساعدات ولا حجمها.. فهى غالبا ما تكون «عنواناً» لجواب أكثر تعقيدا مما يبدو على السطح، فمن المعروف أن العلاقات بين الدول يجب أن تكون أبدية وقائمة على التعاون المشترك لتحقيق المصالح المتبادلة، ودائما ما يردد الأصدقاء الأمريكان أن مصر دولة محورية وهى «دفة» الحركة فى منطقة الشرق الأوسط، وأن العلاقات بين مصر وأمريكا.. علاقات استراتيجية.. يسودها التفاهم حول القضايا التى تهم البلدين.. وإذا كان الأمر كذلك فلماذا تتوتر العلاقات كلما حدثت أحداث جارية قابلة للتفاهم حولها.. وتوضيح أسبابها ومغزاها وأهدافها، أو بسبب سوء فهم لطبيعة العلاقات الداخلية فى كل بلد على حده.
وإذا كانت أمريكا لها القدرة على توفير زخم سياسى وإعلامى لبعض الأمور، فليس معنى ذلك أن يسير العالم كله طبقا للرغبات الأمريكية؟، فلماذا تغيب مثل هذه الحقيقة على الإخوة الأمريكان؟.. نعم.. قد لا يفهمون معنى المثل العربى الشهير أن «أهل مكة أدرى بشعابها».. ولكنهم يعلمون تمام العلم أن مصر دولة حرة مستقلة، والخلافات التى قد تحدث بين أبنائها بشأن داخلى يمكن تسويته رضاء أو قضاء.
أذكر مرة وكنت شاهد عيان أن اضطر أحد أعضاء الوفد المصرى أن يخلع قميصه ويكشف عن ظهره ليبين لأعضاء الكونجرس الأمريكى كذب ما يدعونه من اضهاد الأقباط فى مصر وتعذيبهم، حدث هذا الموقف فى أحد الاجتماعات التى يعقدها وفد الغرفة التجارية الأمريكية فى مصر مع ممثلى الجانب الأمريكى سواء كانوا من أعضاء الكونجرس أو الإدارة أو ممثل الإعلام ومراكز البحوث الأمريكية فى الزيارة السنوية التى تنظمها الغرفة إلى أمريكا تحت شعار «طرق الأبواب» من أجل زيادة التعاون الاقتصادى المشترك بين البلدين.. والعمل على جذب المزيد من الاستثمارات الأمريكية فى مصر.. والطريف فى الموضوع أن هذا العضو قبطى وهو الصديق أنيس كلميندوس رئيس الغرفة الحالى، ومرة أخرى حدث هذا الموقف منذ عدة سنوات ووقتها كانت أحداث قرية الكشح بالصعيد والتى راح ضحيتها عدد من الإخوة الأقباط، وكان حادثا عارضا.
والغريب فى الأمر أن هذا الأسلوب.. وهو «البدء فى الهجوم» كان يتكرر سنويا فى زيارات الغرفة فى السنوات الأخيرة من حكم الرئيس مبارك، مرة بحجة اضطهاد الأقباط، وأخرى بمناسبة القبض على أيمن نور الرئيس السابق لحزب الغد ومحاكمته بتهمة التزوير، وثالثة بمناسبة التحقيق مع د. سعد الدين إبراهيم عراب التمويل الأجنبى فى مصر وقتها.. وهكذا.
والمعنى أنها «أوراق ضغط» يستخدمها الأمريكان- بعد توزيع الأدوار ما بين رجال الكونجرس والصحافة والإدارة الأمريكية- للضغط على بعض الدول لأهداف أخرى.. فهل أصبحت «المساعدات» الأمريكية لمصر ورقة ضغط تستخدم من آن لآخر ضد مصر والمصريين؟
وقد لا يعلم الكثيرون أن المساعدات الأمريكية لمصر قررت فى أعقاب التوقيع على اتفاقية كامب ديفيد الشهيرة، حيث قرر الأمريكان تعويض كل من إسرائيل ومصر عن خسائر الحرب، فضلا عن مساعدتها لتنشيط اقتصادهما، إلى جانب أهداف أخرى منها تعميق العلاقة مع مصر..وتحويلها إلى علاقة استراتيجية متشعبة المجالات.. حيث تقرر وقتها أن تتخذ المساعدات أكثر من شكل، أولها مساعدات اقتصادية سنوية مباشرة بحوالى 815 مليون دولار، وأخرى عسكرية عبارة عن معدات وقطع غيار بحوالى 1.3 مليار دولار سنويا، ثم تعاون ثقافى وتعليمى تمثل فيما يسمى بالتبادل الطلابى والمنح الدراسية، وكذلك التعاون الصحى، وتحويل بعض الجمعيات الأهلية بحجة المساعدات على التحول الديمقراطى والاهتمام بحقوق الإنسان..إلخ.
هذا وقد خُفِضَت المعونة الاقتصادية فى نهاية التسعينيات بنسبة 50%، ثم أصبحت 400 مليون دولار سنويا لمدة عشر سنوات.. وأصحبت حاليا 250 مليون دولار فقط سنويا، هذا إلى جانب استمرار المعونة العسكرية بحجمها الذى قرر من قبل.. إلى أن قامت ثورة يناير 2011، حيث فوجئنا بمبادرات عديدة من الجانب الأمريكى تعبيرا عن تقديرهم للشعب المصرى وثورته البيضاء، حيث سارعوا فى أعقاب الثورة مباشرة وفى شهر فبراير بتمويل 100 مليون دولار لدعم الاقتصاد المصرى خلال المرحلة الانتقالية، ثم أعلنوا عن مبادرة الرئيس الأمريكى بإعفاء مصر بما قيمته مليار دولار من ديونها لأمريكا، وتقديم حوالى مليار دولار أخرى لتمويل مشروعات البنية الأساسية، وإقراض مشروعات صغيرة فى مصر بحوالى 700 مليون دولار من خلال تأسيس صندوق خاص مشترك لهذا الغرض، ثم جرت مياه كثيرة فى النهر.. وفاز الإخوان بالحكم.. ولا أحد يدرى ما حدث ولا ما هو مصير تلك المبادرات، إلى أن حدثت أحداث يوليو الماضى.. وأعلنت مصر عن «خارطة طريق» جديدة.. من دستور وانتخابات برلمانية وأخرى رئاسية فى خلال مدة زمنية معينة، وفوجئنا بتذبذب الموقف الأمريكى بين التشجيع والضغط!
وأخيرا صدر بيان من وزارة الخارجية الأمريكية ليؤكد أن مصر وأمريكا لديهما شراكة طويلة الأمد ومصالح مشتركة وأن أمريكا ستواصل دعمها للشعب المصرى فى مجالات الصحة والتعليم وتنمية القطاع الخاص ومكافحة الإرهاب وضمان الأمن فى سيناء ولكنها وبعد توجيه من الرئيس الأمريكى سوف توقف تسليم بعض الأنظمة العسكرية والمساعدات النقدية للحكومة فى انتظار تحقيق تقدم ملموس فى التحول الديمقراطى يتمثل فى وجود حكومة مدنية منتجة من خلال انتخابات حرة نزيهة، مع استمرار العمل مع الحكومة المؤقتة ليتجاوز الفترة الانتقالية!
بمعنى أنه لا تحويل لمساعدات اقتصادية ولا تسليم لبعض المعدات العسكرية إلا إذا!!
وإلا إذا.. هذه ليست مطلبًا أمريكيًّا ولا يجب أن يكون.. وإنما هو هدف الشعب والمجتمع المصرى بكل فئاته وأبنائه.. حياة ديمقراطية سلمية.. وعدالة اجتماعية.. وحرية فى التعبير عن الرأى ملتزمة بالقانون والآداب العامة.. فهذه بديهيات وهذا شأن داخلى.. وهو ما يتم فعلا.. نعم قد تكون هناك وجهات نظر مختلفة، وقد يكون هناك خلاف سياسى بين الاتجاهات السياسية المتنوعة فى المجتمع، ولكن من قال إن المصريين لايرغبون فى الاستقرار السياسى والأمنى والتقدم الاقتصادى من خلال دستور يحظى بالإجماع، وانتخابات حرة نزيهة تحت إشراف قضائى كامل، والأهم أن يحصل كل منا على نصيبه العادل مقابل جهده وأيا كان موقعه أو طبيعة عمله، وهو ما يسمى بالعدالة الاجتماعية لجميع فئات الشعب، ولعل ما تقوم به الحكومة حاليا من إقرار الحد الأدنى والأقصى للأجور.. خطوة على هذا الطريق!
نعم أمريكا دولة كبرى.. ولاعب أساسى فى كافة المنظمات الدولية مثل الأمم المتحدة والبنك الدولى وصندوق النقد، كما أنها القوة الأولى عسكريا واقتصادها يمثل ثلث الاقتصاد العالمى، ولديها سوق واسع متنوع القوى الشرائية فيه.. كل ذلك معروف ومفهوم.. لكنه ليس مبررًا للتدخل فلا يجب استخدام ورقة «المساعدات» للضغط للسير فى اتجاهات معنية.. فالعلاقات بين الدولتين عميقة ومتشعبة.. فمثلا أمريكا هى الشريك التجارى الأول لمصر، حيث نستورد منها بحوالى 6,5 مليار دولار ونصدر لها بحوالى 2,5 مليار فقط!، وهناك 9 اتقافيات مشتركة لضبط العلاقات التجارية والتعاون الاقتصادى بين البلدين، كما أن هناك الاستثمارات الأمريكية المباشرة فى مصر والتى لا تزيد عن 5 مليارات من الدولارات فى صورة شركات للتنقيب واستخراج البترول، وشركات صناعية منتوعة النشاط، وكنا نعتقد أن تتواصل أمريكا مع الحكومة الحالية لمساعدتها على اجتياز الفترة الانتقالية.. لا أن توقف المساعدات على الرغم من ضعف حجمها، فالمساعدات ليست إلا عنوانًا لأشياء كثيرة يمكن أن نقوم بها أمريكا لمساعدة مصر.. إذا كنا نتحدث عن علاقات استراتيجية متعدة ومصالح مشتركة لاخلاف عليها..
فالظروف تتغير.. والزمن كثيرا ما يتخطى الأحداث الجارية.. ولكن تبقى الأوطان والشعوب التى يمكن أن تقدرِّ من يقف بجانبها وتحفظ جميله.. كما أن الأهداف تتحقق بالتعاون والتشاور وليس بلىّ الذراع أو الضغط بطرق مختلفة..
حفظ الله مصر.. ودامت العزة والكرامة لشعبها!



