rosa
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
أحمد إمبابي
بقلم : محمد نجم

دائما ما يقال إن العيب ليس فى الآلة أو الأداة، ولكن فى طريقة استخدامها والغرض الذى تستخدم من أجله، فالسيارة- مثلا- البعض يقودها بسرعة جنونية فيتسبب فى إحداث الضرر بنفسه وبالآخرين، كذلك البعض يستخدمها فى نقل المخدرات والبعض الآخر لنقل المصاحف! وأيضًا «الكاس» الفارغ يستخدمه الأغلبية لشرب الماء ويستخدمه البعض لشرب الخمر! ولا جدال أن ما ينطبق على «الأشياء» ينطبق أيضًا على المؤسسات أو النظم أو الإجراءات، فالعبرة دائما بالهدف من إنشاء المؤسسة أو إقرار نظم معينة، وأيضًا بحسن تأسيسها وبكيفية إدارتها، فالمقدمات الصحيحة تؤدى دائما إلى النتائج المتوقعة والمرجوة.

أقول ذلك بسبب القضايا الثلاث المسكوت عنها فى مشروع الدستور الجديد والتى أصبحت محل جدل واسع فى المجتمع ما بين مؤيد ومعارض.. وللأسف الشديد فأغلب ما قيل من آراء حولها انطلق من سوابق تاريخية أو أسباب شخصية أو لتصفية حسابات سياسية مع نظم سابقة أو اتجاهات فكرية مخالفة.

والمشكلة دائما.. أننا عندما نناقش بعض الموضوعات الخلافية.. نبدأ النقاش من أول السطر.. وكأننا نعيد اختراع العجلة.. ومن ثم يضيع جهد ووقت كثيران كان يمكن أن نستغلهما فى عمليات الإصلاح والتصويت للمسارات التى لم تكن على النحو المرجو منها.

ونبدأ بمجلس الشورى.. هذا المجلس قصد به أن يكون «مجلس الحكماء» حيث يجب أن يضم فى عضويته خيرة عقول مصر فى المجالات المختلفة، وحتى لا تشوب «المجاملات» اختيار أعضائه رؤيا أن يتم انتخاب 50% منهم على الأقل انتخابا حرا مباشرا من الناخبين، وإذا كانت الانتخابات لا تفرز الأصلح دائما، فقد كان يجب أن تكون شروط عضوية هذا المجلس مختلفة عن شروط عضوية مجلس الشعب أو النواب أو أيا كان اسم المجلس التشريعى، كما كان يجب ترشيح من يتم تعيينهم من قبل الجهات المصرية الممثلة للقطاعات المختلفة فى المجتمع مثل الجامعات ومجالس القضاء والاتحادات والنقابات المهنية.. إلخ، ولو بأعداد زائدة على المطلوب.. حتى يمكن المفاضلة بين المرشحين، ولكن المهم أن يتوافر فيهم جميعا المواصفات المطلوبة.. خبرة.. وكفاءة.. وسيرة ذاتية محترمة.

هذا ما كان يجب أن ننشغل به.. وليس الإلغاء أو الإبقاء فقط، فمصر تعانى من قلة الشخصيات العامة المؤهلة لتولى مناصب قيادية.. سواء فى السياسة أو الإدارة.. والأحزاب لم تفرخ قيادات أو كوادر جديدة.. فمازالت عبارة عن مقر ورئيس وجريدة.. لا أكثر من ذلك.. والجامعات.. ينادى البعض أن يقتصر دورها على التعليم فقط.. ولا مجال للنشاط السياسى فيها!، إذن ما هو البديل للتدريب على العمل العام لإفراز كوادر تمتلك رؤية وقدرة وجدية سوى تلك المجالس العامة التى ترعاها الدولة وتختار أعضاءها بالانتخاب أو التعيين بشروط معينة.

فهل سنكتفى بهؤلاء الذين لا يزيدون على 500 شخص يحتلون القنوات الفضائية وصفحات الصحف والمجلات؟ أم تتوسع دائرة المشاركة المجتمعية فى العمل العام ويتحول المواطنون من مجرد متفرجين إلى مشاركين؟

مرة أخرى.. هل تريدون أن نكون جميعا شركاء فى السراء والضراء.. أو أن يستحوذ البعض على الثمرات دون الأغلبية الساحقة.. والمهضوم حقها فى المجتمع؟

فيا من تعتقدون أنكم احتكرتم الرأى والحكمة إذا كان مجلس الشورى.. أو غيره من المجالس أو الهيئات.. لم يكن عند حسن الظن به، فالعيب لم يكن فى الشورى نفسه ولكن فيمن شرع قانون انتخابه أو اختيار أعضائه أو لم يحسن إدارته.. أما حكاية العبء المالى.. أو الازدواجية فى التشريع.. فالحقائق غير ذلك تمامًا!.

qqq

والقضية الثانية.. هى نسبة الـ 50% عمال وفلاحين من عضوية مجلس الشعب، فهى أولا لا تخل بمبدأ المساواة بين المواطنين، فلا علاقة لها بالجنس أو الدين أو اللون، وإنما كان الهدف منها تمكين الغالبية الساحقة من المجتمع من المشاركة فى العمل العام والتعبير عن مصالحها.. ومن المعروف أن كلنا أبناء عمال وفلاحين وهم العمود الأساسى للطبقة الوسطى - مع الموظفين - والتى حافظت دائما على تماسك المجتمع وعدم انهيار الدولة، بل إن هؤلاء العمال والفلاحين وأبناءهم.. هم من قاموا بثورة 25 يناير.

والغريب فى الأمر أن أغلبية لجنة الخمسين غير متحمسة لإقرار تلك النسبة ولو لفترة زمنية محددة، مع أن تلك الأغلبية من أبناء العمال والفلاحين وإن كان البعض منهم فتح الله عليه بالعلم أو المال أو المنصب القيادى، والأهم من ذلك أن التيار الناصرى - ومعه بعض الإخوة اليساريين - هو المسيطر على عضوية تلك اللجنة، وتلك النسبة هى إحدى الثمار المجيدة لثورة 23 يوليو التى قادها الزعيم الراحل جمال عبدالناصر!!.. فما الذى حدث؟!.

يقول البعض إن هناك تحايلا وسوء استخدام لتلك النسبة.. ووجدنا لواءات ومهندسين وأساتذة جامعات وصحفيين يترشحون تحت صفة العمال والفلاحين، ومن ثم يجب إلغاؤها.. إذن.. نفس المنطق.. نلجأ دائما إلى الأسهل وهو الإلغاء أو الهدم.. بدلا من الإصلاح وتصويب المسار، فلماذا لا نكافح التحايل.. مع استخدام النسبة؟ وهنا لا نفعل سوى تطبيق القانون.. الذى نطالب جميعا باحترامه، والقانون حدد تعريفا لكل من الفلاح والعامل.. فالقانون يقول «يقصد بالفلاح من تكون الزراعة عمله الوحيد، ومصدر رزقه الرئيسى، ويكون مقيما فى الريف، ويشرط ألا يحوز هو زوجته وأولاده ملكا أو إيجارا أكثر من عشرة أفدنة».

فهل الدكتور أو المهندس أو الصحفى.. عمله الأساسى ومصدر رزقه الرئيسى من الزراعة؟ من هنا الذى أخطأ الفلاح أم الإخوة «الفئات» قادة الرأى فى المجتمع الذين صدعونا بالحقوق والحريات والمساواة.. إلخ؟.. ومن الذى ساعدهم على ذلك؟.. وأين دور اللجنة التى تتلقى أوراق الترشيح؟.. ولماذا لا يقدم كل مرشح «سيرة ذاتية» تكشف طبيعة عمله؟، وأين حق الطعن من قبل المرشحين الآخرين على «الصفة» للمرشح المنافس؟.. كل ذلك كان يحدث لأن كلنا كنا نشارك فى الخطأ، وأغمضنا عيوننا عن تطبيق القانون.. ووجهنا السهام إلى النسبة التى يجب إلغاؤها؟.. أين الموضوعية؟.. أين المصلحة العامة؟.. وأين السلام الاجتماعى والعدالة؟.. للأسف.. كله كلام.. يسميه أهلنا فى الأرياف «طق حنك» لا يغنى ولا يسمن!

qqq

القضية الثالثة.. قانون الانتخابات البرلمانية، وخاصة لمجلس الشعب.. هل يكون بالقائمة أم بالنظام الفردى؟..

طيب.. إحنا ليه عايزين نعمله بالقائمة أو الفردى؟.

الأول نتفق على الهدف.. ثم بعد ذلك نحدد الآلية.. وهو القانون.. وأعتقد أن الهدف الأساسى أن يكون لدينا نظام ديمقراطى سليم قائم على التعددية وعلى تداول السلطة، وهل التعددية وتداول السلطة يمكن أن يتحققا بدون أحزاب قوية لها تواجد فى الشارع؟.. أليس أهم أهداف الأحزاب الشرعية المنظمة هو الوصول إلى السلطة؟.. وما هى السلطة؟.. هى تحقيق الأغلبية فى المجلس النيابى ومن ثم تشكيل حكومة الأغلبية وتنفيذ البرنامج الذى وعد به الناخبون وتم اختيار المرشحين على أساسه.. أليس هذه بديهيات العمل السياسى السليم.. ليه بنلف وندور حول نفسنا؟!

نعم لدينا أحزاب ضعيفة.. مجرد رئيس ومقر وجريدة.. لا كوادر ولا تواجد فى الشارع، فهل تريدها ضعفا أم نقويها؟..

وصحيح أن مصر.. ليست الأحزاب فقط.. فهناك نسبة كبيرة تمارس العمل العام أو النشاط السياسى بشكل فردى أو مستقل أو فى صورة جمعيات أهلية، وهو واقع موجود.. وقد يكون سببه عدم الاقتناع بالأحزاب الموجودة على الساحة أو بسبب «الميراث الفرعونى»!! نحن لا نرغب ولا نجيد العمل الجماعى.. إذن لماذا لا نلجأ إلى «الحل» الذى يرضى جميع الأطراف.. ويحقق الأهداف والآمال فى نظام ديمقراطى سليم؟.. بمعنى أن يجمع القانون بين النظامين.. القائمة وتخصص للأحزاب، والفردى للمستقلين، مع تلاشى كافة العيوب التى كشف عنها التطبيق فى المراحل السابقة.

فالقائمة تجبر الأحزاب على وضع برنامج سياسى واقتصادى واجتماعى لتقنع الناخبين باختيار مرشحيها، كما سيكون لديها ميزة اختيار المرشحين فتتماسك ولا ينفرط عقدها!

ومن لا يرغب فى الترشح تحت عباءة أى من الأحزاب الموجودة فلديه النسبة المخصصة للمستقلين فى الدوائر المختلفة.. المهم أن «نضبط» العملية ونكافح التحايل.. ونتفادى الأخطاء السابقة، مع اشتراط أن الحزب الذى لا يحقق نسبة معينة من تصويت الناخبين.. يجب أن يحل نفسه وألا تقوم الدولة بحله جبرا عن طريق القضاء!

فى تلك الحالة سوف تضطر الأحزاب الموجودة على الساحة إلى الاندماج فى بعضها البعض، أو تتحالف مع بعضها للحصول على الأغلبية البرلمانية.. وبعد دورة أو اثنتين من الممارسة البرلمانية الجادة سوف ينحصر عدد الأحزاب فى أعداد قليلة قوية يمكنها أن تتنافس مع بعضها.. ومن ثم يتحقق الهدف المطلوب وهو حياة ديمقراطية سليمة قائمة على التعددية وتداول السلطة.. وأرجو ألا نخشى من القوائم! أما غير ذلك.. فسوف تكون كمن يحرث فى البحر!!

qqq

إذن.. فالعيب دائما لا يكون فى الأداة أو فى النظرية، ولكن فى الاستخدام أو آلية التطبيق.. فيا أولى الحل والعقد.. نظرة لمصلحة الوطن بعيدا عن الذاتية أو الشخصية أو تصفية الحسابات.

 

تم نسخ الرابط